قصة قصيرة : لعنة الموهبة || الجزء الأول

إنه لمن الشرف أن تقرأوا كلماتي الخجولة وتتنازلوا عن بضع دقائق من وقتكم الثمين لأجلها.

اسمي عثمان من السودان وأبلغ الخمس وثلاثينَ عامًا ، قبل خمسة عشر سنة وفقني الله بالعمل بالسعودية الحبيبة بمحل فوّال في إحدى محافظاته الصغيرة ، كانت ميزة هذا الفوّال أنه الوحيد في تلك المحافظة فلم نعاني من هاجس المنافسة أو نغرق في غياهب الحسابات المالية ، كان عملنا أن نُحب الناس الذين يأتوننا ونأنس بكلماتهم القصيرة ونستمتع بأخبارهم ، لا أعرف رأيكم لكني لا زلت أرى أن هذا العمل هو جنة الأعمال في الدنيا حتى مع كل الأحداث التي ذقتها .

لتفهموا طبيعة العمل فهو باختصار أن ترَ كل الناس ، جميع أطيافهم بالأفكار التي يحملونها ويؤمنون فيها ، ربما لا تعرفوا هذا الأمر لكن المرء يتشارك مشاعره وتكون قابلة للإفصاح أكثر حينما يأكل ، لن تجد أصدق من رجل يأكل فإنشغاله بلذة الطعام يحرمه من صنع الأكاذيب أو الأقوال الدبلوماسية الفارغة ، سيقول ما يحمله قلبه بأبسط الطرق الممكنة وأكثرها مباشرة ، لهذا اعتدت أن أكون مباشرًا واضحًا.

رأيت جميع الفئات الممكنة بالسعودية الغالية وتعلمت – حبًا لا إجبارًا – التعامل معهم ، البدو والحضر ، محب التعليقات والهادىء الصامت ، الطفل الجريء والحائر ، لقد عرفت أنّ أي شايب كلامه صحيح قبل أنْ يتكلم وأنّ علي أنْ أفعل ما يطلب حتى لو رأيت أنها مجرد تعقيدات يمكن الاستغناء عنها ، عرفت مقدار البصل اللازم لوضعه بإفطار كل مصري بَنّاء أتانا بعد صلاة الفجر بقليل ليتجهز لمعركته المعتادة مع البلوك والإسمنت ، كنت أتقاسم الحساب مع كل أب أراد مفاجئة أبناءه بفطور خيالي من فوّالنا مكافأة لنجاحهم وامتيازهم ، رأيت الجميع وأحببتهم ولم أندم على كلمة واحدة معهم.

كانت الإثنتا عشرة سنة الأولى في عملي جميلة لا يمكن وصفها بالقلم والورقة ، كانوا طلبة الثانوي يسموني عثمان النحفان أبو قلب مليان ، لقد أحببت اللقب للأمانة رغم أنه كان استهبالًا من طلبة فرحين بأدائهم في اختبار مادة الرياضيات ” المرعبة ” ، كانت فترة الاختبارات عندنا مثل مواسم الأعياد عند محلات الحلاقة والحلويات ، كان مطعمنا ينتعش بروح الشباب وتعليقاتهم ، تلك السنوات تزوجت فيها امرأة لم يضمر عشقي وحبي لها يومًا ، هي الوحيدة التي تقول يازولي وفي كل مرة يحمر وجهي لسماعها ، هي الوحيدة التي أحبتني لذاتي وروحي ولم تتركني أبدًا ، رُزقت أيضًا بطفلتي سارة التي أتمت الستة أعوام في سنتي الخامسة عشر في السعودية .

رغم جمال الإثنا عشر عامًا إلا أن ذلك ما جعل السنوات الثلاث التي تليها تضاهيها جمالًا أو حتى تحمل من عبقها شيئًا ، في تلك السنوات أتانا المنافسون بهيئات اختلفت عن هوية مطعمنا ، أتونا بالكافيهات التي سرقت منا معظم الشباب ففقدنا جزءًا مهمًا من فئات المجتمع ، قد تشوهت طبيعة عملنا وإن أدعى مديري العزيز عمر عكس ذلك ، رغم أننا لم نخسر أولاد الثانوي الأوفياء لنا لكن الواقع المالي كان يكسرنا ويطلب من مديرنا التضحيات لأجل ديمومة بقاء الفوّال حيًا في ظل كل الظروف القاهرة هنا.

في سنتي الرابعة عشر اتصل علي عمر قبيل بداية اختبارات الفصل الأول الدراسي عند الطلبة ودعاني وقتها لغداء في أشهر مطاعم المحافظة ، لقد تكلف كثيرًا على الغداء على غير عادته ، كان يسألني إذا أردت المزيد وأجاوبه بشبعي كي لا أُثقل عليه أكثر مما هو يواجهه بتلك الفترة القاسية ، رد علي وقتها:’عليك أن تغتنم رياحك ياعثمان وأن تستمتع بنسيمها ، إلى متى ستبقى نحيفًا ؟ ‘

اكتفيت وقتها بابتسامة خجولة ، كانت ابتسامتي الأخيرة هذا اليوم.

صمت قليلًا عمر بعد ابتسامتي ثم بدأ ينظر لسقف المطعم فبدأ الخوف يساورني ، كنا نعرف أن تلك هي عادته قبل أن يقول شيئًا لا يريده ويعلم يقينًا أننا سنتألم منها ، ما أطيب عمر وما أقسى الحياة.

نزلت دمعة خجولة من عينه اليمنى وسارع بمسحها ومن لحظتها بدأت نبضاتي تتسارع ، شعرت أن نزول تلك الدمعة بمثابة قذف جمرة أصابت روحي وبدأت تحرق جسدي ، لم أعتد من عمر القوي الصارم الدموع فبالتأكيد أن الأمر جلل فليس هو بالحساس أبدًا ، للأسف كان هذا هو الظن الوحيد الذي أصبت فيه بحياتي.

حاول عمر التكلم بسرعة دون مقدمات كما نفعل دومًا بفوّالنا : ‘إنك تعرف الضائقة التي نمر فيها ياعثمان وأنا أقُدر دومًا محاولاتك الجادة بتوفير ميزانيتنا قدر ما أمكن لكن الحياة أقوى منا والأنظمة القاسية لم تأتي من لدنا ، إنني مجبر للأسف على تسريحك فهذه السنة هي أخر سنواتك معنا’

لم أتمالك نفسي وأنا أستمع لتلك المحاولة البائسة لتمهيد عمر للموضوع ، كانت محاولته ما زادتني ألمًا وقلت له: ‘ لكني أفضل طباخ بالفوّال وأمهره من عامليه لماذا اخترتني ؟ لماذا أنا ؟’

– ‘ المسألة ليست شخصية عثمان ، هم يقربون لي وبيني وبينهم معارف طويلة قبل عملي بالفوّال فلا أستطيع فصلهم بعكسك ، أيضًا أنت لازلت شابًا تستطيع صنع مستقبلك ومواجهة الحياة بدون فوالنا ، أنا أعرف أنك تُحب الكتابة ، استغل هوايتك يا عزيزي ‘

قلت : ‘ أنت تعرف أنها هواية لا أكثر ياعمر لكن أتعرف شيئًا ؟ ( لم أصدق حتى الآن أنني قلتها ) ، ياليتك مهدت لردك هذا أكثر فمباشرتك تلك قبيحة حقًا ‘

قمت بعدها بتألم كي لا ينظر عمر لدموعي فقال لي صارخًا ‘ خذ إجازة لأسبوع وبعدها عد للعمل ، لا نزال نحتاجك بسنتك الأخيرة ‘

خرجتُ مسرعًا متألمًا لا أرى طريقي من الدموع التي تحملها عيوني محاولة منعها من الإنهمار ، ذهبت لأقرب جدار وحاولت التأكد ما أمكنني أنه لا يراني فيه أحد واتصلت بزوجتي ، سألتني ‘ كيف حال غداءك’ فقلت لها ‘ سأخبرك حين أتي’، سأتأخر قليلًا اليوم ‘

ثم أغلقت الهاتف وجلست على الأرض وانهمرت بالبكاء .

بدأت بضرب الجدار الذي اتكأت عليه في محاولة بائسة لتكسيره من شدة الألم الذي يعتصرني لكن المصريون لم يبنوا بناء هشًا مثل ما صنعنا بتغذيتهم بالفول والعدس بقوالنا ، كانت تأتيني تلك الخواطر وأفكار الفوال وأنا أضرب الجدار فأضربه أكثر وأكثر وكأن ضرباتي ستبقيني في عالمي الخاص وستضمن لي البقاء في الفوّال ، ضربت وضربت حتى خارت قواي وسقطت مكسورًا حزينًا على هذا الشارع ، قمت بعد ساعتين أو ثلاث وجسدي صار خائرًا منهكًا ، ما علمت ماذا سأفعل بعد هذا اليوم البائس لكني اخترت الذهاب لزوجتي ، دخلت عليها وأخبرتها بعيدًا عن ابنتي فما قالت لي إلا تلك الكلمات : ‘ حتى وإن كنت أعرف الغيب فأنا أعرف شيئًا يازولي ، أنا وسارة سنظل معك مهما حصل ‘

قبيل إنتهاء أسبوع الإجازة رآني أحد الطلبة الطيبين يسمى فيصل وأنا جالس برصيف أحد الشوارع ، كان هذا الفتى يستطيع ملاحظة ما تخفيه قلوبنا ، كان موهوبًا بمعرفة المشاعر التي نضمرها وهذا الأمر الذي جعلنا نعاني معه كثيرًا إذا أتانا فهو يأخذ دورنا الذي نعمله مع رواد الفوّال ، يكشف ما فينا.

أتاني مسرعًا وجلس بجانبي وقال : ‘ ماذا بك ياعثمان النحفان ؟ لقد فقدناك حقًا ، من الذي ضيّق صدرك ؟’

أجبته بكل الذي حصل في هذا الأسبوع المرير ولم أتحمل أيضًا إمساك دموعي لأبكي عنده ، لم يحتمل فيصل حالي فأمسكني من كتفي وقال لي : ‘ لا تحزن ياعثمان عندي الحل ، أنا أحب الكتابة أيضًا ، لماذا لا نكتب قصةً أو رواية ونشارك بها بمسابقة الأدب التي أقامتها إحدى الشركات نهاية العام ، إذا فزنا سنتقاسم الأموال ونصنع أسماءنا في سماء العالم ‘

مسحت دموعي وقلت له : ‘ لكن الكتابة ليست أمرًا سهلًا يا عزيزي ، نحتاج للتدرب والإلهام والأهم كيف نوصل مشاعرنا للقراء ؟ ‘

رد علي : ‘لكنك تتألم ياعثمان وهذا الأمر سيسهل علينا إيصال المشاعر ، الألم اختارنا فلماذا لا نستفد به بضخه في كتاباتنا ؟ لا تجعل تستقبلها الأرض بل دع قلوب الناس يعتنقونها أيضًا ‘

قلت له :’ ماذا بشأن دراستك ؟ ، لا أريدك أن تورط نفسك بشيء غير مضمون ‘

– ‘ سننجح صدقني ، لدينا الموهبة’

وبدأ عقبها فصلي الأخير في السعودية.

______________________

لقراءة الجزء الثاني ، الرجاء النقر على العنوان التالي

لعنة الموهبة || الجزء الثاني والأخير 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: