تدوينة : القدوة والتقليد

عندما نذكر ” التقليد ” في مكان نجد كثيرًا من الألسنة التي تحاول بشتى السبل تجريمها ونشعر بتحسس القانون تجاهه الذي يعد دومًا بحماية حقوق المبدعين والدفاع عن كبريائهم ونرى أيضًا صمت بعض المستفيدين منها ، لكن هل فعلًا التقليد صفة الشياطين ؟ وكيف نقتدي بالعظماء إذ لم نقلدهم ؟

على كل إنسان ألّا تأخذه الدهشة إذ كنت في حديثي قد استشهدت بأمثلة في منتهى العظمة ؛ لأن الناس يسيرون دائمًا في الطرق التي سار عليها الآخرون من قبل ، ويمضون في أعمالهم مقلدين من سبقهم. ولما كان الإنسان عاجزًا عن اللحاق بالآخرين تمامًا ، وعن تقليدهم بصورة رائعة ممتازة ، فإنّ من واجب العاجز أن يسير دائمًا في الطريق التي خطا فيها العظماء من قبل ، وأن يقلّد الممتازين فقط ، حتى إذا عجز عن الوصول إلى عظمتهم ، تمكّن على الأقل من الحصول على بعض ما فيها من أثرٍ ولون

نيكولا ميكيافيلي 

تعجبت يومًا في طفولتي من الطيور التي كانت – بعبقرية – تحلق بكل مكان تريده ، كنت أستغرب بغباوة – كيف لتلك الطيور التي لا تدرس معي أن تعرف أمرًا لا يعرفه أي معلم درسني ، أنّى لها أن تعرف الطيران من غير تعلمها لتلك المهارة بإحدى المدارس ، لحسن حظي وقتها وجدت إحدى أعشاش الطيور وسرقت أحد الفروخ فيها ، كان همي واحدًا وقتها ، أنني أستطيع تعليمها الطيران ، بالنهاية أنا أعرف جميع الحروف الثمانية والعشرين بينما هذا الفرخ لا يعرف نطقها أصلًا.

أحضرت الفرخ وبدأت بالعمل على تدريبه وتجهيزه للطيران ، حاولت وقتها كامل اليوم لأجعله يتعلم الطيران لكنه لم ينجح ، وضعته عند المكيف ليعينه هوائها على الطيران لكن ذلك لم يأتي بشيء ، لا زال يسقط أمامي ، أمسكته وركضت به كما أركض بالطائرات الورقية كي يشعر بنسيم الهواء وينزل عليه وحي الطيران ، لكنه سقط عندما تركته ، بربكم كان يملك جناحان وريشًا فأنّى له أن يجهل الطيران .

بدأ اليأس يتسرب إلى وجداني وبدأت أشك حقًا بقدرتي على التعليم ، حاولت بالنهاية أن أرفرف أمامه لكن لم يحصل شيء كما في المرتين السابقتين ، أرجعته لعشه معترفًا بذلك بخسارتي الأولى التي تجرعتها بحياتي .

وُلد أخي الصغير بعد ذلك الموقف بشهور معدودة ، أحببته وفرحت به وكنت أحرص دومًا عليه وأردت تعليمه المشي كي أعوض فشلي بتعليم ذلك الفرخ للطيران ، سألت أمي وقتها فقالت لي ” سيتعلم هو في الوقت المناسب ” استهنت بجوابها لأسالها بكيف فقالت لي ، سيقلدنا .

في تلك اللحظة  صادفت للمرة الأولى ذلك المصطلح الغريب الذي كنت أتعلم عنه وتتغير مشاعري تجاهه سنةً عن سنة ، هل التقليد خيرٌ في مجمله أو أنه اُستعمل في مواضع شوهته حقًا ؟

للتقليد الأثر الكبير على الحضارات البشرية بشتى أجناسها ومسمياتها ، فمن يقرأ التاريخ القديم يجد مثلًا حجم التطور الذي يحدث لإحدى المجتمعات عندما تستطيع نقل خبرة جاراتها ،وتطبيقه وربما تطويره على أرضها ، هذه الطريقة لم تتغير بعد توالي القرون المتعاقبة بشيء ، فمن الرومان الذين استفادوا من اليونان ومن أوروبا التي استفادت من الرومان ثم من مسلمي حضارة الأندلس وغيرهم ، نجد أنّ هناك مهنة استحدثها البشر لتضمن الاستفادة من التقليد بأقصى الطرق الممكنة ، التعليم.

تسود في ثقافة شرق آسيا مثلًا التقديس المبالغ للمعلم ( المهنة التي تمثل التقليد ) وهذا الأمر قد يبدو واضحًا في أمثال الصينين واليابانين ومعظم قصصهم الشعبية حيث أنّ المعلم يحمل مكانةً قد تضاهي الإمبراطور ، كيف لا وهو يمكن لطلبته تقليده والاستفادة من حكمته التي استفادها من معلمين آخرين ، نجد أيضًا في الخلافة العباسية ظهور أهمية المعلم ونقرأ ذلك في تاريخ ابن حنبل -رحمه الله- الذي سافر إلى كل أمصار الخلافة ليتعلم العلوم الشرعية من عدة معلمين عُرفوا بالصلاح والعلم ، حتى صار ابن حنبل عالمًا بنفسه ، يقف وحده أمام المأمون وحاشيته الذين أخطأوا وجعلوا القرآن مخلوقًا.

كل تلك الأمور تخبرنا بأهمية اختيار من نقلده وأن نجعله قدوتنا في تلك الحياة ، أن نتعلم منه ما نجهله حتى نأتي لمرتبة الإبداع والتي لن تأتي أبدًا مع الجهل.

إن سمعتَ من صاحبكَ كلامًا أو رأيًا يعجبك فلا تنتحله تزينًا به عند الناس ، واكتفي من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته ، وتنسبه إلى صاحبه  

– عبدالله بن المقفع – رحمه الله

التقليد في ظاهره طبيعي بل أنه مطلوب وأساسي عند كل المخلوقات كي تعيش ، فعقولنا لا تستطيع أن تخلق شيئًا من العدم أو أن تصنع أسلوبًا دون محاكاته لشيء آخر ، فكل الملهَمين استلهموا أفكارهم من تأمل الطبيعة التي حولهم ثم تقليدها ووضعها بقالب آخر بشكل يحمل من لمسة إبداعهم بالطبع ، الأمر نفسه ينطبق على المفكرين والكُتاب والمخترعين وغيرهم ممن اتخذوا الابتكار طريقًا ، لكن كما لهؤلاء من القدرات العظام والتفكير الخلّاق إلا أنّ أحاسيسهم مرهفة بسبب ذلك الابداع العالي ، وكبرياؤهم لا يرضى أبدًا بأن يسرق أحمق إبداعهم ويدعي عنادًا أنّ هذه الصنعة تعود إليه ، لذلك كان الأدباء وغيرهم يحرصون على تنشئة الناس وتعليمهم عن أداب تلك الصفة – الفطرية – وتهذيبها قدر ما أمكنهم.

للأسف وكطبيعة جُبل عليها كثير من البشر أيضًا فلم تكن الأسباب الأخلاقية تشكل رادعًا كبيرًا تجاههم لذا ظهرت الحاجة لسلطة القانون ليأتي القرن الخامس عشر الميلادي وينقذ ما عانه المبدعين طيلة القرون والعصور الماضية ، بيد أنّ ذلك ساهم في تعزيز الأفكار وتحريض المبدع على الابتكار ما دام أنه أمِن جانب الأحمق عديم الخُلق والعقل.

ختامًا فالتقليد صفة طبيعية كانت دومًا السمة الأبرز في صناعات مخلوقات الله -عز وجل- على أرضه ، لكنها أيضًا كما الطبائع الفطرية الأخرى عليها أن تُهذب بالخلق وألّا تسيطر على فكرك بغباء فتصبح ببغاءً يقلد ما لا يعقله وأميًا ينقل ما لا يقدر على قراءته.

اتخذوا قدواتكم ثم حاولوا أن تتجاوزوهم ما استطعتم لذلك سبيلًا : )

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: