تدوينة : كابوس النسيان

أنا الذي كان عليه أن يعرف أننا لا نُنتج الكتب إلا لكي نبقى على صلة بالبشر بعد الموت ، نذود بذلك أنفسنا ضد العدو الألد لكل حياة ، ضد الزمن الذي يمضي .. ضد النسيان.

ستيفان زفايغ

في إحدى الإختبارات التي اختبرتها مؤخرًا استوقفتني عبارة كتبها أحد المجهولين على ظهر الكرسي الذي أمامي حيث كتب :

” الخط باقٍ وراعي الخط مدفونُ ” 

لا أخفيكم أن تلك الكلمات أسرتني وبدأت الغوص في ماهيتها والمعاني التي حملتها سواءً قصدها الكاتب أو التي افترضها عقلي ليهرب من ملل انتظار انتصاف وقت الإختبار لكني ما أطلت التفكير لأنشغل بأمر أهم ، أن أحفظ المقولة لأنقلها خارج تلك القاعة الكئيبة فخيار الكتابة على اليد صار مستبعدًا بعد ملاحظة الدكتور نظراتي المطولة على هذا الكرسي القبيح.

بعيدًا عن اتفاقنا بخطأ الشاب لكتابته على ممتلكات الغير إلا أن كلماته ربما تشير إلى سبب تلك الفعلة التي يتفق فيها البشر بإختلاف أجناسهم وألوانهم ، أن يصنعوا ذِكرى لأنفسهم ليحمونها من الضياع.

منذ نزول آدم عليه السلام على هذه الأرض وكابوس الفناء يلاحق أبناءه وبناته ، هذا الكابوس الذي كان سببًا في كفر كثيرٍ من الناس وحجة قوية للشيطان لإقناع فريقه بالإنغماس بالمتع فهم لا يعيشون سوى مرة فلمَ التعب ؟ 

مع تعاقب القرون بدأ الإنسان يلجأ لفكرة الحياة بصورة أخرى في الدنيا ، أن يعيش في قلوب البشر المتعاقبين فيبقى ذكره حاضرًا عندهم وكأنه بات حيًا بينهم ، راود هذا الحلم معظم الناس ولم يستطع على تطبيقه إلا الملوك وأهل النفوذ فكثرت تماثيل الرومان ورسومات الفراعين وأهرامهم ، كلٌ بحث عن طريقة لتخليد اسمه بصنع أثره الخاص أو بتشغيل من يصنعونه كما فعل القياصرة والسلاطين.

في بيت المتنبي الشهير:

أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي “

“وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ

يأتي المتنبي ويرفع من سقف حفظ الذكريات لينقلها من هدف أن تكون مجرد ذِكرى كما فعلت حضارة الفراعنة في رسوماتها والعرب ماقبل الإسلام مع أحجارهم لتكون محطة المنافسة ، فالأفضل هو من سُيذكر ويصل أثره لشتى بقاع الأرض وأهلِها حتى يعلم بها الأعمى من عظمتها فكأنه يراها ، هذا البيت الذي دل على شرارة صارت نارًا … نار المنافسة.

أبسط الطرق للحفاظ على ذكرك ” بعيدًا عن محاولة الأطفال البائسة بالرسم على الجدران ” وأقدمها هي الزواج وإنجاب ذرية يحملون اسمك فحتى إن لم يسطروا اسمهم في صفحات التاريخ فعلى الأقل هناك أحد حمل اسمك وحماها من الفناء وصنع سلسلة بمسمى ” العائلة ” تبدأ جذورها منك وتعود أسمائها إليك. رغم مكانة الطريقة العظيمة في نفوس الناس وسهولتها إلا أن ذلك لم يشفع لها في كسب تلك الفئة القلية ، المتلهفون للأمجاد الذين لا يرضون بأقل من منزلة العظماء مكانة حتى وإن عنى ذلك أن يتنازلوا عن كل ماتهواه الأنفس البشرية … الرضى.

أَنامُ وَما قَلبي عَنِ المَجدِ نائِمُ

وَإِنَّ فُؤادي بِالمَعالي لَهائِمُ

يَعِزُّ عَلى نَفسي إِذ رُمتُ راحَةً

بِراحٍ فَتُثنيني الطِباعُ الكَرائِمُ

وَأَسهَرُ لَيلي مُفكراً غَيرَ طاعِمٍ

وَغَيري عَلى العِلّاتِ شَبعانُ نائِمُ   

    المعتمد بن عباد

يتحول الأثر والذكرى لهوس في حياة هؤلاء البشر فهم ليسوا كالسلاطين الذين يهتمون بالمديح اللحظي لا أكثر حتى وإن أدى ذلك إلى شتم مؤرخي الأجيال القادمة لهم مثل مجنون الروم كاليغولا وغيره من مجانين العصور ، الفرق الجوهري بين هؤلاء ومحبي المديح أن الحياة والمعاصرين لا ينصفون الفئة الأولى فيعيشون مشتتين ضائعين محاولين صنع الأثر بدمهم ودمعهم حتى وإن تسبب الأمر بهلاكهم .

من المفارقات الطريفة تاريخيًا أن أهم أعلام الفريقين اجتمعوا تحت سقف واحد ولا أعني بالتأكيد غير المتنبي وسيف الدولة وشتان بين الإثنين الآن فإن كان الأول عاش على مديح سيف الدولة فلا يمكن إدعاء أن الأمر نفسه ينطبق الآن ، لم تكن شهرة سيف الدولة في الوقت الحاضر إلا لإرتباط اسمه بالعظيم الحقيقي ذا الأثر الجلي المبهر …. المتنبي .

هذه العظمة وتلك المنزلة لا تطلب القليل للأسف فهي تطلب أغلى ما يملكه المرء … حياته.

لن تكون المآسي إلا ورقة العظمة المعتادة للتعامل مع قلبك ، هذا الهوس إن لم تحققه ” غالبًا سيتحقق بإنصاف الأجيال التالية لأسباب ربما أذكرها بموضوع مستقل ؛) ” فسيبدأ وحش الألم بالإستيلاء عليك ، ربما حب العظمة تسكن روحك لكنك لست بقادر على الإيفاء بمتطلباتها فتكون منسيًا دومًا ، فالعظمة لا ترأف بك إذا لحقتها ، إما أن تقدر فتَتَجرّع ألمها لتذكرك بعد الموت عند الناس وإما أن تُذيقك ألمها بالمجان ، ربما تكون رأفتها الوحيدة أن هلاكك لن يكون مؤلما لمن بعدك إن لم تنلها ، طُعن قيصر وقُتل المتنبي ومات تيسلا صانع الكهرباء الحديث وحيدًا محاصرًا من الاستخبارات الإمريكية بفندق كئيب وزفايج منتحرًا وغيرهم كثير.

خاتمة ||

لأن الحياة كانت عادلة دومًا بخياراتها معنا فهي لا تُجبرك أن تعيش معاناة هؤلاء وأن تبحث بدلًا منها عن دائرة طيبة من الناس ، تحبهم ويحبوك ، أن تستمتع معهم وتأنس بهم وزوجة طيبة تجدها أو زوج طيب تجدينه ، يعيشون معكم بقية حياتكم يضحي كل منهم لزوجه ، أن يحفظوا أثركم بحب يسكن قلوبهم تجاهك ، فلا ضير أن لا يرى أثرك أناس لا تعرفهم ولا تحبهم ، يكفيك أن ينال أثرك من تحب والحياة ستفعل الباقي لإبقاء اسمك بالذرية إن شاء الله أو بطرقها الأخرى التي لا يعرفها سواها ، الخيار خيارك.

أما أنا فسأظل أكتب لأصنع أثري وأحفظ ذكراي : )

رأيان على “تدوينة : كابوس النسيان

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: