تدوينة : الحقيقة والكذب وتغييبها

قد لا نجد أحدًا على تلك الأرض سيختلف معنا عن ماهية الحقيقة ومعناها ، فالجميع يعلم منذ الصغر أنّ عليه إخبار والدته بما حصل خاصةً إن كان ذلك متعلقًا بأغراض البيت المكسورة بسببه.

لهذا فإننا نستطيع بسهولة تعريف الحقيقة بأنها الواقع الذي نراه ونسمعه ونشعر به ، رغم سهولة مفهوم الحقيقة وبساطة فعله عند الإنسان ( فكل ما عليه فعله هو وصف ما يراه ) إلا أننا نجد الكثير يلجأون للخيار ” المكروه ” والمذموم عند كل ذا خلق حسن .. الكذب.

عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا

  حديث نبوي متفق عليه

قرأت قبل مدة قصيرة دراسة تقول عن علاقة الكذب وذكاء المرء ، فكما  تشير الدراسة أنّ الكذب مهارة يكتسبها المرء عند مرحلة مبكرة في طفولته لهذا فقد نصحت الدراسة الوالدين أن يتجاهلوا كذب أبنائهم – الذي يغلبه الوضوح والحماقة – في تلك المرحلة حتى يتحسن نمو الطفل العقلي.

لا أخفيكم موافقتي للدراسة في مرحلة معينة فالواضحون عمومًا يتصفون بالغباء أو يوصفون به ، هذا الأمر لا يكاد يغيب أبدًا عن حديثنا اليومي ، لنذكر مثلًا جملة ” طيب على وجهه ” لنعرف تلك العلاقة ، حتى إن أردنا التكلم تجاه الكذب والصدق من ناحية حيادية سنجد أنّ العقل يقوم بعمليات أكثر وأعقد بما يفعلها عندما يذكر ما يراه ، فأن تصنع واقعًا موازيًا لواقعك بالتأكيد يحتاج لقدر كبير من العبقرية كي تنجو بفعلتك دومًا.

لكن عندما ننظر للحديث النبوي سنجد  واقعًا يصفه رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم –  بما أتاه الله من جوامع الكلم ، فالكاذب حتمًا سيبحث عن الكذبة الأخرى فالأخرى فالأخرى حتى حتى يعيش في أوهام كذبه فتسقطه كذباته لأردى الدرجات عند الناس .

أيضًا إن قرأنا في السيرة النبوية العطرة نجد جواز الكذب في أحوال كما قالت أم كلثوم بنت عقبة : لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها.

هذا الأمر سيوضح لنا بالطبع مفهوم الكذب في الدين الإسلامي الذي لم يكن مجرمًا بكامله بل هي طبيعة جُبل عليها المرء لا ضرر منها في مراحل معينة لكن المهم ألّا ننغمس فيها والأهم ألّا نستغلها في أعمال لا يرتضيها سوى الشيطان.

ليس الحقيقيُّ سوى ما نَجِدُه نافعًا في نظام أفكارنا، وهو كالخير الذي نَجِدُه نافعًا في نظام أفعالنا ‏

البراغماتي ويليام جيمس

في الفكر الميكيافيلي المثير للجدل يذكر مؤسسه نيكولا ميكيافيلي صاحب كتاب الأمير – الذي يعده الكثير من أسوء الكتب السياسية وأشدها على مر التاريخ – عن أهمية الاحتيال والكذب والخيانة كي يبقى الأمير سيدًا على مدينته ويستدل بذلك على أمثلة من التاريخ الإيطالي المليء بتلك الخيانات ، وعندما نذكر الخيانات والوعود الكاذبة لا يسعنا سوى ذكر الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان الذي يعتبره معظم المؤرخين الإسلاميين أنه أول رجل غدر في الإسلام ، وذلك عندما قتل قريبه عمرو بن سعيد الأشدق الذي كان أشجع وأكرم بني أمية ، قتله رغم جميع الوعود التي أعطاها له بالأمان ، ورغم أنه كان فقيهًا قبل خلافته ، إلا أنه لم يتأدب بكتاب الله وسنة نبيه ليقتل رجلًا آمن بالله وما كان خطأه إلا أنه كان كريمًا صادقًا.

تلك المواقف ترينا رغم مرارتها وجه الكذب الأسوء بل الأقبح ، أن تَعِدَ فتكذب ، وأن يأمنك الانسان فتخونه في ماله أو في نفسه وأهله فهذا هو ما نستعيذ بالله منه ، فمن يفعله فعليه أن يحضر نفسه ليومٍ لا ينفع به مال ولا بنون.

ولأن حديث الحقيقة والكذب يطول فسنكمل الجزء المتبقي منه وهي جزئية الحقيقة الغائبة في التدوينة القادمة إن شاء الله … كونوا صادقين.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: