تدوينة : هوس التركيز

قبل أسبوع تقريبًا دعاني أحد الأصحاب لتذوق إحدى المطاعم الجديدة في مدينته ، كانت تلك الدعوة نتيجة تحدٍ جرى بيننا انتهى بخسارتي كالعادة ، كان علي وقتها الالتزام بما يتضمنه شرط التحدي والذي كان باختصار أن يدفع الخاسر وجبة المطعم التي يختارها الفائز.

لا أخفيكم أنني استفدت حقيقة من تلك الخسارة المؤقتة فقد فزت بذوق صاحبي واختياراته الغريبة ، ذهبت معه وقتها إلى إحدى المطاعم الصغيرة والتي فُتحت مؤخرًا في مدينته ، كانت أولى الأمور التي استغربتها من هذا المطعم كثرة العملاء مقارنةً بتصميمه المتواضع ( خاصةً مع موجة اهتمام المطاعم بالتصميم الداخلي جنبًا إلى جنب الاهتمام للمذاق، رغم ميولهم بالفترة الأخيرة على الأولى قبل الثانية ) ، لا أقول لكم أنه ذا تنظيم سيء أو أنني أعني بذلك رداءته بصريًا لكنه كان ذا تصميم بسيط ، تصميم يجعلني أجزم لكم بكل أريحية أن صاحبه لم يتفق مع أحد مصممي الديكور ، ويجعلني أشك بشكل أقل بفرضية أنه اعتزل زيارة المطاعم في السنوات الثلاث الأخيرة.

لكن ذلك الاستغراب لا يقارن بتاتًا بالصدمة الحقيقية التي أصابتني عندما رأيت قائمة الطعام ، استطعت بسهولة ولأول مرة حِفْظُ ما فيها من النظرة الأولى ، نعم استطعت – بلا غرابة – حفظ ما تتضمنه ولم يكن السبب لذاكرتي ذات التاريخ الحافل بالخيانات ، كان السبب أنها لم تتكون إلا من صنف واحد ، برجر اللحم.

استهزأت – بحماقة – من غباء صاحبي بالاختيار وبدأت بالتشكيك في فقدانه لميزته التي يتميز بها عنا ، لكن للأسف كانت تلك الفرحة هي نفسها التي أصابتني عندما ظننت قبلًا أنني سأنتصر بذلك التحدي الأحمق ، خسرت مرتين في ظرف أسبوع تجاه مطعم لم يكن يتقن سوى صنفًا واحدًا من الطعام ، لكن هل فعلًا خسرت ؟

اقتربت لأول مرة من لغزٍ كبير : في الحياة ، كل إبداعتنا الجادة وذات القيمة هي ثمرة التركيز ، ثمرة هوس أُحادي سام يشدُّه رابطٌ مقدّس إلى الجنون   

  ستيفان زفايغ

يميل الشباب غالبًا بسبب طبيعتهم الحماسية والنشاط المفرط الذي يستمدون منه معظم نظرياتهم عن الحياة إلى تصديق الخرافة التي تقضي بقدرة الانسان على تعلم كل شيء قبل توديع هذه الحياة، لكن هل فعلًا نستطيع ؟ هل الوقت يكفي لهذا ؟ حتى وإن جزمنا جدلًا بكفايته ، هل فعلًا المثقف بقادر على نزال المتخصص ؟؟

عندما نقلب صفحات التاريخ بحثًا عن تجارب البشر الذين عاشوا قبلنا كي نشفي تساؤلاتنا المتعلقة بمكامن النجاح والعظمة التي كانت تتخفّى بين جنبات أفعالهم وأقوالهم ، كنا نقع بخطأ – أو لأقل كنت أقع – البحث عن تصريح واضح عن السر أو على الأقل إشارةً تدلنا عليه ، تناسينا أن الفهم والتعلم الحقيقيان يأتيان من الملاحظة لا من التلقين وأنّ العظماء فعلًا فهموا أنّ الإنسان لن يقدر على الوصول لأعلى درجات النجاح في حال أنه أشغل نفسه غرورًا بتعلم جميع المعلومات التي وصل إليها البشر ..

‏العِلمُ بَحرٌ عَميقٌ لا قَرارَ لَهُ

‏وَالناسُ ما بَينَ تَفريطٍ وَإِفراطِ

‏فَسابِحٌ هالِكٌ أَو موغِلٌ غَرَقاً

‏وَالعارِفونَ مَشَوا رِفقاً عَلى الشاطي 

   محمود الوراق 

أحيانًا يكون الطمع والغرور هو السبب في تشتتنا وضياعنا بالمرحلة الأنشط بأعمارنا ، نتناسى بسبب تخدير الغرور والكبرياء أننا لن نقضي إلا عمرًا يسيرًا في تلك الحياة … عقودٌ معدودة نستطيع بها أن نكسب احترام الأجيال المتعاقبة من بني البشر وذلك أن نرضى أنه يكفي للمرء التركيز على صنعة يكون ملكها أو أن يضيع حياته بتعلم كل شيء والاستمتاع بتلك المغامرة التي لا تنتهي.

حزنت قليلًا تجاه نفسي وتأسفت عن أخطائي تجاهها ، لكنني بعدها شكرت صاحبي على اختياره وبدأت أبحث عن بحرٍ آخر أتلذذ به قبل رجوعي لنهري .. لا أعرف عن اختياركم لكني أتمنى أن تريني الأيام غرابةً مذهلة مثل طعم ذلك المطعم ؛)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: