قصة قصيرة للغاية : ستيفانو جامع العُلب

ستيفانو البدين ، ذو الخمس والأربعين عامًا ، كان يُلَقب بملك الألقاب بين سكان حيه بلشبونة لكثرتها ووفْرَتها حتى صار مصدر المصطلحات لطلاب علم الاجتماع في البرتغال فألقابه هي امتداد فترة تقارب الثلاثين عامًا من الأسماء المتتالية لعل أهمها منجم المطاعم وأنف الفيل ولسان الحوت وحديقة الحيوان ( لكثرة ألقابه المرتبطة بالحيوان ) وأخِرها دُب الدايري الذي لقبه بها رجل سافر للرياض لعمل إعلاني ويفاجأ بكثرة تلك الكلمة بلسان أهلها فعرف لاحقًا أنها مقرونة ببطىء الوقت فربطها بستيفانو الذي يقضي الساعات الطوال على تلك المأكولات. لكن كل تلك الألقاب لم تكن ذات أهمية مقارنة باللقب الأشهر … ستيفانو جامع العُلب.

ذلك اللقب تعود جذوره قبل عشرين عامًا وبالتحديد اليوم الرابع بالشهر الثامن عندما كان يبلغ ستيفانو خمسة وعشرين عامًا ، شاب حديث التخرج يحمل الكثير من الأحلام ويجري وراء أعظم الأهداف لكن لا تَمُرُ عليه الأيام إلا ويلحظ المصيبة التي ستمنعه من تحقيق أحلامه ، إدمان الطعام.

تلك العادة باتت هاجسًا يؤرق ستيفانو الشاب ، تمنعه من الذهاب لرحلات الجبال مع أصحابه وحفلات بلج بيليم مع أهله ، كان يهرب من مشاكله بالأكل ويتجاهل مصائبه بتجرع المشروبات الغازية ، كان يستمر بالغوص بتلك العادة حتى مَلَّ من الطعام وبات مجرد روتينًا عليه تأديته وواجبًا عليه الانتهاء منه حتى أتى ذاك اليوم المؤلم.

كان يومًا حارًا منهكًا كما هي أيام شهر يوليو، لم يتغير شيء على أفعال ستيفانو ذلك اليوم فذهب لمطعم فطوره المفضل ليطلب طلبه المعتاد لكنه تفاجأ بوضع مرآة مكسورة أمامه بسبب نظام أقره العمدة لكل من يزن أكثر من مئتين ، كانت تلك الفكرة إحدى بنات أفكار عمدة العاصمة الجديد في فترته الأولى الذي اهتم بها بمحاربة السمنة بالدرجة الأولى ليرفع من كفاءة أعمال المدينة (كما يرى ) لكنه واجه بعض المشاكل مع أهل العاصمة الذين رأوها إيذاءً أكثر منه تحريضًا فقرر عقبها أن يضع رقمًا خياليًا كي يُنقذ نفسه من صدام الناس.

لسوء حظ ستيفانو أنه كان الوحيد في هذا المطعم التي وُضعت أمامه المرآة المكسورة والأسوء أن هذا المطعم هو أشهر مطاعم العاصمة (بسبب توصيات ستيفانو المسموعة من الجميع )، كان منظره وهو يحتار ماذا يشاهد حينما يأكل منظرًا مؤلمًا ، أهي المرآة المكسورة التي تُظهره كالوحش البغيض أو هي نظرات الناس المشفقة عليه تارة والضاحكة عليه تارة أخرى … لقد حاصرته تلك المرآة الصغيرة ووضعته في رِقعة ضيقة لا يعيش فيها غيره ، رقعة العار والوحدة.

لم يستطع تمالك نفسه لتُخالط دموعه أطباقه واحدة تلو الأخرى ، لم يعد يحتمل رؤية نفسه من تلك المرآة أكثر فأكثر فحتى هو صار ينظر لنفسه بنظرتها المكسورة ليخرج من المطعم حاملًا ماتبقى من كرامته ويقرر أنه بعد شهر بالضبط سيترك جميع المشروبات الغازية ويكتفي بشرب مشروب ميرايا الغازي الذي يجب عليه تركه بعد الرابع من أغسطس وإن لم يستطع فسيحافظ على كل علبة ينهيها لتُذَكره بالمقام الأولى وتُثَبطه بالمقام الثاني إذا استمر بالشرب لتراكمها البديهي في شقته.

مرت الأيام ومضت الشهور وتعاقبت السنين ولا زالت تلك العُلب تزيد لا تنقص والأمل لا يقوى بل يتملص وما استفاد ستيفانو المسكين من قراره الأرعن إلا بلقب سيلتصق به حتى الموت … ستيفانو جامع العُلب.

في إحدى ليالي ديسمبر الباردة ، قدِم رجلٌ غريب الهيئة إلى حي ستيفانو ، رجلٌ طويل عريض المنكبين نحيف الجسد ، كثيف الشارب حليق اللحية ، كان فكه واضحًا وأنفه نحيلًا ، نظرته ذات هيبة ومشيته فيها عُرجة ، كان يبلغ من العمر الستين وربما السبعين فلم يكن واضحًا عليه عمره مثل وضوح تلك العلبتين ذات شعار ميرايا التي يمسكها.

ذهب الرجل لإحدى الفتيات الواقفات على الرصيف التي كانت تتحدث مع صديقتها عن الناس الذين يمرون الشارع وخاصة هذا العجوز الذي أتاها بغرابة وقال لها : ‘ أتعرفين أين ستيفانو ؟ ‘

ارتبكت الفتاة بضع لحظات ، قالت مستغربة : ‘ جامع العُلب ؟ ‘

صمت قليلاً وعيناه لا تفارق عيناها وقال بهدوء :’ جامع ميرايا ‘

لم تستطع مسك نفسها أمام رعب تلك الأعين الخضراء لتلف وجهها معرضة عن عيناه وتقول مشيرة إصبعها الذي ظهر عليه الارتجاف : ‘ أظنه يبعد سبع بنايات عن هنا ، ستجده غالبًا جالسًا على باب شقته لأنه لا يستطيع دخولها منذ شهور ‘

وقبل أن يبتعد الرجل عنهن صرخت الفتاة قائلة : ‘ لا تنس شراء معطف يحميك من البرد ياجدي فحينا ليس كباقي أحياء لشبونة ‘

توقف الرجل قليلًا ونظر للقائلة بنفس نظراته الأولى وقال : ‘ هذا الجد عمِل ما لا يقدِر على عمله حفيدك الخامس ربما ‘

ثم تركهن جاعلًا كلماته تلك وداعية مساعدتهن.

همست إحداهن بأذن الأخرى خوفًا من سماع الرجل العجوز : ‘قلت لكِ أن المميزين دومًا هكذا ‘

ثم خفضت صوتها أكثر: ‘ وقحون ‘ .. ابتسمت الفتاة بوصف صديقتها لتلتف بوجهها حاملةً نفس الابتسامة : ‘لكن وقاحته لا تُنسى ، صحيح ؟’

لم يحتج الرجل العجوز لكثير من الوقت في البحث حيث وجد ستيفانو كما قالت الفتاة، رجل بدين جالس وحده أمام ذاك الباب البالي ، ماكانت تلك الملامح والتجاعيد التي عَلَتْه من فعل العمر الذي يطال الجميع بل هي مِن صنع أحداث الأيام فيه وكأن وجهه بات لوحتها الذي تُري به الناس فنها وموهبتها ، صمت العجوز عندما توقف أمام ستيفانو ، ماكان يعلم كيف سيرحب بتلك الجثة الهامدة عطفًا عن أن يشكي لها مافعلته الأيام به أيضًا.

استجمع ما تبقى من جرأته ليقول :’ أنت ستيفانو ؟’

ستيفانو :’ أرجو أن تعذرني إن قلت أنني نسيتك ياسيدي ‘

لا تقلق فتلك هي المرة الأولى التي نرى بعضنا ، وأتبعها بابتسامة وجلس بجانب ستيفانو ثم قال: ‘اسمي رودريجو …. ابن ميرايا’

ستيفانو : ‘ ميرايا ؟ هل أنت ابني ؟ ‘

-‘ أنا أكبر منك يا أحمق ‘

– ‘ إذًا لا زلتُ ستيفانو’

أحسَّ رودريجو بحزن ستيفانو برده ليحاول تلطيف الجو بضربة على كتف ستيفانو بعلبة ميرايا وقال : ‘أتعلم لماذا أتيت إليك ؟’

– ‘ لا ‘

– ‘ أمي ميرايا هي مؤسسة شركة ميرايا للمشروبات الغازية ، المشروب الذي صِرتَ عميله الوفي لعشرين سنة ثم… ‘

‘ أكمِل رجاء ‘

– ‘ أمي أسست شركتها منذ خمسين عامًا وماكان هدفها إلا أن تصنع رابطة تجمعها مع سكان البرتغال ، لقد أحبت البرتغال وأحبت أهله فكان بديهيًا قرارها بذاك التأسيس ‘

‘ للأسف لم ترى أمي نفس المشاعر من البرتغاليين والبرتغاليات ولم يبادلوها نفس المحبة التي تكنها لهم ، لم تجد سوى تجاهلهم لمشروبها لهوسهم بالبضاعات الأجنبية ، لكن رغم هذا فقد واصلت ورضت بالربح القليل لتحافظ على شركتها فشركتها لم تكن مجرد شركة بالنسبة لها بل كانت كيانًا يصفها ودلالة لأثرها على تلك الأرض حتى ماتت قبل خمس سنوات ‘

ستيفانو : ‘ ثم ماذا ؟ ‘

– ‘ لقد توليت إدارة ميراث أمي وأعلنت حازمًا على نقله من حالته العاطفية البائسة التي كان يعيشها تحت كنف والدتي للربح والازدهار لكنّ الأيامَ تكتبُ أحداثًا لا نقوى على قِراءتِها وفِهمِها ، الأيام هي الكاتبة الوحيدة التي نقف أمام صنعها صامتين لا نعلم أكان الصمت انبهارًا أو حنقًا ‘

ثم أعطاه علبة ميرايا الذي كان يحملها وأكمل : ‘ اليوم أنتجت شركة ميرايا آخِر علبتين لمشروب أمي بعد إعلان إفلاسها وأردت أن أتشارك المشروب الأخير مع أكبر المعجبين لعمل أمي في العالم … معك ياستيفانو ‘

– ‘ إنه لفضل كبير حقًا ، أشكرك ‘

– ‘ لا تشكرني فلم أنتهي من خطابي ، شركتي العظيمة سُحقت بسببك أنت ‘

– ‘ أنا ؟! ستيفانو ؟ لم أخرج عن حيي منذ سنين فلماذا تقول هذا ؟! ‘

– ‘ لقد تلقبت بلقب جلب علي المصائب .. دب الدايري ، ذاك اللقب أتى بشابٍ عربي ذو ندبة على وجهه إلى أرضنا ويعلن منافستي بمنتجه [دايري] ، لقد استغل شهرة لقبك بين البرتغاليين الحمقى ويستفيد من عشقهم الأحمق لكل كلمة غريبة عليهم ويعلن نهايتي ، ما أغرب الزمان ياستيفانو … رجل مثله وبندبته ربما يكون مقاتلًا أو جنديًا في وقت مضى لا أن يجابهني أنا المسكين وشركتي ‘

-‘ وما دخلي أنا به ؟ أترى بي ندبة لتجعلني السبب في قدومه ؟ أرحني منك واذهب عني ‘

– ‘ لماذا غضبت ياستيفانو ؟ ‘

– ‘ وتسألني ؟! ‘

– نحن ضحايا الحياة لا تعاديني معها ‘

– ‘ لاتجعل نفسك معي … أتعلم أمرًا ؟ لم أختر مشروبك الرديء لمحبتي له بل اخترته لأنني ما وجدت مشروبًا بسوءه ، أردته عقابًا فلا تستغرب من فشله رودريجو ، تعظيمك لنفسك وبحثك عن الأعذار صنع منك هذا الفاشل المُهيب ‘

قهقه رودريجو بعد كلمات ستيفانو ليقوم من مكانه ويجلس مقابل ستيفانو وهو يمسك بكتفه : ‘ألا تقوى على رؤية نفسك يا أحمق ؟ حتى وإن أفلست شركتي من رمح ذي الندبة فهذا لا يعني أنني فقير مثلك ياهذا ، أنت الذي لا يملك سوى عُلب شركة أمي وما عرفك أحد إلا بها ، ثم تحاول أن تسبني ؟ لكن لا حرج فهؤلاء هم الفشلة مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم ‘

ثم أخذ العلبة من يد ستيفانو وذهب

….

لم يتفاعل ستيفانو مع ردة فعل رودريجو لتنوب عنه السماء بتفاعلها وتنزل من مطرها ماشاء ربها من القدر عليه ، بدأ ينظر يمنة ويسرة وعندما تأكد بخلو الشارع من الناس تفاعل أخيرًا مع قطرات المطر لينفجر باكيًا وكأنه وُلد مرة أخرى ، وبينما هو يبكي إذا بورقة مقطوعة تلهفها الريح وتضرب وجهه ، أمسكها وبدأ ينظر فيها ويحاول قراءتها رغم ظُلمة الليلة وسوء الجو ، وكأنه بُعث من جديد ، قام ستيفانو من مكانه وبدأ يبحث عن نور يمكنه من قراءة ما فيها فقد باتت هدفه الان ، اقترب لأقرب مصباح في حيه ليراها …. ورقة مقطوعة من صحيفة مشهورة ، كان فيها صورة لشاب أبيض البشرة ذو ندبة على وجهه ممسك بقارورتين ويخرج لسانه مفاخرًا ، كانت عيناه مخيفتين ولا تقل رعبًا عن علامة الرمح الأسود المرسومة على قميصه ، وفوق تلك الصورة الغريبة عنوان عريض : الرجل يتكلم ( ستيفانو سيجمع علبًا جديدة ) .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: