تدوينة : مأساة العبقرية

في حرب الكهرباء المشهورة (AC VS DC ) التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر بأمريكا ، كانت تلك الحرب بين أشهر المخترعين في تلك الحقبة ” توماس أديسون ” الذي كان يدعم التيار المباشر (DC) ضد الشاب الصربي ( النكرة وقتها ) ” نيكولا تيسلا ” ومموله المستثمر ” جورج ويتسنجهاوس ” اللذان كانا يدعمان التيار المتردد (AC) 

كان أديسون يراهن على التيار المباشر لسبب بسيط وهو أنّ التيار المتردد أخطر بطبيعة الحال على البشر من التيار المباشر ، كانت تلك النظرية مسلّمةٌ أقرب منها للفرضية ، فالتيار المتردد ذو حساسية أعلى وخطورته بسببب ذلك أخطر على حياة الإنسان من التيار المباشر.

بالجهة الأخرى ، فقد كان تيسلا ( الذي استقال من شركة أديسون قبل مدة من حرب الكهرباء بسبب تحقير الأخير له) يراهن على التيار المتردد لأنه أصلح في العالم الواقعي المُحكوم من المال ، فالتيار المتردد يستطيع تغطية معظم المناطق المتباعدة كهربائيًا بتكلفة أقل ” وقتها ” بكثير من التيار المباشر ، بالتأكيد تلك الصفة المالية رفعت أسهم التيار المتردد عند المستثمرين والمستهلكين على حد سواء ، فقيمته أقل بكثير من التيار المباشر.

بعد مرور فترة من تلك المنافسة الشديدة اتضح لأديسون ميل الشارع الأمريكي للتيار المتناوب متجاهلين الأخطار التي كان يتكلم دومًا عنها في الجرائد ، ذلك التهديد بدأ يكبر يومًا بعد يوم أمام صاحب براءة اختراع المصباح الكهربائي ليقرر اللجوء لطريقة عملية أكثر من التصريحات ، تعذيب الحيوانات بالتيار المتردد كي ينظر البشر إلى ذلك الوحش الذي سيدخل إلى منازلهم ، ولأنّ أديسون ذو نفوذ كبير ماليًا واجتماعيًا في مجتمعه موّل بنفسه جلب الحيوانات الكبيرة ( الأحصنة والفيلة ) ووضع التيار المتناوب عليها مع التغطية الصحفية ، ليحصل ما كان متوقعًا … احتراق الحيوانات البريئة بأشد الطرق إيلامًا أمام كاميرات الصحفيين .

رغم تأثر الناس وقتها من تلك النتيجة والتي جعلتهم يذعرون بشدة من هذا الوحش الكهربائي الكاسر إلّا أنّ تيسلا ورفيقه جورج لم يعلنوا انسحابهم ليأتوا ويثبتوا أنّ التيار المتناوب خطير بالطبع إن اُستخدم لأغراض قاتلة لكنه لن يكون أبدًا هكذا إن اُستخدم بالطريقة السليمة ، مثله مثل جميع الأشياء الخطرة في تلك الحياة ( كالقطارات مثلًا )

عندما رأى توماس أديسون الثبات الواضح للناس فكان ذعرهم موقتًا ، قررّ أن يرتكب الجريمة الأشهر بحياته … صنع الكرسي الكهربائي لإعدام البشر.

اتصل أديسون وقتها بإحدى دوائره في سلك القضاء ليعرض عليهم اختراعه ( والذي اشترط عليهم عدم ذكر اسمه لأن فلسفة أديسون تخالف العنف ) وتجريبها على المحكوم عليهم بالإعدام ، وكان له ما أراد … إعلان أول محاكمة بالصعق الكهربي على أحد المجرمين.

أحسّ جورج ويستنجهاوس وقتها بالتهديد الذي قد يسببه تطبيق تلك العقوبة ليعين أفضل المحامين لهذا المجرم أملًا بأن يجنبه ذلك المصير السيء لكلاهما ، لكنه للأسف فشل وصُعق الرجل بمنظر ” مؤلم وموجع” بشدة.

بعد تلك الحادثة بدأ التوجه الفعلي لتوماس وتياره المباشر حتى أتى مالم يكن بالحسبان ، فُضِح أديسون بأنه هو من صنع ذلك الكرسي الكهربي .

رغم انتهاء تلك الحرب وقتها بانتصار التيار المتردد بسبب تكلفته المادية الواقعية ونفعه الكبير ، اولذي لا زلنا نستفيد منه حتى اليوم ( فكهرباء المنازل الحالية تعتمد عليه ) مع أخذنا بالحذر بالتعامل معه والذي بات مسلمّة نعرفها قبل التعامل مع الكهرباء ، لكن للأسف فالكرسي الكهربائي كان إحدى انتصارات أديسون الوهمية ، فقد بات مطبقًا على محاكمات الإعدام لعقود كثيرة وبات أديسون ” الذي كان صاحب المصباح الأول ” هو مبتدع القتل الكهربائي والتعذيب به حتى قيام الساعة .

أنا معجب بشدة بشغفك لتأكيد الحقيقة ، لقد أظهرت مع وضوح لا يقاوم كيف ترتبط الغرائز العدوانية في النفس البشرية مع غرائز الحب وشهوة الحياة . في الوقت نفسه تبرهن حججك المقنعة عن إخلاصك العميق للهدف العظيم ، لتحرير الإنسان الداخلي والخارجي من شرور الحرب

 رسالة المخترع أينشتاين  لفرويد

من يصدق أنّ قائل تلك الكلمات المسالمة الجميلة قالها قبل اختراعه لأفتك الأسلحة التي عرفها البشر ، القنبلة النووية..

تلك الأمور تُلقي في قلوبنا الأسئلة ، لماذا يلجأ العباقرة دومًا لاختراع ما يبيد إخوتهم رغم أنّ عليهم الابتعاد عن ذلك المجال ، بالنهاية السيئين والمجرمين ليسوا مخترعين ، لكنهم بالتأكيد يتقنون استغلال أي آلة فتاكة يصنعها هؤلاء العباقرة .

ما أكثر الأطفال الذين دُمرت حياتهم وقتلوا بأبشع الطرق بسبب تلك الاختراعات ، ما أكثر الأبرياء الذين عُذبوا بتلك الأسلحة المؤلمة من أناس لا يحملون من المروءة شيئًا ، جرائم هتلر لا تخفى علينا وطرقه المؤلمة التي تشيب منها الرؤوس لا زال يطبقها الطغاة في أنحاء العالم ، أما كان خيرًا لهؤلاء العباقرة أن يقولوا ” لا نعلم ” ويستغلوا غباء الطغاة والذين في قلبهم مرض  وجهلهم بالعلوم النافعة فيحموا البشر من ويلات نزوات الطغاة وحماقة الأوغاد ؟

لا أخفيكم رجائي بأن يسقط على العباقرة ذلك الخُلق وذاك الضمير ” الحقيقي ” الذي يمنعهم من النزول لذلك المستنقع البغيض ،أن يبحثوا عن الاختراعات السلمية التي تعين البشر في حياتهم وتُربح العباقرة الأموال والاحترام ،  أن يعلموا حقيقة أنّ إحياء نفس واحدة خيرٌ ألفَ مرة من تعذيب نفس وقتلها ، لنكن مسالمين من أجل الأجيال التي ستأتي بعدنا ، أن نعاقب المخطىء على خطأه ،  أما آن للعباقرة أن يهتموا بشكل أكبر بعلاج المساكين ونفع الأبرياء الطيبين ؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: