مٌراجعة كتاب : قصة العرب في إسبانيا

الكاتب : ستانلي لين بول

المترجم : علي الجارم

عدد الصفحات : 181 

 هل تحتاج لقراءة كتب قبله ؟:  الكتاب بسيط في معظمه فلا تحتاج لقراءة أي كتاب لتستوعب ما فيه

أسماء الكتب إن وجدت : لا توجد

_____________________

مقدمة..

إن النصارى يولعون بقصائد الشعر العربي وقصصه ويهجرون الكتاب المقدس وآثار القديسين ، ومما يوجب الحزن والأسى أن الجيل الناشئ لا يعرف غير العربية ، فهو يقرأ كتاب المسلمين بشغف وينشئ لها الخزائن ويراها جديرة بالإعجاب في حين أنه يبخل بنظرة إلى كتاب مسيحي ….. لقد نسي النصارى لغتهم ، من العسير أن واحدًا منهم في كل ألف يكتب حرفًا لاتينيًا كتابة سائغة ، مع هذا فهم يستطيعون أن ينظموا شعرًا عربيًا رائعًا    

  يولوجيوس

يذكر لنا المُستشرق البريطاني ستانلي لين بول آثار العرب والمسلمين في الأرض الأندلسية ملتزمًا بالحياد قدر ما أمكن تجاه الذين قُتلوا وأُحرقوا من موجة الغضب النصراني الدموي والذي كانت محاكم تفتيشه أهون ما فعلوه عندما تمكنوا على المسلمين ، وبأسلوبه السهل الممتنع يخبرنا ستانلي بأهم وقائع العرب منذ فتحهم للأندلس حتى سقوط غرناطة.

هذه البساطة تجعل الكتاب من الكتب اليسيرة لختمها بجلسة أو جلستين لسلاسة أفكارها وجمال أسلوب كاتبها الذي استفاد بدوره من جمالية تلك الحقبة المظلومة عند النصارى والمبكية عند المسلمين على الأندلس التي تُوجت بتاج الحضارة الإسلامية المُثلى وصارت قلب العلم وروح العالم القديم في مجالات الحياة وعلومه وباتت مكانتها عندهم كما اليونان عند شباب عصر النهضة الأوروبين وشتان بين اليونان الفلسفية والأندلس العظيمة الواسعة في كل شيء حتى في فلسفة اليونان نفسها فاستفادوا منها ما استفادوا وحفظوها من الضياع ثم انتقدوها وحللوها على أيدي فلاسفتهم الأندلسيين … فحقٌ علينا أن نَبكي عليهم وعارٌ علينا أننا لا زلنا ضائعين عن بوصلتهم فضيعنا العالم وبتنا نرى قلبه يتحدث بلسان غير لساننا.

 …

مراجعة..

ملاحظة : ” أرجو قراءة هذا الجزء لمن انتهى /انتهت من الكتاب كي لا أُفسد عليكن وعليكم متعة الكتاب وتتأثرون برأيي فقد يحرمكم من أرائكم الخاصة فيحرمني من مناقشتها والاستمتاع باختلافها”

“يمكنكم الانتقال لجزء الاقتباسات والخلاصة لتعرفوا هل الكتاب يستحق الاقتناء أو لا بحسب وجهة نظري”

في الفصل الأول من الكتاب الذي يتكلم عن دخول العرب للأندلس يذكر لنا ستانلي صفة مميزة في الفاتح العربي المسلم حيث شبهه بالفارس النبيل الذي يُذكر في القصص الخيالية والذي من المستحيل أن يلتزم بصفاته الفرسان بالواقع – وهو يعني بذلك فرسان النصارى وغيرهم من الفرسان – فتراه يرأف بأهل الديار الذي استحوذ على أرضهم ولا يُنكل بضعفائهم ويقتل نسائهم ويستمتع بمنظر الدماء على أطفالهم بمجرد أنه الأقوى ، فكأنه أتى من عالم خيالي يسيطر فيه الرحمة رغم أنه يتناقض مع الفرسان الآخرين الشهوانيين الذين يتحاكمون بنظم الحيوان.

تلك النبالة لم تتوقف فقط حين الفتح بل امتدت لما بعده فصلحت حياة أهل شبه الجزيرة الايبيرية مقارنة بظلم الطبقة النبيلة الذين كانوا يشتغلون بجمع الضرائب الفلكية وتحسين حياتهم متجاهلين عمدًا أهلها الضعفاء ، فزانت حياتهم وأُقرت أراضيهم فنجد بنو أمية يعرضون عليهم العروض السخية لشراء أراضيهم كي يبنوا مساجدهم ولهم منطلق الحرية بالرفض بكرامتهم أو القبول بخيارهم ، وكان المسلمون يكتفون بالجزية التي تسقط فورًا عندما يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا الرجل الذي أتم لهم مكارم الأخلاق رسول الله وآخر رسله عز وجل. فنرى انصهارًا سريعًا بين النصارى والمسلمين واندماجًا عظيمًا بينهم فاختفت الطبقية المعروفة عند الغزاة وصار المسلمون أخوانهم وأهلهم.

بعد خسارة المسلمين في معركة بلاط الشهداء أمام شارل مارتل اشتغل المسلمون بتطوير الأرض الأندلسية وتثبيتها واشتغلوا بتطبيق العدل الذي أمرهم ربهم به كما يقول ستانلي : يجب ألا يجول ببال أحد أن العرب عاثوا في البلاد وخربوها بصنوف الإرهاق والظلم كما فعل قطعان المتوحشين قبلهم ، فإن الأندلس لم تُحكم في عهودها بسماحة عدل وحكمك ، كما حُكمت في عهد العربي الفاتحين.

ثم يتنقل الكتاب لذكر ثلاث شخصيات مفصلية في تاريخ الأندلس الموحدة بواقع فصل منفصل لكل شخصية ، هؤلاء الثلاث هم : عبدالرحمن الداخل الأموي مؤسس الدولة الأموية الثانية بعد سقوط الأولى من العباسيين ، عبدالرحمن الناصر الأموي ، الحاجب المنصور الذي أنهى حكم الأمويين في الأندلس.

قبل أن أدلي برأيي عن الفصول الثلاثة علي أن أوضح لكم أنني متيّم بالأول منذ طفولتي حتى جعلته قدوتي ومعجب بالثاني وكاره الأخير كرهًا لا يعلمه إلا خالقي.

ملاحظة أخرى : إن تجاهلت تحذيري الأول وقرأت الكلمات التي في الأعلى دون قرائتك للكتاب فإني أحذرك الآن أن تفعلها بباقي الأسطر لأني سأذكر أحداثًا تاريخية إن علمتها مني ستخسر معظم المشاعر التي سيلقيها لين بول بأسلوبه المميز.

في فصل الداخل ذكر لين بول حدثًا تاريخيًا مهمًا وهي مقتل أخاه أمام عينيه وهم يعبرون النهر أثناء هروبهم من العباسيين فقالوا لهم أن السلام عليكم إن رجعتم إلينا فرجع أخ عبدالرحمن الأصغر إليهم مفضلًا صدق وعدِهم على تعب البلوغ ليقتلوه عندما أتاهم والداخل يراهم مفجوعًا.

الغريب من الكاتب أنه تجاهل ذاك الحدث المفصلي الذي غيّر بالتأكيد من شخصية الشاب الأموي ليلقي استغراباته منه حينما نزل على أرض الأندلس واتباعه للحيل للقضاء على أعداءه وأنها ليست من صفات الفارس العربي المسلم النبيل الذي يفي بعهده ما استطاع لذلك سبيلًا وهذا الأمر الذي استفزني صراحة فكيف تطلب من رجل تمت خيانة أخاه من عدوه أن لا يعاملهم بالمثل وبالطريقة نفسها  ؟ 

رغم هذا التجاهل النفسي لشخصية الداخل والتقليل منه ومن الحال التي وصل إليها على الصعيد الشخصي ” فهو أحد أعظم الحكام العرب بالتاريخ بالتأكيد وهذه ليست وجهة نظر شخصية ؛) ” لكن هذا لا يمنع أن دراسته لتلك الشخصية المظلومة ليست سيئة إطلاقًا مقارنة بكتاب أحمق اشتريته عن الداخل سأذكره في حينه.

بخصوص عبدالرحمن الناصر فلن يقدر أحد على التنقيص منه ففترته تمثل أعظم فترات الأندلس وفيها صارت الأندلس قلب حضارة العالم لدرجة أن حفيد إحدى ملكات شمال أسبانيا السمين ذهب إليه طالبًا للعلاج في واقعة استثنائية تدل على تفوق الأندلس ” العدو ” عليهم ومع هذا نجد الناصر لا يستغلها لأغراض دنيئة بالتأكيد ، لا أرغب بذكر أحداثٍ أكثر فالناصر شخصية عظيمة لا تحتاج للتعبير عنها أبدًا ، فهي عظيمة بذاتها بالتأكيد لكني سأذكر نقطة حبه لزوجته الزهراء لدرجة أنه بنى مدينة باسمها ، لا أعلم عن أحد فعل فعلته قبله لكن صنيعه أسرني للأمانة ، ما أجمل هذا الحب والله ، أن تكون قادرًا كفاية لتبقي اسم من تُحب في هذه الحياة.

بخصوص الحاجب فكرهي بالتأكيد سيجعلني انتقص من أفعاله الناجحة في فترته الطويلة والتي هي خير مثال لرجل بلا اسم ولا عائلة ولا تاريخ يقدر على صنع المستحيل وحكم مالا يقدر عليه إلا من له باع طويل بالحكم كالأمويين ، ربما لهذا السبب كان محط اعجاب معظم الناس فكلنا يرغب بصنع اسمه دون الحاجة لوجود تاريخ يحمله لكني بالتأكيد لا أفضل الحصول عليها بالاحتيالات والتلاعب بقلوب الناس وأخص بالذكر هنا نساء الأمويين وبالذات أم الأمير الصغير الذي كسبها بجميل لسانه وعذوبة كلماته ليقضي معها على أمية وعلى تاريخهم للأبد ويسبب بنهاية حكم المسلمين للأندلس رغم توسع الدولة تحت سلطانه للأبد . فالدولة كانت قائمةعلى شخصيته هو لا على احترام تاريخ عائلي كاسم أمية فانتهى حكم ولده بسرعة ومعها انتهت أمية الذي ضيع هيبتها وتأتي الطوائف الممزقة لتقضي على هيبة الأندلس الموحدة.

عقبها يذكر الكاتب شخصية نصرانية بارزة هو لمبارز مشهور ، شخصية لا أخفي عنكم أنني عرفتها للمرة الأولى في الكتاب ولا أحتاج للتعقيب عليها كثيرًا فمكانة لذريق عند الكاتب لين بول مثل مكانة الداخل عندي .

وبين تلك الشخصيات يذكر الكاتب أحداثًا مهمة يراها مهمة في تكوين الكراهية النصرانية للمسلمين ثم يختم كتابه بالتأكيد بفصل غرناطة وسقوط غرناطة ، الفصل الأخير الذي لا تملك تجاهه سوى الحيرة من الضحك على غباء وطمع أمير غرناطة الذليل أو البكاء على حال المسلمين والمسلمات الذين ذاقوا أشد العذاب عندما تمكن الأسبان عليهم ، ربما ما استفدته من سقوط غرناطة المؤلم أن هذه هي نهاية كل من تغذى بالطمع وسيطر حبه لكرسي العرش على اهتمامه لتطوير دولته ولو تطلب منه هذا أن يخون شعبه بالتعاون مع أعداءه ليسيطر على كرسيه الذي جعله هزيلًا بطمعه وذله وسيخسره بالتأكيد لنفس العدو الذي ما صار يراه إلا مُهانًا انتهت فائدته التي أبقته متصالحًا أو ” حليفًا ” كما يحب النكرة الغرناطي أن يسمي بها نفسه بعلاقته مع عدوه والذي لا يراه عدوه بالتأكيد إلا ” خادمًا ” سيُسحق متى ما انتهت المصلحة ، فوداعًا يا أندلس المجروحة بطمع نكرات سيّرهم وجعلهم ملوكًا عليكِ وعلى شعبكِ المكسور الذي حُرقوا وقُتّلوا أشد التقتيل لأنهم قالوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا آخر رسله ، باتت مساجدكِ يا أندلس كنائسًا لقوم لم يعاملوا شعبكِ مثل ما تعامل العرب المسلمين فيها قومك النصراني عندما دخلوها المرة الأولى قبل قرون ، رحمكِ الله يا أندلس وأطيِب بذكركِ أبد الدهر.

 …

اقتباسات أعجبتني..

       “فقال وقد بكى ؛ قد كنت ملِكًا  فماذا ينفع الآن النحيبُ؟ ” 

أنشودة إسبانية تحكي عن حاكم الأندلس الذي خسر أمام جيش المسلمين بالفتح الأول

تبدَّتْ لنا وسْطَ الرُّصافة نخلةٌ

تناءتْ بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ

فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنوى

وطولِ الـتَّنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي

نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبةٌ

فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنْتأى مثلي

عبدالرحمن الداخل

     لكن الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التي تبيض بيضة من ذهب كل يوم ، فقد بقيت إسبانيا قرونًا في حكم العرب وهي مركز المدنية ، ومنبع الفنون والعلوم ، ومثابة العلماء والطلاب ، ومصباح الهداية والنور

لين بول عن سقوط غرناطة 

     قد بقيت حضارة العرب إلى حين بعد خروجهم من إسبانيا وضاءة لامعة ، ولكن ضوءها كان يشبه ضوء القمر الذي يستعير نوره من الشمس ، ثم عقب ذلك كسوف بقيت بعده إسبانيا تتعثر في الظلام  

لين بول 

خاتمة وتقييم ..

لا أخفيكم إن قلت أن هذا الكتاب من أمتع الكتب التي قرأتها هذا العام ، فهو من الكتب القليلة التي توافقت فيها ذكاء الكاتب وأسلوبه مع جمالية الموضوع التي يتكلم عنها .

قد لا يكفي هذا الكتاب ليشبع شغفك في تاريخ الحضارة الأندلسية العظيمة لكنه سيلقي عليك بالتأكيد بذرة شغف مطالعة هذه الحضارة راسمًا لك أهم الخطوط العريضة ونقاطها بأبسط الطرق الممكنة وأشدها اختصارًا ، الكتاب ممتاز لمن ليس له خلفية تاريخية في تلك الحضارة فهو قادر بإخبارك بأشهر أحداث الحضارة دون الخوض المعمق بالتفاصيل تاركًا لك المجال بالتعمق فيه بكتب التاريخ المعنية فيه سواء عربية أو اسبانية ، الميزة الأخرى من المترجم صراحة ذكره لأهم مصادر الحضارة الأندلسية عربيًا “مثل نفح الطيب ” وذكرها سواء بمقدمته المميزة أو بلجؤوه لها لتوضيح بعض نقاط المستشرق من مصدر عربي بالهوامش ، فالهوامش مهمة وتعطيك مفتاحًا مهمًا للخوض في تاريخ الأندلس من بابه العريض ، هو ممتع أيضًا لمن قرأ في التاريخ الأندلسي لتقديمه وجهة النظر النصرانية المحايدة قدر ما أمكنها عن العرب ، فهي دراسة تاريخية مهمة للغاية.

بالنهاية هو كتاب تقدر على إنهائه في جلسة أو اثنتين دون أن تشعر بالوقت أبدًا لبساطته وسلاسته التي ذكرتها مرارًا وتكرارًا ، هو كتاب ممتع وبسيط يناسب الجميع سواء لمحبي التاريخ وغيرهم فلا أحد يكره القصص والأخبار فكيف إن كانت عن حضارة تملك الكثير من العظماء ؟  

التقييم النهائي (من 10) : 8.35

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: