تدوينة : فوضى الكتب

شاهدت قبل ساعات مقطعًا لأحد المشاهير وهو يتكلم عن نشر كتابه الأول ويدعو ” جمهوره ” لاقتناء هذا الكتاب قبل أن تنفد الكمية ، كانت الدعوة صريحة حماسية لا غرابة بها فكل امرؤ يحب الصناعة التي صنعها مهما كانت الآراء التي شُهرت ضدها .

لكني تساءلت وقتها تساؤلًا أرجو منكم تحمله … أيُ المسارين أفضل ، أن يرفع كتابك اسمك ، أو ترفع باسمك كتابك ؟

منذ قديم الأزل والإنسان يبحث عن طريقة لحماية اسمه من الاندثار (كما ذكرتها في تدوينة كابوس النسيان) أو دعونا نضف إلى هذا الهدف حفظ فكره وإرثه الروحي عن طريق كلمات ستضمن له حتمًا ذلك البقاء في نفوس الأجيال المتعاقبة وربما يكون محظوظًا فيتدارسونه يومًا ” كما كارل ماركس وفريدريك انجلز ” ، هؤلاء الأثنين الذين يعتبران أحد أشهر أفكار ثورية بالاقتصاد والاجتماع معًا ، لكن لو بحثنا في ماضي الإثنين ولنأخذ انجلز كمثال ، سنجد أنه بداية تكوّن اسمه كانت في المجال الصحفي منذ فتوته ، حيث أنّ مقالاته الصحفية تتصف بالنقد اللاذع المتميز ، الأمر الذي جعل اسمه يزدهر قبل بلوغه العشرين ، أمثال انجلز كثيرون بالطبع في النموذج الغربي أو النموذج العربي أيضًا ، فلنا مثلًا معظم كتاب العصر القديم الذي اشتهر بكتابته قبل منصبه ونسبه مثل الحكيم المقتول عبدالله بن المقفع – رحمه الله – ، والقارىء النهم الذي بات مضرب المثل العربي في الكتابة ” الجاحظ ” -رحمه الله-. جميع هؤلاء نجد الكتابة هي من رفعت اسمهم وميزتهم ، فالكتابة هي متنفسهم لا يعيشون دونها.

في الجهة الأخرى نجد شخصيات مشهورة ذات أسلوب كتابي رائع وثقافة عالية مثل غازي القصيبي – رحمه الله – ، لكنّ من يبحث في أعماله المميزة والذي لاقت رواجًا كبيرًا وقبولاً واسعًا عند الناس ، هي الأعمال التي تتعلق بعمله ومذكراته بالمقام الأول ” حياة في الإدارة ” و ” سعادة السفير ” يمكن اعتبارهما مثالًا واضحًا عن الكتب المميزة التي ساهم اسم كاتبها في بقائها ونشرها إضافةً لمادتها الغنية بالمعلومات المُلهمة .

ما نراه واضحًا في تلك الكتب التي تعتمد على اسم صاحبها بالبداية أقرب للمذكرات الشخصية منها إلى الكتب ذات المجالات الأخرى ، وهذا الأمر أمر طبيعي لا يُعاب المرء عليه أبدًا ، فأن تستغل اسمك لانتشار كتابك ثم تعتمد على مادة الكتاب وقوته للحفاظ على اسمك في النهاية فهذا أمرٌ محمود بل عبقري ، لا ننسى أنّ أعمال غازي القصيبي – رحمه الله – كثيرة للغاية لكن جميعها لا تصل لمكانة كتاب ” حياة في الإدارة ” الذي يعتبره الكثيرون إرث وكنز تفخر بها السعودية الثالثة ( أنصح الجميع بقراءته والاستفادة من الكنوز التي فيه خاصةً أننا بزمن سيسيطر عليه المشاريع الفردية )

لكن هل ينطبق هذا الكلام على من استغل شهرته الرقمية في نشر عمله الورقي ؟  هل يمكن أن نطلق على هؤلاء كتابًا أصلًا ؟

بالرغم من أنني أخاف من التعميم الأعمى وأفضل عليه التجربة بتضييع وقتي بقراءة بعض تلك الأعمال كي أكون رأيًا مبسطًا ( ليس مطلقًا ) عليهم ، ما أظنه للأسف هو استغلال المشاهير للجماهير لضمان مصدر دخل آخر يُضاف إلى أرصدتهم ، مثلها مثل الإعلانات وبعض الدورات التي لا تنفع أحدًا غير صاحبها ، ذلك الأمر لا ينطبق فقط على مجتمعنا العربي فكذلك الغربي يحمل أمثال تلك النماذج المادية على الصعيد الأول .

لكن هل هم مصيبة فعلًا ؟ هل أدعو إلى منع أعمالهم وتصعيبها ؟ أو أنني أدعو لحرب دور النشر التي تساعدهم ؟

أظن أن الإجابة المثالية لتلك الأسئلة هي أنّ المنع والتشدد في تلك المسائل لا تنفع أحدًا بل هي أدعى للتسلط على الناس ، فقد يأتي كاتب يكتب مادة غنية مميزة لكني أنا لا أحب المجال الذي يتكلم عنه فأمنعها ببساطة ، ربما تأتي كاتبة تقول رأيًا لا يعجبني فأمنعها ببساطة وأحرم بسبب ذلك أجيالاً لن يروا تلك الأفكار المميزة وأُسبب بسحق تلك المواهب اللينة.

كذلك عدم إعجابي أو تسخيفي لتلك الكتب لا يعني بتاتًا أنّ لها جمهورًا من الناس ، طبيعة البشر الوحيدة التي لا تتغير أنهم خُلقوا مختلفين ، فأن أدعو لحجب شيء لا يعجبني لا يدل إلا على عنجهيتي وربما تكبري.

لذا لا مشكلة عندي مع تلك الأعمال فأنا مؤمن أنّ الأعمال الغنية بذاتها سينصفها الزمن يومًا كما كتاب الأمير لميكيافيلي – رغم اختلافتنا الأخلاقية معها – ، فالأعمال الخالدة لا تُلاحظ بسنواتها الأولى إلا القليل منها . لكنّ مشكلتي هي إن غزت تلك الأعمال مكتباتنا وبدأت الكتب تختفي يومًا بعد يوم من تلك المكتبات ، أن تبالغ دور النشر بالاهتمام بجمهور الكاتب أكثر من مادة كتابه – كما سمعت من أحد الأصحاب – ، أن تحرم مكتباتنا تلك الأعمال من النشر بالأساس ، كيف ننتظر انصاف الأجيال إن لم تنشر الكنوز أصلًا ؟

ربما يكون العائد المادي سببًا في تخدير تلك المنظمات مؤقتًا لكن هل نجعل هذا عذرًا بتقليل جودة مكتباتنا ؟ وإرثنا الفكري ؟ 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: