سرية بيضاء : الفصل السادس

أكملت السرية مسيرتها بعد هذا اليوم العصيب بنفس ترتيبهم المعتاد ، اقترب حسان من معاوية وهمس بأذنه: ‘ لماذا لم تخبرني بأن أبتعد عنك بدلًا من أن تدفعني هكذا ، لقد كسرتني يا أحمق ‘

رد عليه معاوية بخفوت : ‘ كنت أريده أن يخاف فهو لا يعرف حقًا ما يفعل ، كان علي أن أخبره بقوتي قبل أن يجبرني أن أفعلها به ‘

حسـ :’ ولمْ تجد خيرًا من جسدي لتخبره بهذا ؟ والله إنك لمجنون عظيم ، لا غرابة في هروب النسوة منك ‘

معـ : ‘ دعك من هذا يا حسان ، علينا أن نهتم بإضعاف كلمة خالد فهو سيُضيعنا ، هو لا يعرف مِن الحروب والمعارك إلا اسمها ، علينا أن نكسب اثنين من هؤلاء الخمسة لنمرر كلماتنا عليهم ، عليك أن تعاونني يا حسان بدلًا من لهوك مع أطفال السرية عن هيئة المرأة التي لن أتزوجها أبدًا ‘

ابتسم حسان وقال : ‘أيهم تريدني أن أقنعه ؟ ‘

– ‘عليك بزيد أما أنا فسأهتم بِعَدي ‘

ساد الصمت بعد تلك الكلمات بين الاثنين قبل فراقهما.

كان زيدٌ يتأمل السماء تارة والصحراء تارة أخرى ، يغوص ببحر أفكاره وهو يتنقل بنظراته بينهن حتى قاطع أفكاره حسان وهو يصرخ عليه : ‘ ألا تسمعني يا زيد! ؟ ‘

زيـ : ‘عذرًا يا حسان لكني حُملتُ على خواطر كثيرة لا يَقدِر قلبي عليها أبدًا ‘

– ‘ أتلك الخواطر هي ما تكتبه على تلك الأوراق ؟ ‘

تفاجأ زيد وانفجع مما قاله حسان ليرد مرتبكًا : ‘أي أوراق تعني ؟ ‘

ابتسم حسان وقال : ‘ لا تلعب مع رجل مكسور يا صاحبي ، لقد لاحظتك في الليالي الماضية تتنظرنا حتى ننام ثم تشرع بكتابة أمور لا يعرفها إلا الذي خلقنا ، أخبرني ما تكتب كي أرضى به سرًا عندي وأحاول سترك كما سترك الله قبلًا ‘

– ‘ إنها …. إنها مجرد أشعار أكتبها ‘

-‘ لِمَ لا تريني إياها الآن ؟ فأنا أحب الشعر والشعراء يا صاحبي’

– ‘ إني أخجل والله منها فأرحني من ذكرها ‘

– ‘ ومتى كنا نخجل من أعمالنا يا زيد ؟ إن كانت عارًا فلِمَ نستمر عليها ‘

– ‘ صدقني لا أقدِر على أن أُريَك ، اعذرني أرجوك ‘

– ‘ إذا كان الأمر علي فأنا طيب يا صاحبي لكن لأَصْدُقك القول فخوفي من خالد وأمية إذا علموا بشأن ما تكتبه بسبب أحمق أخبرهم بهذا ، لا أريد تخويفك لكنني طيبٌ وأحمقٌ أيضًا ‘

– ‘ لكنك لن تفعلها صحيح ؟ أرجوك ياحسان لا تُضيق علي حياتي أكثر مما هي عليه اليوم ‘

– ‘لا أعلم والله فأنا أرغب بمعرفة ما سيفعلونه بك حقيقة ، أيعتزلون الأخذ برأيك لأنهم وجدوا ما كتبته سُخفًا يدل على سفاهتك أو ربما أسوء … هل سيعزلونك عن السرية ويطردونك منها لأن ما كتبته قد يؤذيهم ؟ أو يؤذينا ؟’

– ‘ أرجوك يا حسان سأفعل ما تسألني عنه لكن أرجوك سامحني عن ما كتبت فهي لا تستحق أن تهتم بها هكذا ، أرجوك اطلب مني ما شئت لكن اعفني من هذا ‘

توقف حسان قليلًا وقال له: ‘ لحسن حظك أنك سمي أبي فلا يحتمل قلبي أن يؤذي أحدًا تسمى باسمه أبدًا ، لكني مع هذا أحتاج أمرًا واحدًا لأنسى كل ما حصل ‘

– ‘أخبرني بربك ما هو ولأفعلنها لك ‘

– ‘ وافق على أي قولٍ يقوله معاوية ويعرضه علينا نحن السبعة وخاصةً ما يتعلق برابغ …. صاحبي يهوى تلك الأرض ولن أمنعه منها كما لن أمنعك ممّا تهواه ، ما قولك ؟ ‘

– ‘أنا معك ‘

…..

في الجهة الأخرى من السرية البيضاء اقترب معاوية إلى عَدي الذي قابله بالترحيب حيث قال : ‘ كيف أصبحت يا معاوية ؟ ‘

– ‘ لا خير في صباحٍ كان أمسه مثل أمسنا وخياره مثل ما اخترتموه ‘

– ‘ من أجل أتيتني ؟ لتحاسبني على ما اخترت ؟ ‘

– ‘ لا والله ما كان هذا سببي ، إنما أتيت لأمر أَبلغَ وأَحْكمْ … من أي أمية أنت ؟ ‘

– ‘ أهذا الذي شغل بالك وقَبّح صباحك ؟ ‘

– ‘ أريد معرفة الرجل الذي أُكلمه لكنّ الغريب هو خوفك ، لم الخوف يا عَدي ؟ نحن أصحاب الراية البيضاء وما كان الوضوح إلا سمتنا وطبعنا فلا تشذّ عن طريقنا فتَهلك ‘

– ‘ هوّن على نفسك فلست بمثقلٍ على أحد ، أنا من واسط * ‘

– ‘ إن هذا اليوم لغريب ، ما كنت أعلم أن الأمويين يسكنون هناك ‘

– ‘ إذًا عليك أن تعلم أن والدي قيس سكن هناك منذ أمدٍ بعيد لأن أمي الذي شغفها حبًا كانت هناك ‘

– ‘ ولا أذكر أمويًا تسمى بقيس أيضًا ‘

حَنِق عدي من تلميحات معاوية المريبة فرد مرتبكًا :’ ما الذي ترمي إليه من تكذيبك لي يامعاوية ، لستَ أنت بعالم أنساب لتعرف كل أسماء أمية ! ‘

معـ : ‘ لكني عملت عند الخليفة مروان وكنت أشرف على رسله وكتبهم ** وما وجدت اسم قيس أو عدي بن قيس على إحدى تلك الكتب ، ما قولك في هذا ؟ ‘

ارتبك عدي عندها وقال : ‘ لم أعد أفهمك يامعاوية ، ما الذي تريده ؟’

-‘ أريدك عندما تفكر بالخداع والبحث عن نسب تنسبه لك أن تُجود بالبحث عمن تريد أن تَنسب نفسك إليهم خاصة إن كانوا من بيت أمية ، لكني مع هذا أعذرك يا عَدي فكثير من موالينا هربوا من بطش العباسيين في العراق لكن أن تنضم لسرية حسان وتستغل جهله في أنساب الأمويين فعارٌ عليك والله ‘

– ‘ صدقني لا أريد بكم الشر أبدًا وأنا كما قلت لا أوالي ولا أعاهد سواكم ، أرجوك لا تقتلني فأنا صادق معك وأقسم لك بحسن نيتي ولأفعلنّ ما تشاء ‘

– ‘ كيف ترغب مني تصديقك وأنت تصوت ضد رابغ وتخالف قولي ؟ ‘

– ‘ إذًا سأثبت لك حسن نيتي برابغ ‘

– ‘ أُريدك أيضًا حين نصل رابغًا ونصنع حدود دولتنا أن تتبرأ من الانتساب لأمية وتخبرنا عن نسبك وإن لم تفعل فسأنزع قلبك وألقيها على كلاب رابغ ‘

– ‘ إن شاء الله ‘

…..

بعد يومين وصلت السرية كما قدّرها أمية إلى تلك القرية ، كانت القرية لا تزال تحمل من عبق أهل الشام وأمية فكأنها مستوطنة أموية بيضاء وسط سواد الخلافة العباسية العظيمة ، كان البياض يشع في مبانيها كذلك هي أسوارها ، كانت قرية مربعة تحيطها أشجار الرمان داخلها والنخيل خارجها وكأنها جنةً ضَيّعت طريق الشام وسكنت الجزيرة الصحراوية .

كان ينتظرهم عند البوابة قيس صاحب أمية الذي ما وفّر جهدًا بالترحيب والتهليل بنسل العرب الأبيض ، لكنه لم يوفر الوقت أيضًا ليعرض ما في قلبه عليهم حيث قال : ‘ إن الفرس أحبوا قريتنا واستوطنوها باسم العباسيين وهم قرابة المئة رجل ، وباتوا يطلبون بناتنا ويهددونا بمدد عباسي لا يقل عن عشر ألاف من جُند فارس إن لم نطعهم وذلك علينا عسير ، فرجالنا ليسوا أهل حرب ولا قتال ، إنْ هم إلا مزارعين يخافون الله ويخافون ألّا يُطيعوا خليفة المسلمين لكنهم بالتأكيد إن علموا أنّ الخلفاء الأوائل أتوا يعلنون إمارتهم فلن يرفضوكم ‘

خـ :’ ليعرفوا إذًا أن أمراء أمية وأحفاد شمس أتوا لينشروا النور على قريتهم الطيبة ‘

قيـ :’ لكن هل أبناء أمية سينصروننا على الفرس ويقتلونهم ؟ ‘

نظر أمية إلى خالد ينتظر إجابته ثم قال له : ‘ ما قولك يا أميرنا عن عرض قيس ؟ ‘

خـ : ‘ سنمزق شملهم ونقضي عليهم وما تلك إلا إشارة حكمنا ‘

ابتسم معاوية حينما سمع كلمات خالد فقال: ‘ أخيرًا أميرُنا قال صوابًا ، دلوني عليهم يا أهل القرية وآتوني رمحًا فقد افتقدت ملمسه والله ‘

ودخل معه حسان الذي تناول قوسًا وسهامًا ثم دخل بقية الأمويين خجلًا من أن يكونوا آخر من يدخل القرية مقاتلًا عدا ثلاثة رجال الذين اعتذروا لقولهم أنهم مصابين بحمى السفر وهم عَدي وزيدٌ وسهيل .

كان الفرس يتضاحكون بساحة القرية يتراقصون رقصاتهم الشرقية مستأنسين على مهانة هؤلاء العرب وضعف كلمتهم وتفرقها ، أتى أحدهم على بسطة رجل عجوز يبيع الرمان وأخرج سيفه ومزق بسطته كي يقطع رمانة ليأكلها ، قام العجوز على وهنه وضعفه وصرخ عليه : ‘ أما تستحي من نفسك وأنت تصنع هذا برزق رجل ضعيف مثلي ؟ أما لو أنك سألتني بتقطيعها لك أكنت تظن أني سأرفض ؟ ، أما ترحم شيبتي وضعفي وقلة حيلتي !؟ ‘

نظر له الفارسي باستحقار وصمت حتى أتمَّ العجوز كلامه ليلقي الرمانة الذي لم يُكملها وأمسك لحية العجوز يجره إليه وقال :’ أتشكك برحمتي أيها العربي ؟’

كان العجوز يحاول عبثًا دفع قبضة الفارسي عن لحيته بيديه المرتجفتين وهو يغمض عينيه ليخفي دموع الألم التي هو فيها ، ابتسم الفارسي وهو يرى الضعف الذي يعانيه الرجل العجوز ليجلس وهو يشد لحيته مجبرًا إياه على الجلوس أيضًا ثم تناول رمانة على الأرض وقال للعجوز: ‘ افتح عيناك لترَ رحمتي قبل أن أفقأها لك ‘

عندما فتح عيناه تفاجأ العجوز بالفارسي وهو يعصر الرمانة بقبضته الأخرى على وجهه وعندما انتهى من العصر مسح بقبضته المليئة بسائل الرمان لحية الرجل وهو يقول ضاحكًا :’ هذا كي لا يرَ أحدٌ شيبتك يا عربي ‘

ثم قام الفارسي وركل العجوز متألمًا على الأرض وهو يدعو بخفوت :’ عسى أن يُخرج ربي ما أكلته ظلمًا وعدوانًا دماءً وألمًا ‘

رغم ألم هذا المشهد إلا أن رجال القرية الموجودين في الساحة لم يتحركوا خطوة واحدة لإنقاذ هذا العجوز خوفًا من سيوف رجال الفرس المصوبة نحوهم ، حاول العجوز بائسًا أن يقوم ليُفاجأ بركلة أخرى من الفارسي الذي لم يتوقف على هذا بل وطأ صدر العجوز وكأنه يريد تثبيته وقتله ، قال للعجوز وهو يُكمل تناول الرمان : ‘ عليك أن تسقيها أكثر أيها الع …… ‘ وبصق الدماء قبل أن يكمل كلمته الأخيرة.

أحس الفارسي بألم عجيب في بطنه وأراد أن يلتمس ما فيه وهو ينظر إلى رفاقه الذين وُقفوا مشدوهين وهم يرونه ، وبينما هو يلتمس بطنه وجد نصلًا حادًا، عندما أمسكه سالت دماءه أكثر ، أنزل رأسه ليرى ما هو لينصدم عندما وجده رمحًا قد خرج من جسده ، حاول الالتفاف بما تبقى من قوة في جسده للوراء كي يرى من أصابه فتفاجأ برمح آخر اخترق عنقه ليسقط ميتًا.

أفاق بقية الفرس من سَكرتهم المؤقتة بعد فاجعة صاحبهم والتفوا يرون هذا الرجل فرأوا رجلًا عريض المنكبين أبيض الوجه والملبس وما هو إلا معاوية ، رافعًا سيفه ويصرخ صرخة رجف منها أهل الساحة : ‘ إنِ الحكم لله وما النصر إلا من عنده والنُصرة لأمية ‘ ثم تقدم معاوية بسيفه يقتل الفرس الذين أمامه لا تمنعه رحمة ولا شفقة

نزلت كلمات معاوية كالمطر على قلوب أهل القرية التي أحيتهم فذهبوا لأسلحتهم يساندون السرية البيضاء وهم يصرخون مُغنين ‘ النُصرة لأمية والنصر من عند الله ‘ ليغتالوا من كان نائمًا من الفرس أو جالسًا أو حتى قائمًا يهددهم.

وبعد ساعة من القتال تنبه معاوية لرجل يهرب بين أزقة البيوت ليلحقه يظنه فارسيًا فلحقه حسان راميًا قوسه وممسكًا لسيفه وهو يتخلف عن معاوية قُرابة العشرين خطوة ، استطاع معاوية أخيرًا اللحاق بالرجل عند مُفترق الأزقة ليطعنه من خلفه ثم أمسكه ليتأكد من هويته ليطمئن بأنه فارسي وعندما أراد نزع السيف تفاجأ بفارسي آخر أتى من الزواق الأيسر يريد طعنه ، تجمد معاوية مبهورًا في مكانه وهو يرى سيف الفارسي يقترب إلى عنقه في لحظات قليلة ، لم يستطع سوى أن يُغمض عينيه ينتظر لحظة موته ، لكنه بدلاً من سماع السيف يقطع رقبته تفاجأ بصوت تدافع ليفتح عيناه ثم رأى صاحبه حسان وهو قد ألقى الفارسي على الأرض وقد طعنه بيده اليمنى بينما وضع يده اليسرى على فم الفارسي الذي ثبتت عيناه مشدوهة بعد مقتله بمنظر غريب علا وجهه واستحوذ عليه.

قام حسان عندما رأى معاوية وقال له وهو يلهث : ‘ كُتب لنا العيش ليوم آخرٍ يا صاحبي ‘

نظر له معاوية باستغراب وقال له :’ لماذا أسكته ؟ ربما كان مسلمًا ، أما كان لك أن تتركه يشهد على وحدانية خالقه ؟’

حسـ :’ إنهم يعبدون النار يا أحمق ! ، أتجادلني بدلًا من شكري يا معاوية ‘

تجاهل معاوية كلمات حسان وذهب ينزع سيفه من جسد الفارسي الأول ثم ذهب عنه وقال :’ حري بك أن تنزع سيفك وتلحقني ‘

غابت الشمس يومها وقد قتل الأمويين جميع الفُرس ولم يُبقوا إلا ثلاثة منهم اتخذوهم أسرى لحاجة في نفس خالد قالها والذي لم يجد مخالفةً فيها إلا بضع شتائم مُعتادة من معاوية ثم تفرقوا بعدها كل في حال سبيله عدى عَدي الذي لحق خالد عندما تأكد بذهاب الجميع ، نظر إليه خالد مستغربًا بادىء الأمر ثم قال له :

‘ ما تلك المصيبة التي حملتك أن تكتمها في صدرك حتى يفارقنا قومنا وتكلمني بها وحدي ؟ ‘

– ‘ إنها مصيبة معاوية ، إنه ممسكٌ علي أمرًا لِتزول منه الجبال وكل ذلك لعيون رابغ كرهًا فيك وبإمارتك ؟’

– ‘ ولِمَ تخاف ؟ هو وحده ونحن أكثر فما الذي أمسكه عليك لتقول هذا ؟ ‘

ارتبك عَدي وحاول تدارك خطأه فقال : ‘ إني أستحي أن أقول لك ما يمسكه علي فأنت كريم لا يليق في منزلتك إلا الكلام الحسن ، لكني أُحذرك أنه يقدر على صوتي وإن عُرضت رابغ علينا فلن أُخالف معاوية لكني أرجو منك أن تُجنبنا ذكرها بدهائك فلا أُجبر على خيانتك أبدًا ‘

ابتسم خالد لكلماته وأمسك بكتفه يطمئنه وقال: ‘ أنا معك ياعَدي فلا تخف لكني أرجو منك أن تدعني الآن فلي شُغلٌ مع زوجتي فلم أرها كامل اليوم ‘

– ‘ أنت أميرنا فافعل ما تشاء’

ثم تصافحا وافترقا.

في نفس الليلة..

كان يقوم على حراسة الفُرس المأسورين رجلٌ واحد عريض المنكبين كبير الجثة بريء الملامح ، كان يطرد نعاسه بقراءة ما حفظه من آيات القرآن الكريم حتى أتاه رجل من الأمويين يهرول بغرابة نحوه ، قام الرجل بكل سعادة يرحب به وقال ممازحًا : ‘ ما الذي حملك إلى هذه الساعة من الليل ، لِم لا تنام يا…’

لم يستطع الرجل المسكين إكمال كلماته فقد تفاجأ بطعنة من هذا الأموي تبعها تمرير خنجره على عنقه لينهي حياته بأسرع وقت ، عندما تأكد الأموي من موته أنزله بهدوء على الأرض ثم دخل على الفرس الثلاثة الذي كانوا نيامًا وقتها.

أيقظ أحدهم الذي استبشر برؤية وجهه فقال سعيدًا :’أخيرًا يا العباس أتيت ‘، لكنه تفاجأ بخنق العباس له وهمس بأذنه : ‘ لا تذكر اسمي عاليًا فهم لا يعرفوني به ‘ ، رد عليه الفارسي مُختنقًا :’ ماذا عن أصحابي ؟ ‘

العـ : ‘ لا أقدِر إلا على إنقاذ أحدكم ولك أن تحمد الله أنني اخترتك ‘ ثم أبعد يده عنه ليلتقط الفارسي أنفاسه ثم أعطاه العباس ورقة وقال له: خذ هذه الرسالة واذهب إلى الكوفة فقد جهزت فرسك خارج القرية ، أعط الرسالة لأبي جعفر واطلب المدد ما أمكنك على هذا ، مجنونهم معاوية يريد رابغ فعلينا أن نقضي عليهم وهم قريبون إلينا’

-‘ سمعًا وطاعة ‘

…..

بعد أسبوعين .. الكوفة…

كان أختر مستلقيًا عند بوابة الكوفة حيرانًا مقهورًا من تجاهل أبي جعفر المتواصل لسرية الجزيرة ، وبينما هو غارقٌ بأفكاره حتى رأى هذا الرجل الفارسي على فرسه المسكينة التي ما احتملت هذا المجهود لتتعثر بضخامتها بسبب ذاك الحجر التي ما انتبهت هي أو صاحبها به لتسقط ميتة أمام ذهول أختر بينما سقط الفارسي بطبيعة الحال متألمًا على الأرض ، ذهب إليه أختر راكضًا ليقف على رأسه ويقول له بالفارسية بعد ما عرف أنه فارسي -بسبب ملامح وجهه- :

‘من الرجل الذي قتلته يا هذا لتهرب هكذا ؟’

استجمع الفارسي أنفاسه ثم قال لأختر الذي عرفه منذ النظرة الأولى – فلا يوجد فارسي لا يعرف أختر وزير أبا جعفر الأول – :’ لقد استولت سرية أموية على القرية التي استوطناها نحن الفرس يا أختر ، وإنّ عندي رسالة من العباس طلب مني أن أسلمها لأبي جعفر بنفسي ، فأرجو منك السماح ‘

– ‘ لا بأس عندي لكن قبل أن تعطيه لِمَ لا تريني إياها وترتاح قليلًا في بيتي ‘

– ‘ لكن العباس شدّد علي بالعجلة وأخاف أن أخونه إن أريتك ومكنتك عليها ‘

ابتسم أختر وقهقه عاليًا وقال ‘ وهل هو بيننا الآن يرانا ؟ ‘

‘ إنك تعرف منزلتي يا رجل فلا تُغضبني فتَهلك ‘

رضخ الفارسي لأختر وأعطاه الرسالة الذي فتحها وقرأها وتمعّن فيها ثم ابتسم بعدها وقال:’ تعال إلى بيتي وارتح قليلاً حتى أُنهي نسخ هذه الرسالة وبعدها لا بأس عندي أن تسلمها شخصيًا لأبي جعفر’

-‘ تنسخها لمن ؟ ‘

ابتسم أختر ثم أمسك بيد الفارسي وجره إليه ثم همس بأذنه :’ إلى كبير العباسيين وخصيم أبي جعفر الأشد بأسًا ومُمزق حضارة أمية الحقيقي ‘

اقترب إلى أذنه أكثر وأكمل : ‘ عمه عبدالله ‘

———————————————

هامش :

*واسط : مدينة في العراق

** كتبهم : رسائلهم

_________________________________

لقراءة الفصل السابع من سرية بيضاء ، الرجاء النقر على العنوان التالي

سرية بيضاء || الفصل السابع

لا توجد آراء بشأن "سرية بيضاء : الفصل السادس"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: