تدوينة : المديح .. إلى أين؟

عندما نذكر الأدب العربي تتبادر إلى أذهاننا الشِعر العربي الذي يُعتبر الركيزة الأساسية وربما الوحيدة في تكوين الأدب عند العرب تاريخيًا فالشِعر وحضارة العرب لا يمكن أن تنفصلان أبدًا فهي أقرب لعلاقة الوالدين وابنهم أو ابنتهم فلن نذكر أحدهما دون نسيان الآخر أبدًا ، تلك العلاقة المتينة تتشابه إلى حدٍ ما علاقة الروايات والقصص بالأدب الإنجليزي وغيرها كثير من الفنون المرتبطة بحضارات مُعينة فلا يمكن ذكر الأولى دون الأخرى والتي يطول ذكرها بمقدار لا تتحمله تدوينتنا المتواضعة ، لذا سنكتفي بذكر الفن الأدبي الذي يتعلق بتاريخنا ويصبُّ حتمًا في عنوان التدوينة .. الشِعر والمديح

حينما نصف علاقة الشِعر مع العقلية العربية سنجدها علاقة وثيقة أمينة ، فلم يغب الحضور الشعري عن العربي قبل الإسلام أو بعده ، تحت سيادة نصارى الروم ومجوس الفرس أو حتى تحت إمرة الدول المسلمة الأعجمية كدولة المماليك وساحقتها سلطنة العثمانيين ، ذلك الحضور القوي لا يمكن تجاهله عطفًا عن احتقاره بل أنه سيُرغمنا – أحببنا ذلك أو كرهنا – أنْ نجعله إحدى العوامل المهمة لفهم العقلية العربية وتطورها على مر الأزمان ، نجد مثلًا أن الشعر الجاهلي يتصف بالخشونة المفرطة بعكس رِقّة الشعر الأندلسي ، يمكننا أيضًا أن نبحث في الشعر النبطي الحديث الذي يخص بدرجة كبيرة الفكر البدوي ، ونرى فيه سلطنة لهجتهم وخشونتهم مزينةً بحكم تزيّنت ببساطتها ( بعكس أمها الفصحى التي تُعتبر بطبيعة الحال أرقى منها وأعقد )  

لكن رغم تلك الاختلافات بين الشعرين إلا أننا – وللأسف – لا نرى سلامة الشعر النبطي من المصيبة التي شوّهت الشعر الفصيح منذ الخلافة الأموية .. مديح المصلحة ( أو التطبيل والتزلف في روايات أخرى )

ذلك ” التطبيل ” لن يكون سوى دخيلًا ومشوهًا لقيمة الشِعر العربي الحر والأصيل ، ولا يمكننا أيضًا القول بأن سببه مثلًا هو مفهوم علاقة النظام وتأثيرها على النفس الحرة فنحن نجد أنّ الخلافة الإسلامية الأولى ” الخلافة الراشدة ” غاب عنها تمامًا ذلك المفهوم فلا نجد الخلفاء الراشدين يدفعون للشعراء إلا بالفاروق عمر بن الخطاب الذي “اشترى” لسان الحطيئة المشهور بالهجاء ليحفظ الناس من أذى لسانه ، لكن للأسف أن تلك العادة لم يلتزم بها خلفاء أمية لتكون عادة الشعراء ذلك النوع من المديح ليكسبوا من عطايا الخليفة ما كتب الله أن يكسبوا ، للأسف أنّ تلك العادة حرمتنا من عقول عظيمة وضعت جهدها في ذكر ما سُيفنى وتجاهلت مواضيع كانت أهم وأحكم ، قلةٌ قليلة من شعراء تلك العصور الذي تزّكى شعرهم من هذا الدنس ، وإن بحثنا فيهم سنجد حتمًا أن سبب تميزهم أنهم كانوا خلفاء أصلاً – كالشعراء العباسيين – فما الفائدة من أن يعطي الخليفة نفسه مالاً لأنه يمدح نفسه 🙂 وأيضًا الشعراء من العلماء الفضلاء – كالإمام الشافعي رحمه الله – الذين لم يتخذوا ذلك الشعر مصدر رزق لهم وكرمهم علمهم عن تلك المهانة.

تكلمت في مقالتي الأولى بالمدونة ” كابوس النسيان ” عن بحث الإنسان منذ القدم عن طرق لحفظ اسمه من بطشة النسيان وذكرت من تلك الطرق ما فعله بعض الأمراء – كسيف الدولة – بتحفيز الشعراء بالمال كي يمدحوه ، هذا الأمر الذي حرمنا من الاستمتاع بأعظم الشعراء وأذكاهم بشهادة الكثيرين … المتنبي.

سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا

بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ    

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي

وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

إِذا رأيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً

فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ يبتَسِمُ  

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني

وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ   

   المتنبي

في قصيدته المشهورة ، يخرج المتنبي عن عادته بمدح سيف الدولة ليمدح نفسه – ترجلًا كما تقول بعض الروايات – بسبب غضبه من انتقاص قريب سيف الدولة منه ، إحدى الغرائب التي وجب ذكرها في تلك القصيدة أنّ سيف الدولة ضرب المتنبي بعد قصيدته تلك ، ليس لسبب أنه أخطأ عليه أو شتمه بل لأنه وببساطة ترك مدح سيف الدولة وبدأ يمدح نفسه ، تلك الفعلة التي تعتبر من الأمور الطبيعية لأي انسان – سوي – لكنها بالطبع لم تكن لترضي سيف الدولة الذي هام في بحر تقديس ذاته فصارت أي قصيدة تخالف ذلك المبدأ تعتبر جرمًا في مجلسه .

هذا الأمر سيجعلنا غير مستغربين عندما نقرأ للخطأ الفادح الذي وقع به هذا الأمير عندما أغار على الروم فانتصر عليهم ثم أتى قيصر الروم بجيوش أكبر لينتقم لخسارته الأولى ، وقتها أشار جميع من له عقل من وزراء سيف الدولة أن يرجع للديار خاصةً بعد تعب الجيش الواضح ، لكن العنيد أبى غرورًا إلا أن يقاتلهم ظانًا أن تلك الأشعار التي قيلت في مدحه هي الحقيقة بعينها وكأنه تناسى المكافآت التي دفعها مقابل تلك الكذبات ، فما النتيجة ؟ خسارةٌ مذلة متوقعة بالطبع.

في تلك القصة نجد مفارقة عجيبة ، مضحكة مبكية ، مؤلمة معبرة ، هي بالتأكيد علاقة أنّ من يحب المدح ويبحث عنه ( غالبًا ) يكون أقل من تلك المدائح ،لنأخذ مثلًا أبو جعفر المنصور – رحمه الله – وإن اختلفنا في بعض سلوكياته فإننا لا نقدر أبدًا الادعاء بأن فترته هي خير الفترات التي مرت على خلافة العباسيين وهي التي قوت شوكتهم ومكنتهم للبقاء طويلًا في سيادة المسلمين ، رغم تلك القوة إلا أنه لم يكن يهتم أبدًا بمديح الشعراء ولم يكن يعطيهم شيئًا أصلاً على مدحهم مما حمل الشعراء أنفسهم بأن يصفوه بالبخل والطمع لأنه لا يصرف أموال بيت المسلمين عليهم ، رغم أنه بنى بغداد الدائرية والتي صارت حضارة العالم بجمالها وإبداعها ، كل تلك المؤشرات تخبرنا حتمًا عن ماهية المدح وعيوب الانغماس فيه . حبنا للمديح هي فطرة فطرنا الله عليها لكنّ علينا دومًا ألاّ نجعلها هاجسًا لنا فنعمل عن نسب إنجازات لأنفسنا لا نستحقها ، لقد تشوّه أدبنا بما فيه الكفاية من تلك المصيبة ( أظنه تعافى مؤخرًا مقارنة بعصر سيف الدولة ) ، من الجميل حقًا أن نجد انصافًا ، لكن هذا لا يعني أن نُرغم الذين يحبونا ليجاملونا بما ليس فينا ، كم من إنسان ضيّع نفسه وهو منغمس بتعظيم ذاته كما نرى ذلك في ساحات تويتر ، أما آن لنا أن نُعتق المدح النقي من تلك الأفعال ؟

رأيان على “تدوينة : المديح .. إلى أين؟

  1. أتفق معك في مايدور في ساحات تويتر لتطلعنا على شُعراء كان من الممكن أن يكونوا أفضل من ماهم عليه ولكن الخيلاء الذي يشعرون به يهبطهم مرةٌ بعد مرة لرداءة شعرهم .
    كما أتمنى لو تقرأ للشاعر العراقي محمد البغدادي ، في شعره نوعاً من الشعر القديم حيث تكون كلماته مُنمقه أتمنى إنه سيعجبك إذا كُنت مهتم لذالك أقرأ : قصيدة طِلل وقصيدة هدوء .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: