سرية بيضاء : الفصل الأول

” مات حمار أمية ولم يبقى سوى الجحوش 

تلك هي الكلمات التي ختم بها أبو العباس السفاح مجلسه الإستثنائي مع أبناء عمومته، كيف لا وأنَّ خبر مَقْتَل مروان الحمار ذاع وانتشر بأراضي الخلافة الإسلامية الفَتِية ليجعل حدًا لإسم بنو أمية فيها.

رغم انتشار الخبر إلا أن وقع كلمات الخليفة في نفوس العباسيين كان لها من الأثر العظيم، لقد أحيت نفوسهم وطيبتها كما تفعل قطرات الندى على براعم الشجر، فصاروا وكأنهم تلقوا الخبر لأول مرة من لسانه ليخرجوا من مجلسه مهللين يقولون :

وبنو الهاشمِ مَاضُونَ في عَهدِهمْ 

لا يَلْقَونَ بَأسًا ولا عَضْلاَ

ولتُغْرقَ أميةُ ببَحرٍ هم مِلْأه 

دماءٌ وألمٌ وعندَ ربك أكثرَ

همَّ أبو جعفر المنصور بالخروج معهم ، لكنه لم يقترب من الباب حتى استوقفه أخاه السفاح بقوله : ‘اصبر أخي فلنا أعمال لم تنتهي هُنا ‘

وقف الأخ متجهمًا مستغربًا ثم دَنى برأسه لأخيهِ وقال بِخُفوت: ما الذي يطلبه خليفة المسلمين في ساعة الفرح هذه؟’

– ‘إني أريد منك النظر في أمر بقية أبناء أمية … لا نرغب بغروب شمس خِلافتُنا قبل أن تَبزغ بسبب تنفسهم لهواء الأرض وأنت أكبر وأفهم مني بتلك الأمور ‘

– ‘الجحوش ؟؟ لا تخف فهؤلاء لن يملكوا مثقال ذرة في الأرض والظِلال لاتزال تدل علينا وتخبر الناس بملكنا ، والهم الذي تقلق منه والكابوس الذي تخافه سيقضي عليه جنودنا وتمزقه سيوفنا ، فلا لأمية من حليف يقيهم من بطشتنا ، ولا لهم من ملجأ يحتمون به من ضربتنا إلا أن يلجأوا بالقسطنطينية وغربها يامولاي ‘

-‘ماعلمت أن الشمس لا تغيب في القسطنطينية ‘

-ما الذي ترمي إليه من هذا الكلام ياخليفة المسلمين؟’

-‘ مادامت الظلال لم تترك بِضعة في الدنيا فلا عذر لك أن تترك راية بيضاء يحملونها ولا عمامة ناصعة يلبسونها بحالها بلا سفك دماء ولا ضرب عناق حتى ترى الشمس قد أشرقت من مغربها !!! ” حينها توقف أبو جعفر متأملًا أخاه الصغير عاجزًا عن الرد برهة من الزمن ليخرج عقبها ويقول : ويلٌ على ذرية أمية من بطش سيوفنا السوداء والويل علي إن عصيت الخليفة وتركتهم ‘

….


ليلةٌ ظلماء أظلمت في صحراء جزيرة العرب ، لم يكن يزينها نجم ولا ينيرها بدرٌ … ليلةٌ خرساء لم تحمل سوى الألم والحسرة في قلب كل من انتسب لأمية وولاهم ، فقد ضاقت أرض بلاد الإسلام الفسيحة فيهم ولم يكن لفضاء الصحراء أن يوسع عليهم ضيقهم فضيق القلب لا يسعه عنان السماء وملكوت الأرض ، رغم ذلك فلا زال هؤلاء متأملين، يحمل الأمل أقدامهم وتسيرهم أحلامهم ويطرد الرعب النوم عن جفونهم … يقلبون أعينهم بين فضاء الأرض والسماء ، أَخُيل بأعينهم سيوف العباسيين أو هي رماحهم ؟ أيَلقَونَ بنهاية الطريق السفاح وجنده ينتظرونهم ؟ أم أن السماء ستُلقي عليهم أسهم عباد الله الذين ظُلِموا في عهدهم ؟؟ لم يكونوا يعلمون إلا أمرًا واحدًا … أنّ الوقت يمضي ليُريَهم القصة التي هم فيها داخلون.

_____________________________

لقراءة الفصل الثاني من سرية بيضاء ، الرجاء النقر على العنوان التالي :

سرية بيضاء || الفصل الثاني

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: