تدوينة : صفقة سوداء

ملاحظة : تركت حركة كاف المخاطبة لتقرأيها وتقرأها بلا مشاكل ، اكسريها وسكنها كما يليق بجنسك .

ماذا لو أتاك رجلٌ في طفولتك ، رجلٌ وسيم الهيئة هادئ الملامح خفيف المشية ، مسموع الكلمة فلا تقدر على أن تتجاهله عطفًا عن معارضته ، هذا الرجل الذي أسرك ببسمته فلا يمكنك أن تظن عنه إلا أنه ملِك فلا يُعقل أن يكون مثله رجلًا عاديًا ، رغم ظنك فلا زال الرجل يسير صوبك وتزداد مع كل خطوة من خطواته سرعة نبضات قلبك وارتجاف بدنك وذُعر نَفَسِك ، يتوقف عندما يقترب إليك ثم يمسك كتفك بيده اليسرى الباردة ويقترب بوجهه إليك أكثر وأنت صرت كالصنم من الإعجاب والخوف معًا ، يهمس بأُذنك يقول :’ إني أحبك وأحب اسمك وأشكر والديك على هذا الإختيار ، لستُ سوى تابعك فلا تخف مني وما أتيتك إلا بسبب انكساري على حالك ‘

يسكت برهة أمام ذهولك وينظر للأرض تاركًا لك المجال للتفكير في تلك الأحداث المتسارعة ، تفكر تفكر وتفكر حتى يقاطعك نفس الرجل مكملًا ما بدأه ويقول لك :’ ما أظلم الحياة التي ظلمتك وفعلت بك هذا ، لماذا لا يذكروك ؟ لا يكافئوك ؟ لا يعرفوك ؟ لماذا ولماذا وأيضًا لماذا ؟! ‘

يسكت مرة أخرى وينظر للسماء ويبتسم ابتسامة غريبة : ‘ أظنني وجدت الحل ، لتعقد صفقة معي أنا … الشيطان ‘

‘لم آتي لمحاربة دينك فمن أنا كي أجادلك فيما يختاره قلبك ، ما أريد منك إلا أن تنصاع لأمري وإن فعلت فسيأتيك المال ويتبعك الناس وترضخ لك الحياة فأنا أعرفها وأعرفهم أكثر منك …. لا أظن أن هناك من يعد مثلي ولا أريد إلا القليل ‘

‘ ليكن الكذب نظامك ولا تَصْدُق بالقول وتجعلَ اللسان رسول قلبك الوفي بل اجعله تابعًا لمصلحتك يلهث وراءها ، لا ضير أن تُباع كلمتك للأقوى والأكثر ، لا يهم إن باتت قلوب الناس لعبتك فأنا المحترف فيها ولا مشكلة لي في تعليمك بأسرارها ، قلوب الناس ودمائهم مشروعة عندي فما أنا بمحاسبك عليها فسحقًا لهم ، كذلك أمور أخرى سأعلمك إياها عندما أصبح سيدك ‘

بدأ الشك يراودك وصوت الضمير يهجوك والحيرة باتت تسودك فيلاحظها الشيطان ويقوم مبتسمًا ويودعك بقوله :’ الخيار لك وأما أنا فلا أخسر أحدًا ، أنتم وأنتن الخاسرون والخاسرات ‘

 …..

ربما نظن أن الانصياع للشيطان ضربٌ من الجنون خاصة إن كانت بقصةٍ مثل قصتي فيها يُعرِّف الشيطان نفسه لنا رغم كل تحذيرات رب السماء وكأنه متيقنٌ بأنه سيكسب معظمنا ويقتل ضمائرنا حتى وإن عرفنا من هو فهل كان تصرفه غرورًا أو أنه فعلًا يعلم حجم الطمع الذي في نفوسنا وعمِل عليه؟ 

يذكر لنا التاريخ العديد من الوقائع لهؤلاء الذين رضخوا لأطماعهم وقدموا توصيات شيطانهم على سائر الأخلاقيات والمبادئ المتفق بها بين البشر فنجد كليوباترا تستنجد بالقوي يوليوس قيصر لتقضي على أخيها ويُرمى به في غياهب البحر ، وعندما نذكر كليوباترا فمن باب أولى أن نتذكر يوليوس قيصر الذي طُعن مِن الرجل الذي اعتبره ابنًا وما كان سبب الرجل إلا أن شهرة قيصر تجاوزت شهرته وشهرة مجلس الشيوخ وحب الناس له فاق حبهم لغيره ليقرر هو وأصحابه قتل قيصر لتتغير الجمهورية الرومانية للأبد وتغدو إمبراطورية يلقب ملوكها بالقياصرة ،  وغير هؤلاء كثيرٌ من الأمثلة التي ترجح سيطرة الشيطان بحضور الطمع وقبيح الصفات لكن مهلًا … هل هناك من يتفق مع الشيطان ؟

عندما أراد نيكولا ميكيافيلي (أحد أكثر الرجال المثيرين للجدل في التاريخ) التقرب لأمير مدينته <مديتشي> لم يجد أفضل من كتابة كتاب يستعرض فيها استنباطاته من دروس التاريخ والساسة ويجعله في كتاب سياسي يُخبر فيها ابن فرينزي أميره عن السياسة وأخبارها والدولة وأوصافها ، الكتاب الذي جزم كثير من الناس أنه كُتب من الشيطان بشخصه الرجيم … كتاب الأمير .

” تُبررُ الغايةُ الوسيلة “

نيكولا ميكيافيلي

رغم إهتمام نيكولا بلفظة الشرف في كتابه وإيمانه بأنها ميزة يتزين بها الأمير لكنه يؤكد أيضًا بأن الأمير لا يحتاجها كمنهج يُسيّر حياته بها فهي ” شرف ” له ، بالنهاية الخونة هم القاتلين وما قُتل غير الشرفاء على الأقل غالبهم ، ربما رأى أن أسلوب الشيطان هو الأجدى للأمير رغم انكار أخلاقيتنا لها ، فهل ستعيش متناقضًا لتُلبي عهد الشيطان ؟

في مسرحية ” فاوست ” الجرمانية الشهيرة يستعرض لنا جيته طمع النفس البشرية بشخصية فاوست الذي ارتأى أن يقضي اتفاقيته مع الشيطان ليبلغ ما يرغب فيه وكأن جيته يؤكد لنا أن طريق هو الأسرع كما هو الأقبح والأبغض وأنّ الشيطان حقًا لا يراك حليفه بل عبده إن انصعتَ له وأقسمتَ بطاعته  لنكرر نفس السؤال … هل ستفعل ؟

{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)}

سورة الأنفال

رغم أن الشيطان يستطيع كسب الكثير بخداعه وربما يميل الأغلب إليه بأمانيه إلا أنه يظل ذا كيد ضعيف لا يتمكن على أصحاب القلوب النقية ، القلوب الشريفة من اتفق لسانه بما يلج بقلبه ، الذين يخافون الله ولا يرجون غيره سبحانه فما شأنهم بعقد صلح مع مخلوق مثلهم لا يرى نفسه إلا أنه خيرٌ من الجميع لأنه خُلق من نار ، تلك القلوب التي وإن لم تنل ما ناله بائع قلبه للشيطان إلا أنهم حصدوا ماهو خيرٌ وأبقى … أن صارو عبيدًا للخالق الأوحد ولم يبطشوا بقلوب خلقه وصدقوهم كما صدقوا ماعاهدوا الله عليه فأحبهم الخالق وكفى بذلك فضلًا .

خاتمة || 

ربما تكون حقيقة لا يمكن تكذيبها عظمة فريق الشيطان عددًا ومددًا ولا نقول أن حزبه لا يكسبون ولا ينتصرون في مواضع بالتأكيد هي كانت بدنيانا بادئ الأمر وآخره ، لكن هل تلك الأماني وتلك الخيرات الزائلة ستقنعنا وتجعلنا نترك ما هو خيرٌ وأبقى لعجلة دنيوية وطمع لا يشبع ؟؟ 

هل إن أتانا هذا الوسيم أذعنا له وأطعناه أم أن قلوبنا كان لها رأيٌ آخر في ذلك ونفوسنا الحُرة التي لا ترضى أن تكون أمةً لمخلوق آخر لا فضل له عليها ؟ إن الخيارين أمامنا وكلنا نختار الخيار الذي لن يتحمله سوانا .

لا توجد آراء بشأن "تدوينة : صفقة سوداء"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: