تدوينة : مزاجية مانياكو

ملاحظة قبل القراءة : حُور اسم مانياكو احترامًا لخصوصية الرجل وأهله .

حكى لي أبي يومًا عن رجل اشتهر في صناعية الرياض قبل قرابة الأربعين عامًا أو تزيد اسمه مانياكو ، أرميني الأصل تجنس بجنسية إحدى الدول العربية ، كان هذا الأرميني يملك ورشة صناعية صغيرة الحدود لكن شهرتها فاقت معظم الورش التي حولها التي تزيد عليها مساحة وعددًا ، رغم أنه يستغرق وقتًا أطول من بقية الورش لسبب بديهي أنه يعمل وحده لكن هذا الأمر لم يمنع معظم أهل الرياض أن يتنازلوا عن طول الوقت بسبب الجودة الكبيرة التي يقدمها ، الجودة التي قال عنها أبي بلسانه :” تدخل السيارة مكسورة إليه وتخرج من عنده سيارة أخرى تطنها من الوكالة “

ربما بدأت بالتساؤل – كما تسائلت – عن المكنون السري أو لنقل السحري الذي جعل هذا الرجل يملك هذه المهارة ، تلك السطوة على قلوب الناس ، ما الذي صنعه ليحصل على هذا وأكثر لدرجة أن يبقى في ذكرى شاب لم يتم العشرين حتى …

“كان مزاجيًا ” هي الإجابة التي ظلت في رأسي قرابة الأسبوعين حتى كتبتها وحاولت كبح زمجرتها بأن ودعتها في مقالتي وأتركها تزمجر قي رؤوسكم .

“كان مزاجيًا ، يغني أغنيته الارمينية مدخنًا سيجارته ثم يصنع من حطام سيارتك سيارة أخرى”

ظننت بالبداية أن السر في كلمات أغنيته فحاولت عبثًا استذكار كلماتها وكأنها هي مفتاح الإبداع والجودة ، بحثت عن الكلمات الأرمينية ، ألقيتها على أبي بلساني المكسور الغريب عن هذه اللغة ، المكسور طلبًا للجائزة ، لكن عبثًا حاولت لم أجد شيئًا ولم يتذكر أبي منها كلمة ، يئست وتعبت من هذا الفشل الذي أضفته لصندوق محاولاتي الفاشلة كما غيره من المحاولات المتنوعة الحمقاء ، أحسّ أبي يإنشغال فكري فيه وقتها خاصة بعد أسئلتي المتكررة وإصراري الغريب على معرفة سره ليمسك بيدي ضاغطًا إياها مطمئنًا وقال لي ” لم تصنعه السيجارة ولا الأغنية يا عبدالله ، لقد صنعته مزاجيته وليس لغيرها الفضل بصنعه ” كلماته أعادتني لنقطة البداية وأثارت ذكراي بصور كثيرة ممن قرأت عنهم أو صاحبتهم وكانت المزاجية هي طابعهم الأسمى وهويتهم الأنقى ، المزاجية التي هي البداية والنهاية والتي تصنع ما بينهما .

على ما أعتقد فإن إيڤو أندريتش هو من قرأت له أنّ الخيال المُفرط والكسل صفتان متلازمتان ، فأصحاب الخيال الواسع يكونون كُسالى في الغالب ، أما الكادحون فيتسمون بفقر الخيال والدقة

–       علي عزت بيجوفيتش – رحمه الله

دعوني أذهب بكم إلى القرن السادس عشر الميلادي ، أوروبا في عصر النهضة ، إيطاليا على وجه الخصوص ، دعوكم من ميلان الكنائسية وروما البابوية ونابولي المقاتلة وبالتأكيد جنوة المليئة بالمرتزقة ولنذهب معًا إلى عاصمة الفن أنذاك ، فلورنسا.

عندما تصلون إليها وتستطيعون – بطريقة غريبة – أن تتجاهلوا الوقوف لمشاهدة نهرها الجميل لبضع ساعات ، ستجدون الأزقة مليئة بالألوان والحياة بناسها وحماسهم وصرخاتهم التي باتت روتينًا فيها ، سترون أفراد عائلة ميديتشي وهم يمشون بخيلاء في تلك الأزقة يتبادلون نظراتهم المُحتقرة لهؤلاء العامة ، ربما سأحاول التعذر لهم فهم أمراء المدينة وسادات البنوك في العالم وقتها ، تلك البنوك التي مكنتهم بأن يسيطروا على معظم أوروبا وينشروا فكرهم المحب للفن فيها ، لكن بئسًا ! موضوعي عن المزاجية لا عن البنوك ! ، أرجو منكم التماس العذر لي يارفاق.

على كلٍ بعد أن تتجاوزوا تلك المناظر الحية ذاهبين إلى قلب المدينة الحقيقي وسر جمالها بين أخواتها الأوربيات وشقيقاتها الإيطاليات ، معمل الفن في فلورنسا .

لحسن حظنا أنه لا توجد حراسات مشددة على تلك الأماكن في تلك الفترة ، سترون حين دخولكم عديدًا من التماثيل المُصغرة والأعمال الملقاة يمنة ويسرة ، ووسط تلك الفوضى الجميلة سترون أحد شباب ميديتشي وقد ضاق ذرعًا بمعلم الفتيان العجوز الذي يحاول جاهدًا التعذر منه بكل ذل وضعف ، لكن بربكم ما شأننا بهم ؟! ، هذه هي صنعة الأغنياء ، صحيح ؟ الشكوى من كل شيء .

ما أريده منكم هو أن تلقوا أنظاركم نحو هذا الرجل الذي يحطم أعماله الواحدة تلو الأخرى وهو يصرخ متذمرًا لا يلقي بالًا لميديتشي ولا لنا ، أتعرفون من هو هذا المجنون ؟

مايكل أنجلو

” الكمال غايتي “

إحدى الخصل التي يتشارك فيها المزاجيين أنهم باللحظات القليلة التي يعملون فيها أنهم لا يتنازلون أبدًا عن إبهار الجميع فهي غايتهم ومنالهم فأن يموتوا كُسالى أحب إليهم من العمل كأي فرد آخر في هذه المعمورة.

مايكل أنجلو كان سفير الفن في زمنه كيف لا وهو الذي أعاد حرفة الإغريق والروم في صنع التماثيل وأخذها لمستوى آخر مرعب لا يزال الناس يعجبون منه حتى اليوم ، مايكل الذي صار الفتى الذهبي لإيطاليا تتقاتل عليه المدن الواحدة ضد الأخرى ، كان مُلهِمًا لدرجة أنه صار أول “فنان” تُكتب سيرته الذاتية في حياته.

رغم أن كاتب سيرته ” جورجيو فاساري” عمل على كتاب يجمع سيرة الفنانين لكنه لم يقاوم نفسه ليخصص فصلًا للرجل الذي يعاصره ” مايكل أنجلو” وكتب عن أعماله أنها تتويج للكمال الفني ، لكن هذا السبق التاريخي والمديح الاستثنائي لم تكن كافيتنان لمايكل الذي طلب من مساعده “كونديفي ” كتابة سيرة ذاتية جديدة بكتاب مستقل له.

هذه المزاجية الحادة من مايكل لم تكن مقتصرة على غيره فقط بل تجاوزت حتى أعماله الذي عمل على تدمير بعضها لأنها لم ترضه ببساطة كما في عمل الترسب *** الذي أُنقذ من مسؤول الكنيسة من مطرقة مايكل العصبية .

أعتقد أنّ السبب الرئيسي في استمرار الانتعاش الاقتصادي سيكون بوجود رجال مثل “ستيف جوبز” في العالم يبتكرون منتجات خاصة جديدة لم يفكر فيها أحد من قبل     

  وارن بافيت

حاولت البحث أكثر في أمثال هذه الشخصية كتيسلا وموزارت والمعتمد بن عباد وستيف جوبز وغيرهم كثير مما قد يزيد ذكرهم مقالتنا طولاً ويضاعف كلماتها مرات عدة لذا قراءة سيرهم يرجع إليكم أحبتي.

ما لاحظته في هؤلاء الأشخاص باختلاف ألسنتهم والأزمنة التي عاشوها هي نقطة واحدة جمعتهم كلهم ، تلك العبقرية الواضحة في لهو تيسلا بالقمار ثم مراهنته ضد رئيسه أديسون بنظام الكهرباء ليغلب نفسه باختراعاته ، موزارت الذي صنع نمطًا خاصًا فيه بالموسيقى ، رقة وجمالية أشعار المعتمد السكران ، ستيف مؤسس أغلى شركة ثورية في العالم أبل ، هؤلاء لم تجمعهم شهادة من إحدى الجامعات المرموقة أو بيئة غنية ترعاهم ولا حتى ظروف موالية عاشت معهم إلى الممات، كانوا بشرًا يعيشون مثلًا لكن ذكاءهم خلق مزاجية حادة تغطيهم وتجعلهم يرون كثيرًا مما نعمله أفعالًا مملة لا جدوى منها ، يبحثون عن تحدٍ عقلي ينسون به هذا الملل أو أنهم ببساطة يريدون أن يعيشوا حياة أبسط ويرغبون من الناس أن يعرفوا أنهم يستطيعون فعلها.

“الخيال أهم من المعرفة ، فهو رؤية مسبقة لجاذبيات الحياة المستقبيلة”

ألبرت أينشتاين 

ربما هذه المزاجية تسكن فينا لكننا قتلناها بتعلقنا بهذا الروتين الغبي ، ربما نحن الذي نريد جعل أنفسنا أغبياءً نستعمل الشيء بدلًا من صنع آخر وعذرنا أن غيرنا قد صنع ، لا أختلف أن هذا النوع من المزاجية نادر جدًا لكن هذا لا يعني براءتنا من كبتنا لأنفسنا وإجبارها على سلك مسار محدود لا تبتعد عنه وإجبار الناس على السير في نفس الطريق.

ربما أن بعضنا لا يملك هذه المزاجية لكن هذا لا يعفينا عن تشجيع من حاول أن يبتكر شيئًا من العدم ، لا يبيح لنا أن ننشغل بأناس أقل جودة منهم لسبب معرفتنا ورغبتنا بدعم العاديين بمجرد المجاملة ، ما أسوء أن تكبر المجاملة شيئًا فشيئًا حتى تدفن أحد الموهوبين حيًا.

مانياكو لم يؤسس شركة لصناعة السيارات أو على الأقل تطويرها رغم موهبته المشهودة من الكثير ، لماذا لا نتساءل عن سبب انطفاء هذه الشمعة البديعة في أرضنا ، لم يأته أحد وأمسك يده وأخبره ببديع عمله وأن عليه الانتقال للخطوة الأخرى ، لا أحد رأى أهمية هذا الفعل رأى أهمية تشجيع مانياكو ، لا أحد فكّر بتبني موهبته والاستثمار فيها حتى طمست الأيام ذكره بتواليها.

ما أكثر أشباه مانياكو بيننا اليوم ، كم من فنان تجاهلناه لتشجيعنا لأصحابنا ؟ ، كم من مخترع ضاع في الأعمال الروتينية تحت اشراف مدير أحمق لأنه ببساطة لا تربطه علاقة تعارف مع كبار المسؤولين ؟ ، كم من خطيب لم يسمع صوته أحد ؟ كم من كاتب لم تجد كلماته أعينًا تقرأها ؟ 

ما كان تفوق الدول الأخرى بسبب أنّ ذرياتها حملتهم أمهاتهم سنة أو سنتين وما كان السبب بالتأكيد أن أعينهم الخضراء ترى مالا نراه ، لكنهم حاولوا أن يبحثون عن هذه الجواهر وإنصافها كما فطرهم الخالق عليها ، هذه الفطرة التي تعجب بالإبداع دون النظر لنسب المبدع وقرابته وحتى معرفته ، هذه الفطرة التي ترفع المبدع لأنه مبدع فقط دون النظر لأمور بيروقراطية لا فائدة منها . لم يدفنوا المزاجيين بأيديهم باختصار وما كانوا للعباقرة إلا مقدرين فصنعوا لهم حياةً أجمل وأبدع.

لقد رأيت كثيرًا من الناس ولا أتذكر إلا مزاجيًا واحدًا تعلق قلبي بجمال إبداعه وصنعه ، أتمنى له النجاح حقًا ، سأسعد إن أسس شركة وسأفرح أكثر إن اقتنيت ما يصنعه ، أتمنى ألّا نفعل به ما فعلناه بمانياكو .

الخيار خياركم ، أنصفوا مبدعيكم لتنصف الأجيال المتعاقبة زمنكم يا رفاق : )

_____________

****هامش

اسم العمل بالإنجليزية

The Deposition

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: