سرية بيضاء : الفصل الرابع

خرج أختر من مجلس أبي جعفر غاضبًا فلم يعجبه رد العباسي ، كان غضبه واضحًا على سيره ووجهه فلمحه صاحبه الآخر قارن فأتاه راكضًا وهمس بأذنه :

‘مابالك ياصاحبي هل غضب عليك المنصور ؟ ‘

– ‘ بل أنا الذي غضب ، هذا الرجل لا يُعادي أمية بل يُعادي أخطرهم ولا يهتم ببقيتهم مثل إهتمامه بدائرته الغريبة التي يرسمها وكأنه لا يرى من أهاننا وأذلنا واستضعف نسلنا سوى أناس لبسوا البياض لعمرة قريبة لمكة ، أكثر من عشرين أموي وأموية نتركهم سالمين لأنهم توجهوا لجزيرة العرب ؟ ‘

– ‘ أعرض عن هذا يا أختر فلا يَسمعك حاقدٌ فنكون من الهالكين ‘

‘ لتعذر أبا جعفر ياأختر فربما هو يهتم بأمر مَن هرب مِن بني أمية إلى مصر وغربها فمن بَعُد عنك اشتد خطره وثقلت ضربته ‘

– ‘ أتظن أن هؤلاء العرب الأغبياء يستطيعون أن يسيطروا على القيروان وماغربها أو حتى الأندلس بعجمها ؟ لو أن قيصرًا كان من أمية أو حتى كسرى فلن يقدر على الحكم وهو ليس سِوى مجرد هارب لا ينصره مال ولا جند وإن استطاع أحدهم حكم تلك الأراضي فليقتلني أموي في صدر مكة ‘

– ‘ هؤلاء الأغبياء منصورون من إله عظيم ياأختر ، إله عظيم أطفأ نور إله أجدادنا بنوره الذي أنار به السماوات والأرض ، حتى وإن احتقرناهم وكرهنا ذكرهم ورجونا التمتع بإراقة دمهم فلا يزالون مسلمين يدعون نفس الرب الذي ندعوه ‘

– ‘ تدينك أثّرَ عليك كثيرًا يا قارن وأنستك المخافةُ مِن أي نسلٍ أنت ولكني لست بغاضب عليك ولن أجادلك في هذا أكثر ، ستمكنني الأيام على ضعفاء أمية ‘

– ‘ سيمكنك الله ‘

توقف أختر بعدها ونظر إلى قارن بإبتسامة وقال: ‘ نعم كنت أعنيه …. الله ‘

….

بعد ثلاثة أشهر في جزيرة العرب…

قاربت الشمس على الغروب مخففةً التعب الذي بدأ ينتشر بين تلك السرية ، لم يصدق بعضهم قُرب الغروب ليطالبوا بالراحة كي ينسوا التعب ويتناسوا الكابوس الذي هم فيه ولا يَنسوا الأمل التي بدأت فسحته تضيق وهم بها يشعرون.

كان أول المطالبين بتلك الراحة معاوية وربما كان هو السبب في قبول بقية السرية لرغبته فهو أحد القلائل الذين شاركوا في معركة الزاب التي خسر فيها الأمويين سلطانهم إلى الأبد فكانوا إكرامًا لمشاركته ومقتل أبيه لا يردون له طلبًا وإن لم يكن أميرهم.

جلس وحيدًا متعبًا فأتى إليه حسان وقال له وهو واقف بجانبه : ‘ ماعهدناك ضعيفًا يامعاوية ‘

معاوية : ‘ ليس التعب ماحملني على طلب الجلوس لكن حالنا هي التي فَعلَتْ ، بِتنا نعيش على كرم الأعراب نسمي أنفسنا بأسماءٍ لا ننتسب لها خوفًا مِمَن ؟ ‘

حسان : ‘ بُلينا بخالدٍ فماذا نصنع ؟ رجل لا يأبه سوى لسلامة ابنته وأهله ، متى سنرتاح من جُبنه ونلتف لشأننا ؟ ‘

معاوية :’ ستُخبِرك الأيامُ ماجهلته وستريكَ مالمْ ترهُ أبدًا ‘

قاطع حوار الإثنين طفل سمين أتى راكضًا إلى معاوية فسأله معاوية :’ ماذا بك ؟ ‘

رد لاهثًا : ‘ لماذا لم تتزوج؟ ‘

نظر معاوية له وأطال النظر فيه ثم قال : ‘ وما شأنك بي؟ ‘

– ‘ كنت أطلب من أبي وأمي أن أرتاح فلم يسمعوني وعندما طالبت بها استمع لك الجميع وأنت مثلي لم تتزوج فلماذا ؟’

– ‘ ما أحمقك وأجرأ لسانك ، هناك ستة غيري لم يتزجوا وطلبوا بالراحة مثلي ولم تلحظ سواي ؟’

– ‘ لكنهم مخيفون ليسوا مثلك ‘

ابتسم حسان من هذا الرد فقال للطفل : ‘ إني أعرف علة صاحبنا معاوية ، فقد أُبتلي بمحبة مَن صغر سنه وعقله فلا يرتاح له غيرهم , وإنني لا أزال أبحث عن الحمقاء التي ترضى به زوجًا فدعواتك أن نجدها بالصحراء ‘

رد عليه معاوية غاضبًا : ‘ ماهذه الحماقة ؟ ، إنك تشتم نفسك وتضحك بذلك ، سأخبركم علتي … لم أتزوج لصحبتي الحمقى أمثالكم’

قام معاوية غاضبًا فنظر حسان للطفل أخرى : ‘ إن الأيام كسرت قلبه وجعلته قاسيًا فلا تحزن من رده وعش حياتك فخورًا بأنك كنت من أمية ‘

______________________________

لقراءة الفصل الخامس من سرية بيضاء ، الرجاء النقر على العنوان التالي

سرية بيضاء || الفصل الخامس  

لا توجد آراء بشأن "سرية بيضاء : الفصل الرابع"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: