تدوينة : تغييب الحقيقة والذكريات

ذكرت في تدوينة الأمس عن الحقيقة وخصيمها الواضح المعروف ، قد لا أجد الكثير من المختلفين معي بآرائي وأفكاري عن ذاك الموضوع ،  فبالنهاية الصدق والكذب شغلتا جزءًا عظيمًا في المفهوم البشري الأخلاقي ، لكن ماذا عن تغييب جزءٍ من الحقيقة ؟ ماذا لو كنت أقول الحقيقة لكني أخفي منها جزءًا يسيرًا قد يضرني ، هل أكون سيئًا ؟ أم وغدًا ؟ أو أنني أضخم تلك النقطة الطبيعية أصلًا ؟

” احذر ، أنت في منطقة رمادية “

” احذري ، أنتِ في منطقة رمادية “

إحدى سلبيات الكذب – والتي يتفق بها جميع الكاذبين- أنّ الكذبة الواحدة ستجر بطبيعة الحال كذبة أخرى ، كذلك الأخرى ستشد مثيلتها ، وعلى تلك الحال المؤسفة سيحاول الكاذب – مُجبرًا – ترميم الزيف الذي صنعه باختلاق العديد والعديد من الكذبات كي يستر كذبته الأولى الذي قالها بخياره ، ذلك بالتأكيد يحتاج لمجهود عظيم وذكاء استثنائي يقابله غباء بريء من الذي يتلقى تلك الكذبات ، وحتى ولو توفرت تلك الأمور الثلاث فما يلبث ذلك البيت المزيف مختل القوام إلا أن يسقط على صاحبه وذلك يعود لسنة الله – عز وجل – في أرضه ، فالغدار عبدالملك بن مروان الأموي – رحمه الله – ذكره التاريخ كأول من غدر من المسلمين رغم أنه كان يقول في حياته.

“ولا يأمرني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه “

عبدالملك بن مروان الأموي

من أجل تلك السلبية الأزلية الملازمة للكذب لجأ كثير من الأوغاد إلى صنعة هي بظاهرها سليمة وبالتفكير المطول فيها تبدو طبيعية … تغييب الحقيقة.

عندما نقارن بشكل مبسط بين تغييب الحقيقة والكذب سنجد السهولة الواضحة للأولى دونًا عن الثانية ونستنبط أيضًا ميزة ترفع دومًا كعب الأولى أيضًا ، ألا وهي أنّ من يغيب جزءًا من الحقيقة يملك نسبة ليست بهينة أن ينجو بصنعته حتى بعد مماته بل ويجعل جميع من يأتي بعده يصدقها ، فهي حقيقة بالنهاية حتى لو قُطعت أجزاء منها.

” إياكَ والحذر بعد الآن، دخلتَ المنطقة الحمراء “

” إياكِ والحذر بعد الآن، دخلتِ المنطقة الحمراء “

في أيقونته الشهيرة ” مزرعة الحيوان ” يذكر العبقري صاحب الإسم المستعار <جورج أورويل> بقصته القصيرة واقعًا يلجأ له بعض الأوغاد من الساسة ( لن أذكر المزيد من التفاصيل كي لا أحرمكم متعة قراءة تلك الرائعة القصيرة ) وهي تغييب الحقيقة تدريجيًا مع ذكر جزء معتبر منها كي لا تُدمر مفاهيم الناس تجاه ما يعرفوه دفعةً واحدة ، ذلك الأسلوب الحقير الذي اقترن بالتغييب كان هو الطريقة المشهورة التي فعلها الأوغاد كي يحموا أنفسهم من تبعات كثيرة ، لكن هل فعلًا هم موجودين ؟ أو أنّ قصة أورويل لا تتجاوز كونها قصةً للمتعة هي أقرب للترهات أصلًا ؟

..

شاهدت مقطعًا قبل فترة ليست ببعيدة * ، كان ذلك المقطع يتحدث عن حضارة لا أخفيكم مقدار إعجابي فيها وعشقي لتفاصيلها البديعة ، ولا أقصد غير الأندلس بالطبع.

كان بطل المقطع قوميًا أندلسيًا يُدعى < أنطونيو مانويل > سأل ببساطة الطالبات والطلبة الأسبان عن الأندلسيين وبعض الشخصيات المشهورة في تاريخها .

لم يعاني مانويل في البداية خاصةً أنه كان يذكر أسماء أندلسيين يتضح على أسمائهم الصبغة اللاتينية حتى وصل إلى أسماء الأندلسيين الأمويين وعلماء تلك الحضارة فكانت الصدمة ، وجد الكثير والكثير من علامات الاستفهام والحيرة عليهم.

لا أخفيكم وقتها استغرابي بل وحنقي ، فقد بت أفكر بفرضية غريبة وتساؤل لم أجد له إجابة وهو : ” ماذا لو لم تكن حضارة المسلمون بذلك الحجم الفارع ؟ 

أيُعقل أنه لولا حفظ الله ثم عمل المؤرخين المسلمين بتأريخ تلك الحقبة الواسعة – 8 قرون – أنّ ذلك التاريخ العريض سيختفي ؟ ببساطة ؟!

رغم حمدنا لله على حفظه لتاريخ تلك الحضارة إلا أنّ ذلك  لا يمنعنا من أن نتساءل ، كم من حضارة اختفت ببساطة وكم من ذكرى دُنست بسهولة بسبب أنّ القوي الذي أتى كان وغدًا ؟ حتى وإن حفظ مسلمي الجوار تأريخ جيرانهم بالأندلس فماذا عن الهنود الحمرالذين دُمروا ببساطة من أوغاد آخرين؟ كم وكم ..  وكم !؟

” الذكرى … ستبقى “

بعدما انتهيت من مشاهدة ذلك المقطع المحزن ، ذهبت فورًا لقرطاسية متواضعة في محافظتنا، اشتريت دفترًا ذا لون قاتم يعبر عما أصابني ، كتبت في صفحته الأولى .

” مذكرات عبدالله”

تلك المذكرات لن تكون فقط الحبل الذي يريطني بالماضي الذي أتناسى بعضه وأستأنس ببعضه بل إنني أرغب منه شيء أهم وأجل عندي ، أن تكون تلك المذكرات هي ملجأ الحقيقة الكاملة التي قد أخفي جزءًا منها كأي إنسان ، أذكرها كاملة ولا أخفي جزءًا منها ، كي تكون هي الإرث الحقيقي الذي أورثه لذريتي – بإذن الله – … حق لذريتي أن يرثوا ذكراي ، مشاعري ، أن أربطهم بالزمن الذي لم يعاصروه ، أنْ أُريهم الحقيقة التي رأيتها قبل أن يأتي طفل أحمق ويصنع لهم حقائق مشوهة .

حقٌ علينا أن نكون صادقين ، لتبقى الذكريات ، لتستمر ، ولينطلق منها القادمون على تلك الحياة من بعدنا .

______________________

ملاحظة * : رابط المقطع على اليوتيوب :

 https://youtu.be/QGzogGp2P-4

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: