قصة : حدودٌ من ورق || الجزء الأول

إهداء : إلى رئيس كوريا الشمالية ، الرجل الذي ألهمني تلك القصة ؛)

…..

الجزء الأول : بثٌ مُباشرٌ

…..

استولت حكومة رومارك أخيرًا على جزيرة لكأ الصغيرة المُنعزلة عن بقية دول العالم ، تلك الجزيرة لم يكن يعرفها رؤساء الدول الأخرى إلا إن رأوها في الخارطة ، تلك الجزيرة عُرفت بتناقضات قراراتها وغرابة أخبارها فكان يحوم حولها الكثير من الطرائف ومن إحداها أنّ أحد رؤساء الدول الخمسة الأقوى خجل بشدة بعد ما سأله أحد الصحفيين عن سياسة تلك الجزيرة المتناقضة ليرد بعفوية مفرطة : ‘ أيسكنها أحد أصلًا ؟ ‘

رغم جميع الطرائف التي قيلت و نُسجت حول جزيرة لكأ والتي تشغل جميع الصحف الكبيرة في فترات معينة بالسنة – ونخص هنا فترة الصيف الحارة التي يبحث فيها الناس عن أي شيء يُنسيهم هذا الطقس الجحيمي – إلا أن ذلك لم يثني حكومة رومارك عن المواصلة في سياسة القرارات الجنونية حيث أعلنت متعمدة في صبح الرابع من يوليو – يوم مهم عند كثير من البشر – أنها ستُقر قرارات مفصلية تجاه مستقبل جزيرتها والمُتمثلة في شبابها وشاباتها بالطبع وذلك بتمام الساعة التاسعة مساءً وستُعرض بالقناة الوحيدة التي في تلفاز الجزيرة ، قناة لكأ الأولى.

بدأت العوائل بالتسمر أمام شاشة تلفازهم في البيت منذ المغيب منتظرين ما ستؤول إليه حياة شبابهم وأيضًا أن عقوبة تجاهل مشاهدة قرارات الحكومة وعدم مشاهدة قناتها الوحيدة أثناء إعلاناتها هي جريمة خيانة من الدرجة السابعة تصل عقوبتها للسجن عشر سنوات.

وفي منزل إحدى العوائل ، عائلة متوسطة الحال كما معظم عوائل جزيرة لكأ ، نادى الأب جميع أفراد عائلته وخاصة ابنته سيلين التي تخرجت هذا العام من الثانوي وستبدأ من العام المقبل في رحلتها الجامعية ، كانت سيلين فتاة نحيلة محمرة الخدين فيها بعض النمش على وجهها رغم هذا فلا يمكنك ملاحظتها من النظرة الأولى بسبب نظراتها المميزة التي زينها اللون الأخضر في بؤرتي عينيها ، كانت الفتاة منهمكة بقراءة الفصل الأخير من رواية مزرعة الحيوان حتى قاطع تركيزها صرخات والدها المتواصلة باسمها ، تركت كتابها وخرجت من غرفتها لكنها تراجعت وهي تنظر للكتاب ثم رجعت إليه وخبأته أسفل وسادتها لحاجة في نفسها ثم خرجت فرحة مرتاحة.

كان الأب جالسًا على الأريكة وسط غرفة الجلوس متحمسًا للعرض الحكومي فهو من القلائل المؤمنين بأفكارهم وتطلعاتهم ، جلست سيلين وقتها على الأرض تلاعب أخاها الصغير ريميك ذو الثلاثة أعوام ، بالطبع لم تكن لعبته سوى أن يمسك شعرات أخته ويحاول تعقيده على عينيها كي لا تراه ، أشار الأب حينها إلى زوجته لتأخذ ريميك كي تركز سيلين على العرض فلم يتبقى سوى دقائق معدودة ، نادى الأب سيلين أن تجلس بجانبه الأيمن وتركز معه بينما الأم وريميك جلسا بجانبه الأيسر.

حصل في البداية تشويش مُعتاد على القناة الأولى استغرق تسع عشرة دقيقة ثم ظهر بعدها المتحدث الرسمي لحكومة رومارك ، كان رجلًا سمينًا أبيض البشرة ذا شارب غريب المظهر يشابه لحد كبير فرشاة الأسنان وكان يضع عدسة على عينه اليمنى وكأنه يعيش في القرن التاسع عشر بينما كانت ربطة عنقه ذات لون أصفر مُحددة بنقوش مكسيكية ، أمسك ورقته ثم قرّب المايكروفون وقال صارخا دون النظر لورقته ‘ المجد لرومارك ‘ كررها مرتين وثلاث ثم فتح ورقته وقرّب المايكروفون أكثر وبدأ يقرأ : ‘ إن الشباب والشابات ما كانوا إلا هدفًا لحكومة رومارك ففيهم نجاح جزيرتنا ، وكما نجح رومارك بإنقاذ لكأ من الغرق وحده بذكاءه وعبقريته وقدرته الذي ورثها من أسطورة جزيرتنا نفسه ، رجل الكهف لكأ ، ها هو يهتم بكم الآن بعطفه وبأبنائكم وبناتكم بشفقته ، ومن هذا المنطلق قررت حكومة رومارك أنه ومن بداية العام الجديد سيُعزلون الأبناء والبنات قي المسلك الجامعي عن العالم ، عن أهلهم وذويهم ، أقاربهم وأصحابهم ، قررنا أيضًا أنهم لن يعيشوا إلا مع الذين يدرسون بنفس تخصصهم كي تتركز معارفهم وترتقي ويكون كل تخصص مستقل بذاته لا يحتاج لتخصص آخر يساعده كما هو رئيسنا رومارك مستقل لا يحتاجكم ، عاش رومارك ثم لتعيش لكأ ‘

تقدّم بعدها رومارك إلى جانب المتحدث الرسمي وأمسك بيده الضخمة كتف المتحدث التي كانت ككتف طفل صغير أمام تلك القبضة ، رومارك الوسيم الذي كان يبلغ من العمر الأربعين عامًا ، كانت ملامح وجهه حادة بجسد عريض المنكبين طويل القامة ، كان أمرد الوجه صغير الأنف قزع الشعر أشقرًا ، قال رومارك بصوته الجهوري المُريح بعد ما أزاح المتحدث وراءه : ‘ أشكر دانتي على كلماته الصادقة وكما قال فأنا أهتم بكم وأرأف بكن ، لن أودع هذه الحياة إلا وجزيرتنا ستكون الأفضل في العالم بفضلي أنا ، فاشكروني من الآن ‘

لينته بعدها البث …

نزلت كلمات الحكومة كالصاعقة على مسامع سيلين فهي ستودع أهلها قُرابة الأربع سنين ، لم يكن وطأة الخبر أخف على أمها التي لم تصمد طويلًا لتتساقط دموعها على ابنها ريميك الذي ما احتمل حرارة دموعها على رقبته ليصرخ باكيًا معها ، حاول الأب تهدئة الوضع وتطمين عائلته المرتبكة ليقوم وهو يتبادل نظراته بين زوجته وابنته ‘ لا تخفن فهؤلاء الرجال يعرفون ما يفعلون ، أما كنتِ ترغبين يا سيلين بأن تستقلين عنا قبل زواجك ؟ حكومة رومارك يسرتها لك ‘ قاطعته الأم : ‘ لكنها لم تُتم الثامنة عشر بعد يا فرانك ، أتريدها تواجه المتاعب وحدها لأنك تحب هذا الرئيس الأحمق !؟ ‘

‘ توقفي يا كاترين ‘ صرخ الأب غاضبًا ثم أكمل: ‘ لماذا التعقيد يا كاترين ؟! ألم نترك والدينا قبلًا لنتزوج فلِمَ نعقد على على أبناءنا بفعل لم يفعله أبائنا ؟ لقد كبرت سيلين وحان لها أن تنظر لحياتها تحت رعاية رومارك ‘

ثم نزل وأمسك كتف ابنته التي التزمت وقال لها : ‘الأهم أن تدخلي تخصص الجغرافيا فهو تخصص رومارك يا سيلين’

كاثـ :’ لكنه تخصص غبي يا فرانك لا يدخله سوى الأغبياء ، ما يصلح لإبنتي حقًا هو تخصص الإدارة ، سيلين مديرة بالفطرة’

وبينما بتجادل الوالدان بمستقبل ابنتهما صرخ ريميك باكيًا بطريقة غير مفهومة ، استغلت سيلين ذلك لتمسك يد أباها برفق وتقول: هل لك أن تتركني يا أبي من فضلك ، أريد إكمال قراءة كتابي قبل أن أذهب ‘ وفعلًا تركها أبوها وخرجت منهم راكضة مسرعة ، استغرب الأب من ركضتها ليسأل زوجته :’ إلى تلك الدرجة تحب ابنتنا القراءة ؟ ‘

– ‘ لقد ذهبت لتبكي أيها الأحمق ‘

– ‘ لِماذا لمْ تخبرنا بذلك إذن ؟ ‘

تنهدت كاترين وهي تهز ابنها لإسكاته من البكاء وقالت:’ لا أعلم كيف تزوجت أحمقًا لا يفهم النساء مثلك ، لقد بكت لأنها تعلم أنك ستحاول إجبارها على هذا التخصص الغبي الذي يتهرب منه أصحابه ، ما أحمقك يا فرانك ‘

– ‘ أنا لست أحمقًا لأنني لا أقدر على فهم فكركن الذي أظن أصله من القمر أو المريخ ، ما ذنبي أنه لا يوجد أحد يقدر على فهمكن يانسوة ‘

– ‘ بل أنتم الكسالى الذين لا يريدوا فهمنا وتلجأون لحجة أننا من المريخ لتعيشوا مرتاحين مع كذبتكم ، لو أنكم تحاولون مثلنا لما اشتكيتم’

زاد صراخ ريميك ونحيبه لتنشغل معه أمه وتشتكي: ‘ حتى هذا لا يفهم أن أمه بجواره تؤنسه ، إنه يشبهك يا فرانك ‘

ابتسم الأب حينها بعد صمت وهو ينظر لردات فعل زوجته وقال ببسمة ملأت محياه:’ بل يشبهنا ‘

كانت لتلك الكلمات على قلتها الأثر العظيم على كاترين حيث احمرت وجنتاها وقالت خجلة: ‘لكنه يشبهك أكثر يا فرانكي ‘

تجاهل فرانك رد كاترين وأخذ الطفل منها ثم قال لها وهو ينظر لها بنظرات لينة لطيفة مُلئت شغفًا بل حبًا : ‘ حتى وإن عجز عقلي على تفهمك فقلبي لا يعرف إلا كاترين ولست أنا إلا تابع قلبي أينما ذهب ‘

ابتسمت كاترين وأمسكت بيده الخالية وقالت ووجنتاها قد اشتد حمرتها: ‘ تذكرت السبب الذي جعلني اختارك … فرانكي ‘

بعد ساعتين …

استمر الأب بطرق الباب على ابنته سيلين بينما لم يجد من الفتاة التي قفلت الباب ردًا مسموعًا فقد عزلتها دموعها عن سماع صوت طرق الباب ، توقف الأب عندما أحس بعدم جدوى صنعه ، قرّب اذنه للباب وكأنه يحاول سماع همسات ابنته وحركاتها ثم قال بصوت لطيف ولين : ‘ هل أنتِ نائمة يا صغيرتي ؟ ‘

سكت عقبها قرابة الخمس دقائق ثم جلس على الأرض جاعلًا ظهره أمام عتبة الباب ، صمت قليلًا مُستجمعًا أفكاره ثم تكلم : ‘ أعلم يا سيلين مقدار حنقك علي وعلى ضيق تفكيري وقد تريني عدوًا يحارب ما تحبيه لكني أرجوكِ أن تتفهمي ما أريد ‘ صمت دقيقتان ثم أكمل : ‘ إن من واجبي كأب أن أخبرك ما تعلمته من هذه الحياة كي أجنبك ما سيأتي منها قدَر ما أقدِر ‘ صمت قليلا لكن تشاركت دموعه هذه المرة مع صمته ، حاول فرانك جاهدًا مسحها وبدأ بالاستنشاق كي لا تشعر ابنته بدموعه ، فتح عينيه الحمراواتين وأخذ نفسًا وقال: ‘ هذه الحياة لا تفهم حقًا مشاعرنا وإن فهمت فهي لا تهتم بها أبدًا يا سيلين ‘ لم يحتمل الأب نفسه لينفجر باكيًا على ركبتيه ، حاول جاهذًا التماسك وهو يتمتم ‘ من أجل ابنتك يا فرانك ‘ ثم قال بصوت عال : ‘ إن عمرنا قصير يا سيلين فلمَ نضيعه بما قد يُغضب الحياة ؟ نحن في عالم لا يرحم ولا يأبه لما نحمل من مواهب وهوايات ، أعلم أن الجغرافيا تخصص ممل ورتيب وأحمق لكن الرتابة والملل هن من تحمينا من الفقر والضعف ، أرجوكِ يا سيلين أرجوكِ لا تكوني ضعيفة مثلنا ، ادخلي بتخصص رومارك لعلّه يكرمكِ حين التخرج فيُعجب بك ويتزوجكِ فتنسين ألم تلك السنين ‘

قام بعدها الأب وابتعد عن غرفة سيلين وقال :’ لقد أُصبت بالسعال ياسيلين اعذريني سأذهب الآن فلا تخرجي علي الآن ، تصبحين على خير ‘ وابتعد باكيًا.

كانت سيلين وقتها تركز على كلماته وتزداد بكاءً كلما أحست بألم صوت أبيها ، عندما شعرت بابتعاد أبيها أمسكت قلبها وقامت تحدثه : ‘ لماذا أنت ضعيف هكذا يا قلبي ؟ أخبرني لماذا ؟ !’ ثم أجهشت بالبكاء حتى أرهقتها الدموع ونامت وحيدة .

….

في الصباح …

كان الأب جالسًا على المائدة ينتظر قدوم سيلين حتى أتت ورحب بها بترحيبه المعتاد ثم قال لها :’ أخبرينا ما هو قرارك ياصغيرتي ؟ ‘ ردت عليه سيلين بابتسامة مصطنعة حاولت فيها أن تُجبر كل عضلة في وجهها على الاستبشار ثم قالت : ‘ اخترت الذي ترضاه يا أبي … سأدخل الجغرافيا’

_____________________________

لقراءة الجزء الثاني ، الرجاء النقر على العنوان التالي

حدود من ورق || الجزء الثاني

رأيان على “قصة : حدودٌ من ورق || الجزء الأول

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: