قصة قصيرة : لعنة الموهبة || الجزء الثاني والأخير

اتفقت مع فيصل بأن يكون الاجتماع بعد نهاية دوامه المدرسي لنأكل معًا ثم نعمل لقبيل المغرب فأعود لعملي بالفوال ويهتم هو بشؤونه الدراسية ، كانت قصتنا بسيطة منطقية مع خبراتنا المتواضعة بهذا المجال ، كانت قصتنا عن شاب يتهمه أحد المحققين المشاهير بجريمة لم يرتكبها ولم يستطع الدفاع عن نفسه بسبب سمعة المحقق واقتناع الشرطة بكلام المحقق الذي لم يخطىء أبدًا ، لقد حاولت أنا وصديقي فيصل أن نواجه كل المتاعب الذي أتت مع هذه القصة وأن نحاول قدر ما نستطيع إيصال مشاعرنا بأبسط طريقة ممكنة تُلامس قلوب الناس ، قلوبكم.

كان الوقت يداهمنا وسنتي الأخيرة تقترب من نهايتها أكثر فأكثر ، لم يعد يتحمل فيصل هذا الأمر ليقرر أن يجتمع معي بعد العاشرة ليلًا لنكمل عملنا ، كان يأتيني عند شقتي ونجلس معًا على تلك المسودة نعمل عليها بقدر ما نستطيع حتى زوجتي لم تكن مقصرة في مساعدتها فقد كانت تجهز أكوابًا من الشاي لتقوينا على مواجهة النعاس وكوابيس الفشل ، كان فيصل يتأمل رسمة ابنتي الصغيرة والتي هي عبارة عن رسمة فتاة صغيرة تمسك والدها بيد وأمها باليد الأخرى وبجنبهم نجوم ترقص وفوقهم شمس مبتسمة ، لقد علقتها في صدر الصالة ( كما يسمونها السعوديين ) وكان فيصل يبتسم كثيرًا كلما نظر إليها حتى قال لي بإحدى الليالي :’ كم عمر ابنتك يانحفان ؟’

قلت :’ ستكمل الست سنين بعد بضع شهور ، هل أعجبك رسمها ؟’

– ‘ رسمة جيدة بالنسبة لعمرها ، لكن لماذا لم تضعه بغرفتها أو غرفة نومكم ، لماذا هنا ؟ ‘

– ‘ لأنني أريدها أن تثق بأحلامها وتعلم أن والدها ووالدتها معها في ذلك وهم لا يشعران بالخجل تجاهها ، أريدها أن تؤمن بموهبتها وتحقق مالم أقدر أنا عليه ‘

ابتسم فيصل ثم صب كوبه وزاد من السكر على كوبه وكوبي وقال : ‘لا تخف ياعثمان ، الجميع سيقدر فكرتنا وموهبتنا ‘

غاب فيصل عقب تلك الليلة لأسبوع وما زاد من قلقي عليه أنه لم يرد على مكالماتي الألف فيها ، بدأ الشك يساورني والخواطر تأتيني أنّ الأمل فعلًا كان مجرد سرابًا لدرجة أنّ صاحبي الذي كان يغذيني بالأمل فهِم قبلي أننا نضيع وقتنا وراء السراب الذي لا يختفي فيريحنا ولا نناله فيسعدنا.

قمت إلى المسودة التي وصلنا فيه للصفحة الأربع وسبعون بعد المئة وبِتُ أقلبُ صفحاتها ، بدأتُ بقضم أظافري وأنا أحاول تخيل المستقبل المظلم الذي ينتظرني ، بدأتْ القشعريرة بالتسلل في أطراف جسدي ونبضات قلبي تتسارع وكأنها ترغب بالهرب من جسدي ومن الواقع الذي أعيشه ، ما هذا الألم الذي يتزايد كل ما رأيت تلك الأوراق ؟ ما بال هذا الخوف الذي يأتيني لا يفارقني ؟ هل الفشل فعلًا هو أقوى الوحوش الذي نرجو أن لا نراه ؟ أين الشجاع فيقاتله عني أو لأطعن هذا القلب الخائف كي أجابه الفشل فلم أرى أحدًا قادرٌ على مجابهة هذا الوحش إلا من مات قلبه فما بات يشعر بأحد أبدًا.

ووسط هذا التفكير اتصل علي فيصل وقال لي هو يلهث مُتعبًا قبل أن يرحب بي حتى :’ عثمان ، لقد وجدت ما لا يمكنني وصفه ، قابلني بحديقة الأمل ولا تنسَ مسودة قصتنا ، الآن ‘

ليقطع المكالمة بعدها ..

قمت بسرعة وأخبرت زوجتي وودعتها وابنتي ، وضعت المسودة بحقيبة أبي الكبيرة وكأنني أحمل آلاف الريالات داخلها ، بدأت بالهرولة ثم بالركض حتى صرت أسمع نبضاتي مع كل خطوة أخطوها نحو حديقة المحافظة ، هل كان اسمها إشارة لي منذ يومي الأول أن الأمل لا يموت ما دمنا نُسقيه بمياه الشغف والإصرار ؟ الشيء الوحيد الذي كنت متأكدًا به وقتها نبضات قلبي والله.

وجدت فيصل ينتظرني بإحدى الكراسي وهو يتلفت يمنة ويسرى ينتظرني ، أشرت له بالحقيبة وأنا أرفعها بارتباك ونظراتي تحاول يائسة فهم ما يخفيه عني حتى صرخ علي مبتسمًا :’ تعال يا النحفان لا تفشلنا ‘

جلست بجانبه وأنا انتظر أدنى كلمة منه وهو صامت ينظر لحقيبتي بغرابة فقلت له :’ لماذا غبت ولم ترد علي ؟ لم نتفق أن نتجاهل بعضنا أبدًا ‘

صمت قليلا وهو ينظر إلى الحقيبة : ‘ ستشُك فينا شرطة المحافظة أننا نُهرّب شيئًا مع هذه الحقيبة ، كيف دخلت للسعودية معها ؟ ‘

– ‘ ليسوا مهووسين مثلك ، أخبرني الآن ما الذي يحصل وإلا كسرت ظهرك بتلك الحقيبة ‘

قهقه فيصل قليلًا وقال لي والابتسامة تملأ محياه : ‘ ولماذا لا أكون مهووسًا بفوزنا ؟ ‘

‘ ماذا ؟! نفوز ؟ كيف ؟ ‘

أجابني : ‘ قريب صديقي يعمل بالشركة الراعية للمسابقة ولقد سرّب لي عناوين أعمال منافسينا ، لن تصدق تكرارهم الأحمق ياعثمان ، انظر معي ‘

ثم أخرج ورقة من جيبه وشرع بفتحها لكني أمسكت يده وأنا أقول : ‘ لا أظن أن هذا العمل مشروع يا عزيزي ‘

رد علي : ‘ لا تكن خائفًا هكذا ، المسابقة بقي لها قرابة الشهر ولا نستطيع تغيير موضوعنا وفكرتنا أصلا ، أضف لذلك أنها مجرد عناوين لنعلم عقلية المنافسين لا أكثر ، انظر ‘

رضخت له بالنهاية وبدأت أرى تلك الورقة العجيبة وفيصل يشير إلى العناوين وهو يضحك :’ انظر لهذه وتلك ، كل القصص عن التفحيط ومغامرة المبتعثين ويوميات الخاطب مع خطيبته ، انظر لتكرارهم وستعلم أننا سنكون حديث السعودية الجديد جنبًا إلى جنب قطاراته الحديدية …. أنا سعيد يانحفان ‘

ثم قام من الكرسي وهو يقلد المفحطين وصوت تفحيطهم ولا أخفيكم أنني قمت معه وبدأنا بالتفحيط على أرجلنا بحالة هستيرية حتى أنهكتنا أرجلنا وسقطنا على عشب حديقة الأمل وبيننا حقيبة أبي التي تحمل أغلى ما نملكه في الحياة … فكرتنا.

…….

انتهى الشهر وحان ميعاد الفائز بالجائزة الكبرى ، للأسف كان الإعلان على برامج التواصل وأنا لا أملك إلا جوال الكشاف فلم أستطع النظر للنتجية حين إعلانها نفس صديقي الذي لديه كل حسابات برامج التواصل لكن لماذا القلق ، سيأتيني الليلة بخبر تتغير فيها حياتي للأبد بالتأكيد.

اشتريت وقتها ضلوع لحم البقر لأجهز مع زوجتي طبخة انتصارنا ، لا أخفيكم أني لم أذق طعامًا مثل هذا ، آخ ما ألذه.

انتظرت قدوم فيصل على باب شقتي والإرتباك يضيق صدري من جهة والأمل يفرج عليها بالأماني من جهة أخرى ، أتاني فيصل أخيرًا ورحبت به ولم يبادلني الترحيب بل دلف بسرعة داخل الشقة وقلت له ممازحًا : ‘ لا أقدر على تحمل أساليبك الغامضة بعد الآن ، أخبرني بسرعة كم هو نصيبي بالجائزة ‘

جلس على الكرسي وهو متجهم حيران ثم قال لي :’ المسابقة كانت تعتمد على تصويت الناس في مواقع التواصل’

قلت مبتسمًا : ‘ وماذا في ذلك ؟ ‘

– ‘ أعني أنّ النكرات أمثالنا لن يفوزوا بشيء أبدًا

قلت : ‘ لا تكذب علي يا فيصل فلستُ بمستعد لتحمل الأكاذيب ، أخبرني أين تخبئ الجائزة ؟ ‘

رد علي : ‘ لم أخفي عنك يا أحمق ، لقد خسرنا يا عثمان من مشهور كتب عن يوميات مفحط أحمق دُهس في قطار فحط به ‘

– ‘ أي قصة تفحيط تعني ؟ كلهم كتبوا قصة عنها أين التميز ؟ أين الإبداع ؟ ‘

قام بعدها فيصل غاضبًا وأمسكني من صدري وصرخ أمامي : ‘ نحن الأغبياء الذين اعتمدوا على إبداعهم الكتابي ما كنا نعرف كيف هي طريقة الفوز ، كسب الجمهور ‘

ثم ابتعد عني و استلقى على الكرسي جاعلاً ظهره أمامه يخفي عني دموعه أما أنا فكانت الأفكار تتضارب عندي والمفاهيم تضيع مني حتى استجمعت ما تبقى لدي من منطق وقلت: ‘ المركز الثاني والثالث من فازوا به إذن؟ ‘

رد علي بصوت خافت من البكاء : ‘ أغبياء آخرون يمتلكون جمهورًا لا نملكهم ، لماذا الناس ظالمون يا عثمان؟، لماذا بات صوتهم أداةً يحركها المشهور ، لماذا تركوا التحليل والحيادية ؟ كي يدمروننا أو ماذا ؟ ‘

شعرت أنّ من واجبي كالرجل الأكبر أن أهونّ على فيصل وأتجاهل حسرتي وألمي ، قدمت إليه وربتُّ على ظهره وقلت:’ لا زلنا نعيش يا فيصل فما فعلوا بنا إلا أنهم طعنونا لا تحزن ، لا زلنا نتنفس وما دام الشغف فينا والموهبة حفرت بأرواحنا فلن نضيع ، ستنصفنا الأيام وإن تأخر انصافها ‘

– ‘ أتضحك علي ؟ ‘

– ‘ماذا تقول ؟ ‘

– ‘ أنظن حقًا أن الموهبة تكفي بعالمنا ؟ ، لماذا تظن أن بلداننا فقيرة المواهب مقارنة قبل مئة عام مثلاً ؟ليس لأن المواهب نضبت لكن آلية تنقيتهم تغيرت كليًا، ألم يكفيك ما حصل لك مع مديرك الأحمق الذي طردك وألقاك على مُرِ الأيام لمجرد أنه لا يعرفك ولا تربط بينكم صلة ودم ، موهبتنا لعنة يا عثمان صدقني ، أن نفكر ونرى ولا نقدر على فعل شيء ، ما أغباني وأغباك ، كنا نصدق أن أهل الحياة عادلون مثل خالقهم ‘

– ‘ الأيام لم تنتهي ، لنتعلم من الدرس ونواصل شغفنا ‘

فقام فيصل من كرسيه وأمسك بوجهي وبدأ ينظر لي بعينه الحمراوتين وصرخ بوجهي : ‘ لقد انتهى كل شيء ألا تفهم ؟ ستسافر غدًا أو بعد غد وستجن من التفكير بأسباب فشلك الذي لا علاقة له بقدراتك أبدًا وسأعمل أنا بوظيفة عادية مخفيًا كتاباتي حتى يمن الله على ذريتي وفتاتك بجيل صادق ينصف أعمالنا بعد الممات ‘

لم أحتمل كلماته التي كانت تنزل كالسهام المتتالية على صدري لأمسك يداه وأرد صرخته بصرخة أعلى :’ أتظنني سعيدًا بما حصل ؟ أتظنني فخورًا بما عرفته ؟ بالتأكيد لا لكني سأجابه الحياة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا سواء كنت هنا أو بالسودان أو بأي بقعة غبية في هذا العالم ، لن أكتفي بخلق الأعذار وتصوير الناس كالشياطين كي أهون على نفسي ، سأقاتل معك أو بدونك وأما الناس فلن يظلوا مجاملين للأبد ومتجاهلين ما عملته أيدينا ، إن كنا نستحق فسنجد الإنصاف أما البكاء على الأطلال وشتم الجميع لن يخلق منا إلا أعداءً للحياة ، لا زلت في بدايتك يا فيصل فلماذا تسقط الآن ؟ أتظن أن هناك من سيحملك حينما تسقط باكيًا ؟ لا أحد سيشفق عليك سواك لهذا اصمت واستمر في السير’

بعد كلماتي تلك بدأت سارة بالبكاء خوفًا من تلك الصرخات التي تبادلتها مع فيصل ليستأذن حينها ويخرج وهو يقول : ‘ سأفتقدك يا عثمان ، بالتوفيق ‘

…….

أعتذر لكم عن مقدمة كتابي الطويلة لكن مباشرتي لم تسعفني بالكبح عن مشاعري وتلخيصها ، أشكركم على ثقتكم وكرمكم بقراءة مقدمتي الغبية لكن أرجو أن تتحملوا قراءة آخر سطر فيها .

لم أرَ حديقة الأمل منذ خروجي من السعودية لكن أملها لا زال حيًا في قلبي ، لا تتركوا أحلامكم وتتجاهلوا شغفكم والأهم ألا تنسوا الأمل … أعزائي وعزيزاتي .

رأيان على “قصة قصيرة : لعنة الموهبة || الجزء الثاني والأخير

  1. لعنة الموهبة إنها مازالت في عالمنا هذه لم تنتهِ أبداً ، لقد حزنت كثيراً على فيصل وعثمان والجميل بأن الأمل لم يزلّ من قلبه .
    /
    /
    دائما أتمنى أن الأمل يوجد بقلبك كالشعلة إلى أن تنال منالك وأقرأ ماكتبت عن جدك بالأخص ، بالتوفيق لك 🤍

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: