سرية بيضاء : الفصل الثاني

كانت سريتهم قليلة العَتاد فلم تضم إلا عشرة أشخاص ، هذه الخطوة كانت إحدى بنات أفكار قائدهم خالد الأموي الذي رأى أهمية تقسيم زُمرة الهاربين من بنو أمية إلى ثلاث سرايا بنفس العدد إتباعًا لحكمة يعقوب عليه السلام بالدخول من أبواب متفرقة لأنها الطريقة الأجدى لإبعاد الأعين عنهم وسيوف العباسيين عن رقابهم.

لحسن الحظ أنه اتفق مع بقية الأمويين على الإجتماع في شمال صحراء جزيرة العرب، مرت ساعات طوال على مسيرة هؤلاء العشرة حتى قُريب الفجر بقليل ليروا أخيرًا السريتين المتبقيتين بلباسهم الأبيض وعمامتهم التي لا تقل عنها نصاعًا ، لم يتمالك خالد نفسه حين رؤيتهم فركب فرسه مستعجلًا متجهًا نحوهم قَدْحاً حتى أتاهم ونزل إليهم.

ما إن نزل من فرسه قَدِم إليه معاوية الأموي مهللًا وقال : ‘ سرية بيض..’ ليفاجأ بلكمة خالد الذي باغته مستعجلًا وقد احمرت عروق رقبته غضبًا . كانت قبضة خالد كفيلة بإخلال توازن معاوية لكنها لم تخل بتوازن عقله ليقول له مبتسمًا : ‘ولمَ لم تدعني أُكمِل الكلمات التي إتفقنا عليها رحمك الله ؟’

خـ : ‘وماحاجتي لسماعها يا أحمق ؟ لباسك الأبيض يكفي لإخبار الأعمى بماهيتك ، أترانا خرجنا من الشام لنُقتل هنا أو ماذا !؟ ‘

رأى معاوية عقبها السماء التي بدأ الضوء يتفشى فيها شيئًا فشيئًا وقال بخفوت وكأنه يكالمها هي لا هم وقال : ‘ بل مكر الأيام الذي جعلنا ننبذ نور أجدادنا على الأرض ونخاف من ذكر أسمائهم في ريح السماء ، أيابدرًا لا غرابة بغيابك فقلوب الشجعان ذهبت فلِمَ تخرج على الجبناء ؟’

صمت خالد قليلًا من الوقت وأطال النظر في عيني معاوية ويقول :’ ماغاب البدر لعيبٍ فينا ولا لخطأ بنا ،لكنّ القمر ما احتمل أن يرى أرواح مخلوقات الله تُسفك قبل أوانها وتذهب ، فكيف لمخلوق أن يرضى برؤية مخلوق مثله آمن بخالقه تُستباح دماءه وتُسفك في أرض ربه بلا حق ؟’

ثم أتى خالد وأمسك معاوية من صدره وجرّه إليه وقال له وعيناه بدأت تفيض من الدمع : ‘سَل سيوف العباسيين عن أهلونا ، سلهم عن الأفئدة التي اعتنقت الأرض صمتًا ، سلهم بما شئت لكن إياك أن تُدخل ذرياتنا وتتسبب بنهاية أمية على أرض الله في الدنيا بسبب رعونتك … إن إشتدت ظلمة العباسيين فأكبر حماقة نرتكبها بحق أنفسنا أنْ نُشعل ما تبقى من شعلتنا الآن’

تدخل وقتها زعيم السرية الأخيرة ليفرق بين الإثنين ، ثم قال لخالد : ‘كلنا أبناء أمية فلا تُحمِل كلام أخينا بما لم يقصد فتكون بئس الصاحب والقريب ‘

خـ : ومن أنت ؟

– ‘حسان بن زيد الأموي ‘

خـ : ‘ أحسن إلينا بصمتك وأرحنا من لسانك إذن ‘

حسـ : ‘ومتى صار الغريب يسوقني ويسكتني كيفما شاء ؟’

أوقعت هذه الكلمات ماتبقى من الرزانة التي كانت بينهم ليميل خالد لسيفه يتلمسه استعدادًا لإخراجه من غَمْده وهو ينظر بوجه حسان الذي بادله بنفس التحركات وكأن أحدهما صار مرآةً الآخر … كانت الموقعة تقترب بين الإثنين مع استعداد معاوية المصدوع للحيلولة بين الأمويين لكنها قُوطعت من سرية خالد التي اقتربت إليهم ووضح ذلك بصراخ ابنة خالد التي نادت أباها : ‘ لماذا أحصنتك أسرع من أحصنتنا يا أبي ؟’

كانت كلمات الفتاة كفيلة بأن ينسى أباها مشكلة الإثنين ويستقبلها بإبتسامته التي عودّها بها ، ويذهب إليها تاركًا الإثنين خلفه ويضم ابنته ويقبلها وهو يقول : ‘لأنني أخبر فرَسي دومًا بأن تذلل السبيل التي ستسير عليها ابنتي ‘

ضم ابنته الصغيرة مرةً أخرى برهةً من الوقت ثم مررها عقب ذلك لزوجته وذهب متقدمًا صارخًا بجميع الأمويين الثلاثين تحت أنظار حسان الذي أمسكه معاوية وهمس بأذنه : ‘هو من اختار طريقنا وأنقذنا لهذا هو الأمير حتى تأتي الأيام بما لا يرغب ‘

لم تجمع صرخات خالد أنظار الأثنين فقط بل شملت جميع أعيان السرايا الثلاث من الأمويين والأمويات وعبيدهم ، نظروا لأميرهم ينتظرون قوله وإشارة يده.

رفع خالد يده اليمنى عاليًا مشيرًا بسبابته للسماء وهو يقول : ‘لا يَخفى غياب القمر عنا أبدًا يا قومي فقد أظلمت السماء بوجوهنا كما أظلمت الأيام قبلها علينا. لكن لكل ليلة ظلماء فجر ينيرها ولا يزهق العتمة سوى النور … إن غاب القمر عن ليلتنا والليلة التي تليها فليست أخبار الرسول الكريم وصحبته عقب أُحد بغائبةً عنّا ، لم يهنوا ولم يضعفوا حتى بعد خسارتهم فهم يعلمون أن الله معهم وكفى به ناصرًا ‘

‘ إني أعلم أنكم لم تختاروني أميرًا وأعلم أنّ فيكم من هو أكبر مني وأعلمْ ، لكن ليست الخيرة بالتنازع بالخيار إنما كانت بالتآلف والطاعة لمن أَجار ، إني والله لا آبه إن بِت أول الموتى فلا خير لمن أَرْجَى موته بالدخول في الجحور وبيت السِنور ، همي حياة ذرية أمية ولكم الخيار يا إخوتي وأخواتي ، إما أن ترضوا بي أميرًا ، أو لأتبعَ من اخترتموه أميرًا غيري وآخر دعواي أن الحمدلله رب العالمين ‘

صرخ الجميع وهللوا بعد إنتهاء خالد من كلامه وبدأو يرجفون الأرض بأقدامهم من الحماس الذي دب فيهم حتى يُرى أن الأرض باتت ترجف معهم وقالوا : ‘وهي لك ، ما هو أمرك يا أميرنا ‘

فرد عليهم : ‘ أول أمري أن تدنسوا ثيابكم البيضاء بالتراب فأبناء السبيل لا يلبسون ملبسنا ولا يتكلمون مثلنا ، علينا أن نكون كالعامة لتبقى سيوف العباسيين بعيدة عن أعناقنا ‘

_____________________________

لقراءة الفصل الثالث من سرية بيضاء ، الرجاء النقر على العنوان التالي

سرية بيضاء || الفصل الثالث

لا توجد آراء بشأن "سرية بيضاء : الفصل الثاني"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: