تدوينة : الاستثمار والذات وأشياء أخرى

خرجت يومًا مع أحد الأصحاب لبعض الأعمال ، كان يغلب بيننا الصمت حتى مررنا على إحدى اللوحات المعلقة بجدار مزرعة مهترئة ، كانت اللوحة لا تقل حالاً عن جدار تلك المزرعة فهي بالية بل خرِبة رغم حداثة وضعها ( فتلك المرة الأولى التي ألاحظها رغم مروري على هذا الطريق بشكل شبه دوري في الشهر )

كان المكتوب على اللوحة ” محطة جاهزة للإستثمار طويل الأمد ” ، قرأتها بصوت عالي ثم ضحكت متهكمًا وقلت لصاحبي أنّ المكتوب على اللوحة يشابه لحد كبير الرداءة التي هي عليه ( كان منطلق تهكمي هو ظني بعدم جدوى محطات الوقود خاصةً على المدى البعيد ) لكني تفاجأت حقيقة بدفاع صاحبي المبالغ عن ذلك الاستثمار وأنني لا أعرف حقًا أهمية هذا الاستثمار.

صارحته وقتها بالسبب الذي حملني على هذا القول والذي يتعلق بالطبع بانتشار السيارات الكهربائية خاصةً بعد أزمة الوباء – حفظنا الله وإياكم ومن تحبون من شره – لاتفاجأ وقتها برده الغريب الذي كان مفاده أنّ السيارات الكهربائية هي مجرد “هبّة ” وأنّ البقاء للسيارات العادية التي تعتمد على البنزين بل وإنه يراهننني على صمود السيارات البترولية على الأقل حتى تخرجنا ثم توظفنا بل وحتى إلى تقاعدنا ” أو استقالتنا ” وسيعطيني مبلغ الرهان ” الذي اعتبرناه فلكيًا على وضعنا الحالي ” إن سيطرت السيارات الكهربائية على العالم.

لا أخفيكم سعادتي وقتها ( والتي حاولت إخفائها قدر ما أستطيع )حينما راهنني بتحدٍ لم أتوقعه خاصةً بعد خسارتي قبل فترة سابقة بتحدي المطعم معه ( ذكرته في تدوينة هوس التركيز ) ، وكأن رهانه هي التعويض الذي لم أتوقعه يومًا.

سبب ثقتي المفرطة هي معرفتي البسيطة بهذا المجال ( السيارات الكهربائية) ومشاعر سوق الدول المتقدمة – الذين يصنعون بطبيعة الحال تلك المركبات- تجاه دعم هذا المجال خاصةً بعد الضغوطات المتزايدة من أبناء وبنات جيل ال GZ ( هم الذين ولدوا من بين ١٩٩٧ حتى ٢٠١٢ ) الذين يشكلون صوتًا عظيمًا اليوم عند تلك الدول ، بالطبع إحدى همومهم – لحسن حظي – هي البيئة وتمكين الطاقة النظيفة – لحسن حظي أيضًا – وسحق نفوذ النفط ، لسوء حظنا للأسف …

في اليوم التالي أجريت بعض الأبحاث البسيطة ( لطمأنة النفس بضمان ذلك المبلغ الذي سيأتي بعد قرابة ثلاثين عامًا ) عن ديمومة المجالات الاستثمارية ، بمعنى هل جميع الاستثمارات حقًا تصلح لجميع الأزمنة ، فكانت المفاجأة ، وجدت السوق الأمريكي مثلًا كان يسيطر عليه في فترة سابقة ( قبل أكثر من قرن ) شركات قطارات السكك الحديدية وكانت تلك المجالات هي مجالات أصحاب النفوذ والقوة المالية فمن امتلك أسهمًا بها فهو مثل الذي ألقى ماله لماسحة ضوئية لتطبع له المزيد والمزيد من المال الذي دفعه ( بعيدًا عن حقيقة عدم وجود تلك الألات في ذلك الوقت ؛) ) ، رغم هذا إلا أنّ ذلك المجال ما صمد كثيرًا من السنين ليسقط أمام شركات المرافق الكهربائية ( خاصةً بعد ثورة تيسلا الكهربية التي ساهمت في تكوين الملامح الأساسية للنظام الكهربائي القائم عليه العالم اليوم ) وكانت كما سابقتها التي سحقتها منجم ذهب بصبغة كهربية ، تضمن فيها أضعافًا مضاعفة مما دفعته عليها ، لكن هل بقت ؟

رغم صمود تلك الشركات حتى اليوم مع المحافظة على توزيعاتها الكبيرة إلا أن نجمها بهت وخفت أمام ثورة الشركات التكنلوجية ( مايكروسوفت ثم أبل ثم فيسبوك وجوجل وأمازون وغيرها ) ، كل تلك المؤشرات تخبرنا أنه لا يوجد منجم ثروة واحدة لا تتغير ، بل هي تتأثر بتغير العقليات المتعاقبة بطبيعة الحال في تلك الحياة ، لذا العبقري هو الذي المرن الذي يستطيع التنازل عن الرأي الذي أفاده بالأمس حينما يجد انتقال القوى التي هي سنة الله في ذلك الكون كما قال الله عز وجل :

{ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }

لكن هل فعلًا جميع الاستثمارات على تلك الشاكلة ؟

لنقل إنني – في السادسة عشر من عمري – قابلت كائنًا خارقًا ، وقال لي : ( وارن ، سأمنحك السيارة التي تختارها ، ستكون هنا في صباح الغد وهناك شرط كبير عليها. إنها سيارة جديدة ، ستكون ملكًا لك ) 

كنت سأقول : ( ما اللغز الذي ينطوي عليه الأمر ؟) وكان الكائن الخارق سيجيب : (هناك خدعة واحدة فقط ، هذه هي آخر سيارة يمكنك أن تحصل عليها في حياتك على الإطلاق )

لو حدث هذا ، لقبلت هذه السيارة ، لكن ، لك أن تتخيل بعد أن عرفت أنّ السيارة ستظل معي طوال الحياة ماذا سأفعل بها ؟ 

سأقرأ تعليمات التشغيل على الأقل خمس مرات ، وسأبقيها دومًا في المرآب. وإذا أصابها خدش بسيط فسأصلحه على الفور لأنني لن أرغب بأن يصيبها الصدأ.

سأدلل هذه السيارة ، لأنها ستبقى معي طوال حياتي .

هذا هو موقفك تمامًا تجاه عقلك وجسدك. أنت تمتلك عقلًا واحدًا وجسدًا واحدًا ، سيظلان معك طوال عمرك . الآن من السهل استخدامهما للعديد من السنوات ، لكن إن لم تعتنِ بهما فسيصيبهما الدمار في غضون 40 عامًا ، تمامًا مثل السيارة. هذا هو ما تفعله بالضبط الآن ، فالوقت الحالي هو الذي يحدد كيف سيعمل عقلك وجسدك خلال 10  أو 20  أو 30  سنة  من الآن    

وارن بافيت

من السلبيات التي نرتكبها بحق أنفسنا هي استرخاص الاستثمارات التي نقوم بها تجاه أنفسنا وذريتنا وأهلونا ، ربما يعود السبب لاعتيادنا على ربط الاستثمارات بالعوائد المالية التي سنجنيها ونتناسى بذلك الاستثمار الأهم الذي سيجلب لنا معظم الاستثمارات الناجحة ، بعد توفيق الله ومشيئته.

كم من كتاب تثاقلنا قراءته كان سيغير نظرتنا تجاه العالم الذي نعيشه ؟

كم من فكرة استعجزنا فهمها وكانت ستحسن من أسلوبنا في تلك الحياة ؟

كم من مهارة تكاسلنا تعلمها وكانت ستكون منقذتنا في ذلك العالم ؟

كم من أوقاتٍ فوتاناها مع من نحبهم ويحبونا لأعذار واهية ؟

كم من فرصة ضيعناها لأبنائنا وبناتنا كانت ستنفعهم أمام تحديات الحياة لأننا لا نهتم بساطة ؟

كم من لحظة جميلة تجاهلناها فتسببت بتحطيم قلوبٍ كانت تحبنا وتأنس برفقتنا ؟

كم وكم وكم فرصة ضاعت وستضيع علينا ؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: