تدوينة : قضية عادلة

إن الُنصرة هي خاتمة المظلوم ، فالله هو الدهر ، والله عادل ، والله قادر ، وهو الواحد القهار …. لا ملِك غيره ، قد آن لمخلوقيه أن يتيقنوا نصره ، فهو الملك الذي لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء .

إحدى الأعمال المشهورة التي كوّنت أفكار طفولتنا وكانت جزءًا متعمقًا بذكرياتنا هو العمل الكارتوني الذي تسمى بالدبلجة العربية : لحن الحياة.

عندما نبحث في حيثيات هذا العمل ونجتهد بالتعمق في مآلاته سنجد أنّ العمل قائم بالأصل على مذكرات حقيقية لأسرة نمساوية غنية عانت من ويلات الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية ، كانت تلك الحرب الغاشمة سببًا في رسم الكثير من المآسي التي صنعت وجه هذا العالم البشع اليوم ، أبشعهن الاحتلال الصهيوني.

هذا العمل لقى الكثير من القبول العالمي فهو يلامس مشاعرًا وجدانية نُقشت في أرواح البشر ، مشاعرٌ راسخة وكأنها حاسة تكوّنت في أنفسهم منذ ولادتهم ، عدم الرضا بالظلم المجرد ، واضطهاده أينما كان.

رغم محاولات الطاغية – أدولف هتلر – طمس مشاعر الرفض والاحتقان التي أظهرها الشعب النمساوي من هذا ” الإذلال ” بتشريع احتلاله بحجج واهية مثل أنّ النمسا مقاطعة تابعة لأمها ألمانيا ، تكسير الأقلام الصارخة وضرب أعناق الصرخات المتألمة ، إلى أنّ ذلك لم يمنع للحقيقة أن تظهر أمام أعين البشر ويروي لنا التاريخ – رغمًا عن أنف المجنون النازي – القصة بواقعيتها ، وبألمها ، بتسرب بعض تلك الأقلام ، ونجاة صرخات أخرى من هذا الغام … فالحق سيُقال ، مهما بطش الباطل ، فالرب واحد ، والرب اختار نصرة الحق ، فأنّى للباطل أن يعيش .

من الفرَق التي عانت من بطشة مجنون النازيين ، وتجرعت من ويلات نزواته المجنونة ، فِرقة تدينت بديانة سماوية أخبرهم فيها الله أنه أنقذهم من سطوة رجل علا في الأرض استضعفهم واستكبر عليهم ونكّل بهم حتى أتى نصر الله وأغرقه ، هؤلاء الذين عانوا من فرعون قبلًا والرومان والألمان يقترفون نفس الجريمة اليوم بقوم آمنوا بالله ولم يناجوا سواه .

أيظنون مثلًا أنهم معصومون من عقاب الخالق لأنهم أحباؤه ؟

ما قولهم بكلامه إذًا -سبحانه وتعالى – : {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }} 

أيعتقدون أنّ الله – الذي لا يرضى الظلم لعباده – سيتجاوز لهم هذا الظلم ؟؟ والدليل هي تلك العقود التي بطشوا بها ؟ 

وهم الذين يعلمون أنّ فرعون الملعون عذبهم بأشد العذاب سنينًا طوال ؟ 

لم يحميه جبروته من انتقام الله منه ، ولم يحل جنده بينه وبين بطشة العظيم به في غياهب البحر  أيحسبون أنّ سنة الله لن تقع عليهم لأنه أنقذهم عندما استضعفوا في هذه الأرض يومًا ؟؟

إنّ الله لا يرضى بالظلم وسينصر الضعيف أينما كان وكيفما يكون ، هذا الكلام الذي على اليهود أن يتيقنوا به أول الأمر فلن تغني عنهم تلك اللحظات التي بطشوا بها وجرّموا بها عباد الله الضعفاء ، فحتى هتلر جرّمهم ، وحتى فرعون احتقرهم ، بربكم أخبروني … ما هي الصنعة التي صنعتموها واختلفتم عن هؤلاء لتظنوا أن الله سيترككم عليها ؟

على اليهود العقلاء أن يقتنعوا بأنّ مباركات المتصهينين ممن حولهم من العرب الذين اشتروها بأموالهم لن تغني عنهم عندما يحل عليهم حساب الواحد القهار ، وعلى الذين سكتوا عن تلك الأرواح التي قُهرت وعُذبت أن ينتظروا تجرع تبعات اختيارهم وأن يحضروا أنفسهم لملاقاة العادل القهار ، إن سألهم عن هذا الموقف الذي اتخذوه ، فعذر أنّ {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } لن يخفف عنهم يومًا من العذاب.

على الجميع أن يعلم أنّ هذه القضية قضية عادلة ، قضية وعَدَ الله دومًا طرفها المظلوم بالنصرة والتمكين ، مهما قُتل من فئة الحق زمرًا ومات من أهل الباطل فرقًا ، سيقضي الحي الذي لا يموت بنُصرة الذي صرخ باسمه ونادى بجبروته ، سيقضي الجبار ، فمن اتخذ الظلمة الذين عادوا العزيز فلا ينتظروا رحمته في يوم يفر المرء من أخيه وأبيه وفصيلته التي تؤيه ، يومًا لا ملك فيها إلا واحدًا … الله الواحد القهار.

اللهم كن لإخوتنا وأخواتنا الذين استضعفوا عونًا ونصيرًا ، اللهم إنك تعلم أننا ضعفاء لا نقوى سوى على الدعاء لهم والبكاء لأجلهم ، اللهم إننا مؤمنون بنصرتك ولكنا نرجوا أن تعجل لنا فيها ، ربنا فانصر المستضعفين واقهر الظلمة وأرهم عجائب قدرتك ومن ناصرهم ، ربنا إنك سميع الدعاء .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: