سرية بيضاء : الفصل الخامس

كان مشهد غروب الشمس غريبًا هذا اليوم ، فقد تخللت السماء خيوطًا حمراء تفصل بين غيومه ذات اللون الملتهب ، كان مشهدًا عجيبًا ضَيّق على صدور الأمويين الذي خاف بعضهم من أن تكون هذه علامةَ قُرب موتهم وكأن المنظر هو مرآة لمقتلهم على يد العباسيين.

تساقطت دموع بعضهم وبانت الحُرقة على وجوه بقيتهم ، فهل هذا الأمل الذي يجرون أرجلهم وراءه سيكون واقعًا أو هو مجرد سراب ووهمٍ سيسحقهم عند الوصول ؟

نادى خالد كبار الأمويين ليتكلم معهم عن الخطة القادمة ، نادى ستة رجال غيره وهم معاوية وزيد وعدي وحسان وسهيل وأمية ، اجتمع الرجال ليتشاوروا في أمر السرية وتكلموا بداية بأمية نظرًا لشيبته وكبره حيث قال : ‘إني أعرف قرية تبعد عنا ثلاثة أيام وقومها يوالوننا ، قد حاربوا معي قبل خمس سنين وبيني وبينهم ميثاقًا غليظًا’

وقبل أن يُكمل كلامه قاطعه معاوية: ‘ لماذا لم نذهب إليهم من البداية إذن ؟ ‘

أميـ:’ كنا نتبادل الكُتب (الرسائل) لنضمن موقفهم’

معـ: ‘ أما كان هدفنا أنْ نبلغ رابغ أو نقترب للمدينة المنورة ؟، أين عقولكم وأنتم تختارون أن تكونوا قريبين لقبضة بني العباس ؟ ‘

نظر الجميع إلى معاوية وشفاههم مغلقة لم يقولوا كلمة واحدة حتى أمسك حسان بكتف معاوية وقال للخمسة :’ أتفق مع معاوية في ريبه ولا أستغرب من قوله ، وما دمت ياخالد ترغب بسلامة سريتك فلِمَ تجرهم إلى حتفهم وهم ينظرون ؟’

ابتسم سهيل وقهقه قليلاً ثم قال :’ إنا لنعلم أن مشكلتكما مع خالدٍ نفسه وما بحثتم عن صواب الرأي أبدًا ، ولو أشار خالد أن نقصد رابغًا لصرختما عليه ومن وافقه ، فما رغبتكما إلا تشتيتنا ولا غرابة ، فهذه هي صنعة الكلاب ، أن تنبح على أسيادها ‘

حسـ : ‘ قدِّر كلماتك يا سهيل ، نحن من أمية مثلكم فإن كنا كلابًا فمن أنتم ؟’

سهـ : ‘ نحن أسياد الكلاب ‘

حينها أمسك معاوية بصدر حسان يسكته وقال: ‘ أتريدنا أن نَغضب عليك يا سهيل ؟ أتظن عبثًا أنك تقدِر على هذا ؟ ‘

ثم ترك حسان واقترب إلى سهيل أكثر حتى صارت المسافة بينهما قَدْرَ ذراع ثم أكمل : ‘ أخبرني بربك منذ متى صرت ترى نفسك سيدًا ؟ لأجل مال أبيك ؟ أو بمغازلتك لنساء دمشق أيها الوهين ؟ إذا كانت حماقتك وضيق عقلك تحول عنك تَذكُرِ ما حصل فدعني أتفضل عليك بِذْكر أخبارك ‘

ثم اقترب أكثر أمام سهيل الذي لم يقوى على الحراك :’ عندما كنت تلهو مع نساء دمشق وتُلاعِب أطفال الشام كنت أنا أُمزِق بطون العباسيين وأقاتلهم لأحمي نساء الشام من إذلالهم وضعفاء الشام من بأسهم ، وما كنت إلا واحدًا منهم أيها الوهين ، أتعلم من كان يقاتل معي ؟ أباك ‘

‘ لقد رأيته يقاتلهم بلا خوف ولا مَهانة حتى طعنه أحد الفُرس أمامي ولم يكن آخر من رآه ابنه الجبان بل كان يراني ، أنا الذي بات ابنه الوهين يظنني كلبًا ، رأيت نظراته المؤلمة التي بدت على عينيه ، ربما كانت أمنية تمناها أن أكون ابنه أو أنه كان عقيمًا ولا يشعر بتلك المهانة ، لم أحتمل ما رأيت ولم أقوى على السكوت لرجل كان من أمية ، فعلتُ ما يفعله أي أموي وقتها ، أخذت رمحًا وجدته على الأرض وقذفته على صدر الفارسي فأصابه حتى خرج الرمح من ظهره وهو يبصق الدماء والدموع ندمًا على إقدامه بقتل أموي ، لقد رأوني جميعهم ، عباسيين وفرسًا وأنا أسترد حق أبيك الذي كنت تنام بقصور الشام ولم تعرف عنها شيئًا ، جميعهم ارتجفوا مني وقتها حتى بنو أمية حسبوني من الجان وباتوا يهابوني ، لكني لم أكن سوى ثائرٍ لدم أبيك المسكين ، ياليتك كنت معنا لتراني وتقاتل معي وتثأر له ، رغم هذا فأنا أغبطك على حظك ، فحتى حبيبتك ليلى تقدر على قتلك فكيف بهم ‘

ثم بدأ ينظر لمن حوله ثم قال :

‘على ذكر ليلى  فأين هي الآن ؟ أو أنك تركتها كما تركت أباك قبلًا ؟ ‘ 

ثار سهيل بعد تلك الكلمات ليصفع معاوية بسرعة لم يلقى لها دفاعًا من طرف معاوية الذي اكتفى بالتراجع وهو يلمس خده بيد ويمسك بالأخرى سيفه بينما انقض عدي على سهيل ماسكًا إياه عن أي حركة أخرى يفعلها.

ابتسم معاوية وهو يرى غضب سهيل وقال :’ لماذا لا تُكمل صنيعك وتصفعني ثانية فتجعلني أتذكر أكثر أباك المسكين الذي ورّثك يده ولم يورثك شجاعة قلبه أبدًا ؟ ‘

سهـ : ‘ لا تذكر اسم أبي على لسانك وإلا قطعتها لك أيها الكلب المقهور ، دعني ياعدي أقاتل طويل اللسان وأخبره من السيد هنا ‘

دفعه عدي أكثر للوراء وهمس له :’ ألا تعلم أيها الأحمق أنك لا تقدِر عليه وما يُريد إلا إغضابك لترفع سيفك عليه فيكون عذره عندما يمزق قلبك ويمضغ كبدك أنه كان مدافِعًا عن نفسه ‘

تقدم حسان هو الآخر ليمسك بمعاوية محاولًا تهدئته ويقول له بصوت عالي: ‘ لقد أخطأ سهيل يا معاوية لكننا لا نزال سريةً واحدة فدعك عن هذا الغضب ولنرتح قليلًا الآن ‘

لكنه تفاجأ بإمساك معاوية له وهو يصرخ عليه : ‘ ولمَ لا تدعني أنت أيضًا ؟!! ‘

ليدفعه بقبضتيه القويتان ليسقط بعيدًا من أثر تلك القوة المهولة بينما تقدم معاوية وهو يصرخ على سهيل.

‘ تعال يا وهين وافعل ما عجز عنه جبناء العباسيين والفرس ، اقتل الكلب فتُطيب ذكر أباك الذي دنسته طوال حياتك بشرف قتل رجل مثلي أو اجعلني أُريحك من هذا الدنس ها هنا ‘

توقف سهيل راجفًا من هول الموقف لا يعلم ماذا يصنع .

حينها صرخ أمية بينهم : ‘ أهذا ما ترغب به نفوسكم وتتوق إليه ؟ أن تقتلوا بعضكم وتتركوا للعباسين الكبرياء والعزة ؟ حقًا هذا ما ترغب به يا معاوية ؟ أن تقتل رجلًا تعرف أباه واحترمته وثرت لدمه ؟ أو أنت يا سهيل أتريد أن تقاتل رجلًا أنت من شَتمته بادىء الأمر وتَلومه على غضبه ؟ وأنت يا خالد لِمَ لا تحكم بينهم أو أنك نسيت إمارتك عند أول مصيبة وقعت بيننا !؟’

سكت خالد قليلًا من الوقت وهو يتأمل الأرض مفكرًا ثم قال :’ما دمنا اختلفنا فاسمعوني ، لنفعل ما يتفق عليه أغلبنا نحن السبعة ، نذهب لرابغ أو نتخذ من هذه القرية ملجأً’

وفعلًا تم التصويت بين السبعة واٌختيرت القرية وجهة السرية البيضاء الجديدة لفارق كبير بالتصويت حيث لم يختر رابغ إلا معاوية وحسان مقابل الخمسة الذين اختاروا تلك القرية.

____________________________________

لقراءة الفصل السادس من سرية بيضاء ، الرجاء النقر على العنوان التالي

سرية بيضاء || الفصل السادس

لا توجد آراء بشأن "سرية بيضاء : الفصل الخامس"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: