قصة قصيرة للغاية : قد أتأخر فأسبق الجميع

لا أعلم من أين أبتدئ وكيف أنتهي لكن أظن أنّ علي توضيح بعض الأمور قبل التكلم عن تلك الحادثة.

لقد وُلدت في إحدى قرى كوسوفو النائية لأب فلاح وأم أمية ، لم نكن نرى أبعد من يومنا وعلى ذلك كنا نعمل ، أن نضمن قوت يومنا وما يقيمنا لليوم التالي في هذه الحياة.

رغم ذلك فقد كانت أمي مشكورة تحرص على تعلمي للقراءة والكتابة وذلك بأن تذهب معي بعد غروب الشمس لأختها – خالتي – المتعلمة في القرية المجاورة متحملة كل مصاعب الطريق الناتج نصفها من ظلمة الليل ورداءة الطريق ، لكن ذلك لم يشكل رادعًا لأمي التي كانت تقول لي في طريق العودة عندما ألتصق بقدمها خوفًا من أصوات وحوش الليل ‘ بني ، لا تخف ، فوحوش الظلام تخاف من نور العلم ، النور الذي تملكه يا حبيبي ‘ ، ربما تجدونها كلمات سهلة الفهم لكن قلبي لا يزال ممتنعًا عن فهمها.

لأصدقكم القول ، لم أتعلم يومًا من أجل هذا الهدف الذي كانت تراه لي أمي ، كان هدفي عندما أحشر هذه الحروف برأسي الصغير أن أنجو بتفسي من هذا الضيق الذي أعيشه ، أريد من تلك الحروف أن تؤمن لي الطريق الذهبي للثراء ، أتريدوني أن أكذب عليكم وأقول أنني أحببت بقر أبي ؟ أو شوك شجره ؟ أو حتى نحله اللاتي لم أسلم من شرهن فهن يحببن أبي ويألفن أمي أما أنا ؟ نظرتهن لي كما نظرتي إليهن ، مجرد حشرات لا أحد يبكي على فقدانهن.

كنت أحسد الفتية الذين يلبسون الأحذية الرياضية يداعبون بها كراتهم بينما كانت قدماي العارية تنزف الدماء من تلك الكرات ، لهذا كنت أتعلم ، لا لأُنير طريق الناس بل لأسرق السراج المنير وأجعله لنفسي.

تعلمت القراءة في أقل من عام لأتفاجأ بهدية عمي الذي أهداني الكتاب الأعظم – القرآن الكريم – كانت أمي سعيدة أنني سأقرأ عليها أخيرًا ترجمة تفسير القرآن ( فلغتنا ليست بالعربية للأسف ) فقالت لي وقتها : ‘ أما ترى فائدة التعلم ؟! الآن ستنير قلبي يا حبيبي ‘

للأسف ما كنت أستشعر كلمات القرآن مثل أمي ، ولا حاولتُ التماس كلماتها فكنت أراها كلماتٍ تُلقى في الهواء وتزول فيه .. ما علمت يومها أنّ منازل كلمات القلب هي القلوب التي تتلقاها.

استمررت بالتعلم بعدها شتى أنواع العلوم وما تركت كتابًا واحدًا إلا حشرت أنفي فيه ، فمن نسبية أينشتاين لابتكارات تيسلا ونفسية فرويد وخصيمه يونغ وشروحات السير أرثر إدنجتون وسياسة ميكيافيلي واقتصادية جون كينز ومنطقية ابن تيمية رحمه الله وحتى في الأدب من دوستوفيسكي مرورًا بديكنز وكافكا وهيسه وحتى تولستوي ! ، كنت وحشًا لا يأبه إلا بإنهاء حفنة الأوراق التي أمامه ليستغلها في رفع مستواه المعيشي الكريه الذي هو عالق فيه.

مرت السنين ومات أبي ليتركني وحيدًا مع أمي متحملين عبئ هذه الأرض الواسعة المسماة بالمزرعة ، أكثر ما أذكره في يوم العزاء أن معظم القادمين كانوا الدائنين يطلبون حقهم حتى قبل أن تجف تربة قبر أبي ، لن أنسى منظر أمي وهي تحاول البحث عن أي شيء ثمين تبيعه وبنفس الوقت تحاول تجميع بعض الأغراض في صندوق خشبي صغير ، كنت وقتها مراهقًا فقلت لها بكل بلادة : لِمَ لا تبيعين خاتمك ؟ أذكر أن أبي قال لي أنه ورثه من جده الثالث الذي أتاه هدية من أحد السلاطين العثمانين ، مجانين المتاحف يحبون تلك الأشياء ، لنبعيها يا أمي.

علت تلك البسمة الغرببة وجهها واعذروا عجزي عن وصفها لكم ، تبعت تلك البسمة ضمة دافئة منها لجسدي البارد وقالت لي: وذكريات أبيك أين تذهب ؟ إن تركناها للغرباء فلا خير في ذكرانا يا بني ، إن كان المال يستطيع صنع العجب فهو لا يقدر تعويض ذكرانا ، لقد ودعته فلا أريد لذكراه ألّا تودعني … قد أتأخر فأسبق الجميع.

لا أخفيكم أنني لم أفهم كلمة واحدة مما قالت وخاصة جملتها الأخيرة التي رأيتها مجرد إضافةً أدبية لا فائدة منها ، ابتسمت مدعيًا الفهم وبادلتها الضم أقوى ما أمكنني.

بعد مضي أسبوع على موت أبي ، بدأت أمي بتنقلاتها بين الناس باحثةً عن مشتري جدي للمزرعة الكبيرة وهذا ما حصل ، أتانا أحد حمقى المدن وعرض علينا مبلغًا فلكيًا وقتها ، أو لنقل أنه كان مبلغًا كافيًا مكننا على الذهاب إلى عاصمة كوسوفو والسكن فيها وسداد مبلغ تعليمي المدرسي ثم الجامعي ، كانت أمي واضحة معي حين وصولنا بقولها : ‘ لقد فعلت ما أستطيعه يا بني ، الباقي عليك ‘

عندما دخلت لتخصصي الجامعي – علوم سياسية – بدأت أمي بالاقتصاد أكثر في غذائها حتى خسرت الكثير من وزنها وذلك لتؤمن لي الكتب الغالية في ذلك التخصص ، عملت أمي وقتها في حياكة لباس بنات العاصمة اللاتي مللن من ملابس السوق المكررة والمتشابهة ووجدن أمي المسكينة ليستغلن حاجتها ويشترن تعبها نظير القليل من المال ، هل كرهتهن ؟ بالتأكيد، فمن العاقل الذي يوادد الإستغلالين الأوغاد ؟ لكن بقلبي جزءًا يعذرهم ، فهذه صنعة كثير من البشر صحيح ؟ استغلال الضعفاء أصحاب القلوب الرقيقة.

كنت أوجه كراهيتي لهذا الصنف في أدائي الدراسي ، كانت تلك الضيقة التي تؤيني كل بوم هي وقودي في الحياة ، أردت صُنع لوحتي المأساوية بيدي العاريتين وبقلبي المحتقن ضد الجميع ، وكلما يزيد علمي تتضح لوحتي المُظلمة أكثر ، لوحتي التي هي مرآة لطفل خاف من الظلمة فوعدته أمه الضعيفة بنور العلم الذي يزيل جميع المخاوف التي تراود القلوب ، تمسكه بيد والأخرى تمسك بسراجها الصغير بينما هو فكانت يده الأخرى تمسك سراجًا أسود كان هو مصدر الظلمة.

بعد بضع سنين ونحن على هذه الحال حالفني الحظ للمرة الأولى وقابلت أحد سياسي كوسوفو الذي أُعجب بطبيعة الحال من منطقي وفكري الذي تعبت على بنائه لسنين ، وقتها عرض علي حال تخرجي القريب أن أعمل في مكتبه كمديرًا لعلاقاته العامة – أو ما يشابهها نسيت الاسم الآن – ، قبلت بالطبع وبدأت العمل بمرتب يقترب لـ 2500 دولار شهريًا ، كان هذا المرتب الضخم سببًا في تحسن حياتي وحياة أمي ، أجبرتها على ترك الحياكة فتورم يداها بات يؤثر على حياتها البسيطة ، بات من الصعب عليها مثلًا إمساك أي شيء لوقت طويل حتى لو كان كأسًا من الماء ، ثاني الأعمال التي صنعتها بعد انتقالنا لشقة أفضل وأفخر أنني وجهت قلمي الذي روّضه ألف كتاب ومئة كاتب تجاه تلك الحمقاوات ، ولأنني بطبيعة الحال مدير مكتب هذا السياسي فلا توجد صحيفة محلية سترفض عرضي بالكتابة فيهن وهذا ما حصل ، ذكرت أسمائهن ، عرضت أفعالهن بأمي جاعلًا تأليب الناس عليهن هو هدفي ورجائي وهو ما صار .. دمرت حياتهن بيداي.

لأصدقكم القول لم يكن همي الثأر لأمي فحتى هذا اليوم لم أرها ما كتبته عنهن ، ربما لأن جزء مني يعلم يقينًا أنها لا ترضى عليهن – بسبب طيبتها- تلك المعاملة البغيضة لكني مع هذا لا أهتم ، كنت أستمتع بانتقامي وأتلذذ أكثر بإعفائي لضميري بعذر الثأر لأمي.

هل ندمت اليوم ؟ لا أظنكم تحتاجون إجابتي ..

بعد مقالتي هذه بدأت الصحف بالتهافت لاستئجار قلمي وبدأوا بالمزايدة عليه ، ربما السبب يرجع لاستعاراتي ولذاعة قلمي الذي أتى بصورة مغايرة عن النمطية الكتابية الذي ألفها قراء وطني وهذا جعلهم يتعلقون بكتابتي ويرسلون رسائل تطالب مدراء الصحف بحجز عمود خاص بي بصحفهم ، قد لا تجدون عنفوان هذا القلم في رسالتي هذه فالكهولة بسنينها تغلبت على تلك الصبوة وتلك الشعلة ، هل تظنوني بنادم على خسارتي ؟ ما أظنه أنكم محظوظون بهذا القلم الصادق غير المأجور.

تعاقدت معي إحدى الصحف بحجز إحدى أعمدتها لكتابتي بمبلغ ١٠٠ دولار ، كانت الصحيفة تنزل أسبوعيًا أي أن دخلي زاد بمقدار ٤٠٠ دولار ، قررت الاحتفال بتلك المكافأة الاستثنائية بشراء ألذ الكعك لأمي ، كانت تحب كعك الفراولة أما أنا فكنت أحب الشوكولا لكني تنازلت لها هذه المرة ، المرة الأخيرة .

لم ألبث طويًلا في المحل حتى أتفاجأ بخروج إحدى الفتيات اللاتي يعملن في المحل وتقذف علي إحدى الحلويات المليئة بالكريمة وهي تصرخ: ‘عليك اللعنة يا قلم الشيطان ، دمرت حياتي ‘

تيقنت لحظتها أنني أمام إحدى ضحايا قلمي فبادلتها ابتسامة اعتدت على صناعتها ، ثم قلت لمديرة المحل : ‘ لا ضير فسأدفع حساب الحلوى التي على وجهي أيضًا ‘ خرجت بعدها وأنا لا أستطيع كتم ضحكتي على حال المسكينة

ذهبت بأسرع ما يمكنني لأقرب زقاق ضيق لأضحك فيه لكني تفاجأت عند وصولي وضمان إنفرادي إنهمار دموعي ! ، لقد بدأت أبكي بغرابة وكأنني طفل صغير ، نظرت ليدي التي بدأت بالارتجاف ، أيُعقل أنني تأثرت بتلك الفتاة ؟!

 هذا القلب الذي امتلأ بالكره بات يشفق على غيره !؟ 

بربكم أخبروني ما الذي أصابني  !؟

أهذه الدموع التي حبستها بوفاة والدي فلم أذرف دمعة واحدة !؟

وما بال قلبي يحترق مع تلك الدموع !؟

بدأت بإمساك عيناي أملًا بإيقافها وإغماضها لتنشغل بالظلمة التي أخاف منها عن هذا الموقف الذليل ، لكن ما أن أغمضت عيناي حتى رأيت الفتاة بدمعاتها وصرخاتها وبجانبها صورتي وأنا طفل … هل يظن قلبي الأحمق أنّ تلك الفتاة هي صورة أخرى لي عندما كنت ضعيفًا فرأف بها ؟!!! لا ! لا ! إنها عدوتي ، لقد آذت أمك واستغلتها أيها القلب الأحمق ، لا تشفق عليها !! بربك توقف !! توقف ! أرجوك توقف

سقطت بعدها على الأرض نائمًا مكسورًا …

استيقظت بعد ساعة أو اثنتين وتحركت قدماي بصورة غريبة نحو محل الظروف البريدية ، اشتريت إحدى الظروف بما يساوي الخمس سنتات ثم أدخلت فيها قرابة ٣٥٠ دولار هي المبلغ الذي بقي لي من مكافأة الصحيفة هذا الشهر ، أمسكت قلمي وأنا أسمع صرخات الفتاة وتلقيبي بالشيطان في رأسي وصورة ضعف طفولتي أمام عيناي ، كتبت وقتها جملًا لم أصدقها ولا يرضى كبريائي بها ، كتبت :

” إلى طاهية الكعك ، أعلم أنّ هذا المال قد لا يصنع الكثير لكِ ، لكنني أتمنى أن تنسيكِ هديتي ما كتبه هذا الشيطان عنكِ … لا تُشغلي عقلكِ اللطيف بما حصل فالأيام ستقتص لكِ منه ، اتركيه لله هو من يتولاه .. عيشي سعيدة “

ذهبت بعدها وأعطيتها لإحدى الفتيات الصغيرات – الفتيات لا يسرقن مثل الصبيان – وأمرتها بإعطاء المظروف لفتاة الكعك ، توقفت بعيدًا بموقع أتأكد منه من طاعة الطفلة لأمري وفعلًا فعلت وذهبت بعدها لأمي .

احتفلت مع أمي بتناول الكعكة للتي لم تفسد لحسن حظي ،كانت هذه الكعكة الإشارة الأولى لفترتي الذهبية في الأرض ، فبعد أربع مقالات كتبتها ارتفعت مكانتي عند ساسة كوسوفو وترقيت من مجرد مدير علاقات – لنسميه سكرتير – إلى مستشار أول ومستشار ثاني لبقية السياسيين .

لا أنسى حتى اليوم المرة الأولى لكتابتي خطاب رجل الدولة الأول وكان ذلك بعد مقالتي السابعة ، يومها صرخت علي أمي تناديني عن المتصل الذي يشبه صوته صوت الراديو – لم تعلم أنه رئيس كوسوفو – ، هرعت مسرعًا إلى سماعة الهاتف لأسمع صوت أعلى رجل في بلادي وهو يتحدث إلي باسمي ويدعوني إلى مقره لنتناقش عن قلمي وطرق الاستفادة منه ، أتصدقون يا رفاق !؟

لم أستطع وقتها إخفاء ارتجاف أطرافي فأنا أمام أعظم رجل يتنفس في الدولة وأنا لم أتم حتى سن الثلاثين . صحيح أن السبب الأول يرجع لمقالتي السابعة التي أثارت جدلًا واسعًا بين الطبقة العليا في البلاد حيث أنها كوّنت وقتها حزب فكري صغير دمرته بيداي بالمقالة الثامنة …. السبب ؟

تعرفون السبب

هذا الموقف نحت الحجرة الأولى في صناعة اسمي في البلاد ، فكثرت عقبها مقابلاتي في الراديو وارتفعت مناصبي في البلاد وبالطبع قلّ وقتي مع أمي فما صرت أراها إلا مرات معدودة في الأسبوع.

استمررت في صعود أعلى الدرجات في السنين العشر التي تلت تلك المقالة وصرت بعدها أحد وزراء الدولة الذين يشير لهم معظم أهل أوربا – لا بلدي فقط – بالبنان ، صحيح أنّ السبب يعود لتصريحاتي الجدلية ، لكن هل تتوقعون أن رجل دخله يتجاوز ١٠٠ ألف دولار سيهتم لذلك ؟ فهل أنا بنادم ؟ 

بطبيعة الحال فقد توسعت دائرة أصحابي وصرت أرى الوجوه الجديدة الذين يكيلون لي أجمل المديح وأرقه ، لا أخفيكم متعتي وسعادتي بهم فقد كانوا أولى أصحابي كما كنت أظن … ربما هذا هو الأمر الوحيد الذي ندمت عليه يا أصحاب.

مع كل ذلك الزخم الذي صار حولي إلا أنني لا زلت ألتزم بالذهاب لاستماع شتائم طاهية الكعك بشكل أسبوعي ، صحيح أنني كنت أستفيد من شتائمها المتجددة وأضعها في مقالاتي عندما كنت كاتبًا شهريًا لكنني الآن لم أعد أحتاج لتلك الشتائم منذ سنين ، أظنه صار روتينًا لا يريد قلبي مفارقته ، بيد أنني كنت أعاني من الصحفيين الذين يعرفون بطبيعة الحال عادتي مع متجر الكعك هذا لكنني كنت أحاول الالتزام قد ما أمكنني بالذهاب إلى المتجر ، ربما لأنني لا زلت أرى فيها ملامح طفولتي وأحاول على استحياء مساعدة متجرها بشهرتي أو أنني مستعد لتحمل كل المصائب والمصاعب كي أتذوق كعكها ، إن عرفتم السبب فلا ضير بإخباري.

صارت لي عادة سنوية بدعوة أصدقائي في اليوم الموافق لنشر مقالتي الأولى – التاسع عشر من مارس – ، كاهت حديقة قصري تمتلىء في ذلك اليوم بالكثير من الناس منذ المغيب حتى قبيل الفجر بقليل ، كنا نتراقص باستمتاع و نتضاحك على نكتي التي أحضرها كل العام بشعف ، كنا نفعل كل شيء ونأكل أي شيء ولا نرفض شرب شيء أبدًا ، كانت أمي تنزل علينا أحيانًا ممسكة بعكازها المزخرف من التشيك وتصرخ على أصحابي ثم تأتيني وتقول لي بفمها الذي أحاطه التجاعيد وبصوتها الذي أضعفه الزمن ” احمد الله يابني ولا تكتفي بحمده مع هؤلاء ” ثم تتبعها بابتسامتها الهادئة التي عجزت حتى اليوم على صنع مثلها ، ألأن السبب أن بسمة القلوب لا يمكن محاكاتها ؟

عندما بلغت السابعة والثلاثين اختلفت الظروف معي وتغيّرت ، وكأن رصيد أيامي السعيدة  انتهى في هذه الدنيا ، من المفارقات المؤلمة أنّ إشارة انتهاء سعادتي أتت من أشد الأيام التي أحتفل بها … التاسع عشر من مارس.

وقتها كنت أُلقي النكات عن الصرب كعادتي منتظر مجيء أمي المتأخر ونصيحتها الروتينية ، لكنها لم تأتي ، استمررت بإلقاء بالنكات أنتظر قدومها ، لكنها لم تأتي ، ساعة وساعتين وثلاث ومنتصف الليل قد أتى لكنها لم تأتي ، بدأت بإلقاء نكت الأعوام الماضية وسط ضحكات أصحابي المجاملة وحتى الآن لم تأتي ، استأذنتهم وذهبت مسرعًا للدور الثاني وكثير من الخواطر تتقلب في ذهني ، بدأت نبضاتي بالتسارع وصور أمي وكلماتها تنغص صدري محتمة عليه أن يسرع نبضاته ، كنت أخاف وقتها من الحقيقة التي لا أريد رؤيتها ، فأمي هي سراجي لا علمي الأسود ، هي نور حياتي لا مصابيح قصري ، دخلت غرفتها وأنا أرى الخادمة منتصبة في مكانها ، كانت مصدومة من منظر أمي على الأرض والدماء على وجهها النقي ، صرخت على خادمتي بل وضربتها لا أعلم والله ، ما أذكره أنها هرعت مسرعة لتتصل بالإسعاف بينما كنت أمسك بكلتا يداي وكأنني أحاول حمايتها من قدوم ملك الموت ، كنت أحمقًا وأنا أقول لها :

‘ لا تتركيني أرجوكِ لا تفعلي ، لم أتزوج يا أمي حتى الآن ، ابقي معي بربكِ لتري أحفادك أرجوكِ ‘

لكنها لم ترد…

أتى الإسعاف وحملها وأعلنت حينها إلغاء الحفل وأعمالي الأسبوع القادم لأبقى مع أمي ، بعد اليوم الثالث استيقظت أمي ولله الحمد وقال لي الطبيب وقتها عن استحالة علاجها فمرضها عجيب بل غريب لم يقرأ عنه أبدًا ، بصقت عليه وهددته بالفصل بسبب نفوذي لكني تراجعت عقبها وأمرته بأن يسمح لأمي بالخروج لأنني سأذهب بها إلى مستشفيات الألمان.

وصلنا لأرقى المستشفيات الألمانية ولم أدخر جهدًا ولم أوفر وقتًا في ضمان دخولها لأفضل غرفهم ، لكن إجابة طبيبهم كانت مثل إجابة طبيب بلادنا ‘ لا نقدر على علاجها ‘ ، لم أقوى على تصديق كلماته لأصرخ عليه : ‘ سأدفع لك كل ما تريده من المال ، طلبي بسيط عالجها !

ابتسم لي الطبيب العجوز وقال بهدوء يشابه هدوء أمي: ‘ لكن المال لا يشتري كل شيء يا ولدي وخاصةً المشاعر ، أحيانًا نجدنا نضيع حياتنا في الطريق الخاطئ ، في البحث عن الأموال ونسيان ما نحب حتى نفقدهم ‘

لم أتمالك نفسي لأبكي أخرى وأنا أتذكر نصيحة أمي الأولى عن العلم ، بدأت كلماتها بالتدفق بذاكرتي وكأن كلمات هذا الكهل الأخرق هي المفتاح لفهمها ، لقد كنت أُضيع وقتي منذ البداية ، كان الكنز بين يداي ولكني ضيعته بطمعي .

توفت أمي بعدها بأيام وكانت آخر كلماتها لي : ‘أعتذر منك أنني لم أحضر لاحتفالك ، لكنني قد أتأخر يابني ، فأسبق الجميع ‘ تبعتها آخر بسمة من وجهها الملائكي لتودعني .

كانت صدمة أمي ذات وقع عظيم علي فكثرت مشاكلي مع السياسين حتى فقدت نفوذي ، تصادمت مع الرئيس فخسرت مكانتي وبالطبع تركوني الناس الذين كنت أسميهم أصدقاء فلم تعد لهم حاجة برجل تافه محزون مثلي ، بعت قصري بمبلغ مبخوس واشتريت مزرعة أبي ، كنت أريد البقاء فيه وألاعب خاتم أمي حتى أموت فلم تعد للحياة عندي قيمة . أتعذروني ؟

استمررت على هذه الحال شهرًا أو ما يزيد بقليل ثم تنازلت عن قوقعتي وذهبت لإحدى محلات القرية الجديدة ، كنت حزينًا وقتها حتى أنني لم أهتم بما اشتريته فما يكفيني أنه سيبقيني على قيد الحياة لأبكي على أمي وأبي ..

لم أطل الخروج حتى سمعت صرخات ألفتها وما أن التفت حتى وجدت فتاة الكعك تأتيني ، لا أخفيكم صدمتي بحضورها حيث أنها لاحظته بملامحي التي اختفى عنها التصنع ، قالت لي ‘ أعتذر إليك عن غيابي بعزاء أمي لكنني لم أكن شجاعة بالشكل الكافي كي أذهب إليها وأستمع لشتائم الناس بسوئي معها ‘ قاطعتها وقتها والحرج يغلبني : لا تقلقي فالخطأ خطأي أول الأمر فأنا من جعلهم يكرهوكِ هكذا ولم أتراجع حتى اليوم عن كلماتي ، على كلٍ أمي لا تضمر تجاهك أي كره فالمقالة أنا من غذاها بكراهيته وأنا الجبان الذي عجزت عن الاعتذار خوفًا من خسارة شهرتي .

ابتسمت لي للمرة الأولى وقالت : ‘ لهذا أيها الشيطان أرسلت لي ذلك الاعتذار ؟ ‘

انفجعت وقتها وعجزت عن إخفاء ملامحي للمرة الثانية فابتسمت أكثر وقالت : ‘ لقد كنت أقرأ مقالاتك على أمك كل أسبوع فهي كأنت تأتيني في محلنا أول النهار وتسألني بقرائتها لها لأنك تركت القراءة عليها ‘

استغربت وقلت :’ هل عذرتيني إذن ؟’

فردت علي :’ بالتأكيد أيها الأحمق ، لقد عذرتك منذ رسالتك تلك لكني أحببت الإنكار لأرى ندمك في كل السنين الماضية ، كان ثمنًا مرضيًا لي ‘

وقتها أتى على بالي كلمات الأخيرة التي عجزت عن فهمها … صمت قليلًا ثم قلت بصوت خافت ‘ قد أتأخر فأسبق الجميع ‘ سألتني مستغربة عن معنى كلماتي فقلت لها ‘ أعنيكِ أنتِ يا فتاة الكعك ، لقد تأخرتِ لكنكِ سبقتي الجميع ، لقد ضيعت ما يكفي من الطيبين ولا أريد تضييع المزيد .. لن أضيعك ‘ ثم أعطيتها خاتم أمي وذهبت

انتظرت الأيام حتى أتت ، لحسن حظي أن فرصتي تلك لم تضع

ربما ستسألوني الآن عن ندمي ، الإجابة لكم : )

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: