خاطرة : قصة عادية .. اسمها عادل

كانت السنة الأولى بالمرحلة الثانوية مليئة بالكثير من الذكريات التي أحن لها والكثير من المواقف التي نقَشَتْ العديد من الأثار العميقة في وجداني ، إحداها تلك القصة التي كان بطلها عادل .

أصول تلك القصة تعود للأسبوع الأول في المدرسة ، الذي يكون عادة أسبوع التعارف بين المعلمين والطلبة ، كانت تلك اللقاءات طبيعية وروتينية ليس فيها ما يستحق الذكر حتى أتى هذا المعلم ودخل علينا .

سلّم علينا المعلم والبسمة تملأ محياه ثم شرع عقبها بسؤالنا عن أسمائنا كبقية المعلمين لكنه زاد عليهم بسؤال غريب كان بتصرف : هل بينكم أحد يُسمى عادل ؟

أجبناه بنفي ملأه الاستغراب فعادل الذي نعرفه انتقل لمدرسة أخرى ولا نظن أنّ أحدًا غيره يحمل هذا الاسم في المنطقة ،كان استغرابنا من سؤاله لا يخفى على تعابير وجوهنا، وزاد من استغرابنا ابتسامته بعد إجابتنا وقال لنا : ‘ جميل ، يعني سأقول لكم قصتي دون تحريف بالأسماء ‘

عرفتُ وقتها أنني أمام محترف بالتسويق بل سيدًا فيها ، رجل يملك مهارة جر الأنفس لكلامه لم أشاهد مثلها قط ، رغبَ بشد انتباهنا وحقًا حصل على ما أراد ، عيناي وسمعي وقلبي قبلها ركزتها عليه وقصته التي بات سماعها هدفي الأهم في حياتي المتواضعة.

بدأ المعلم بتقليب نظراته بيننا بابتسامة مغايرة وكأنها تتشمت على حماستنا وتفتخر على إحراقنا بهذا السكوت الطويل ، أم أنه يراجع قصته بتلك النظرات ؟ … كانت دقائق صمته تمر علينا وكأنها شهور – عطفًا عن حقيقة أنّ الدقائق داخل المدارس هي ساعات أصلًا بتحريف من سيادة المدير وسط تكتم موسع بين المعلمين وأهالينا – أخذَ نفسًا عميقًا ثم قال لنا قصته :

ملاحظة هامشية : ما بين الأقواس () تعليقاتي على قصته الملهمة 

” وُلد يومًا طفلٌ ‘ عادي ‘ لعائلة ‘ عادية ‘ سموه عادل

كان الطفل عادل يعيش في مدينة عادية ( أظنه يشتم محافظتي )  ويدرس بمدرسة عادية ( بالتأكيد ليست مدرستنا ) ، عاش عادل هذا طفولة عادية بأداء عادي في جميع نواحي الحياة ، كانت درجاته في جميع مراحله الدراسية ” عادية ” مثله ، تخصص تخصصًا عاديًا  بجامعة عادية ( أنا متأكد أنه يعني جامعة المنطقة ) يليق بالدرجات التي حققها ، تخرج بعدها بمعدل كان عاديًا بالطبع

توظف عادل بعد شهور بوظيفة مناسبة لمعدله ومرتب زهيد رضي به ، عاش أيامًا “عادية” حتى هذا اليوم المميز الذي تزوج به “

رد أحدنا بحماسة ” بنت تاجر ؟” ورد آخر : “بنت وزير أو أمير ؟ “

-” وين عايشين فيه ؟ تزوج امرأة عادية مثله ، بلا أي ميزة “

“رُزقوا عقبها بولد عادي مثلهم واستمرت هذه الحياة العادية المملة حتى مات عادل العادي ولم يصلي عليه سوى بضعة أنفار من بيته العادي وقليل من الرجال الذين سكنوا معه بنفس الحي “

لم نتمالك أنفسنا بعدها وانفجرنا ضحكًا ، بسبب أسلوبه الهزلي أولًا ولأنه كان معلمنا بالطبع، الضحك لهم من الواجبات المغلظة التي لا يسقطها تعب أو حمى.

لا أخفيكم اعجابي بتلك القصة ومحاولتي تقليد طريقة عرضه والتي نسيتها بالطبع بعرضها عليكم ، لم أترك فردًا من أهلي إلا وأخبرته بها ، كانت المفاجأة الكبرى من أختي  التي أخبرتني أنّ  القصة كان لها نسخة أنثوية  – نسيت اسمها لكن لنجعلها عادلة – عاشت حياة عادية لتُجازى بزوج عادي مثلها ( لم يكن اسم الزوج عادل لهذا لم أخبر معلمي بجدوى رفع قضية على معلمة أختي من أجل حقوق قصته المميزة )

تأثير تلك القصة بدأ بالتزايد عندي حتى امتلك جزءًا كبيرًا من تفكيري ، وقتها بدأت جديًا بالتفكير بالهندسة كتخصص سيجعلني مختلفًا عن عادل الأحمق . كنت أفكر بالحل الأيسر لأرضي ضميري بل غروري ولا أكون كعادل.

كراهيتي لعادل غلبها السطحية وقتها بيد أنّ لا مشكلة عندي بالعمل وظيفة عادية ذات دخل مرتفع يجعلني أعيش مع زوجتي الحياة ” العادية الباذخة ” التي أتمناها ، كانت نظرتي لعادية عادل على نقطة زهد المال ، لم أفهم وقتها أنّ عادية هذا الأحمق أوسع من هذا .

اجتهدت بدراستي وقُبلت بالتخصص الذي حدته سلفًا لي ، وُفقت كثيرًا في تلك المسيرة التي لم يبقى منها سوى القليل لأنتهي إن شاء الله ، كنت سعيدًا وأنا أرى حياتي تسير كما أتمنى حتى أتى ذلك الموقف الذي غيّر نظرتي كليًا تجاه الحياة بأكملها.

لن أطيل عليكم بتفاصيل ذلك الموقف لكن سأكتفي بذكر نتائجه التي تخص رأيي بعادل ، تيقنت عقب هذا الموقف أنّ عادية عادل ليست مقتصرة على قلة الموارد بل هي أكبر وأوسع ، فالمال لا يجعلك استثنائيًا ولا عظيمًا ، عادل كان عاديًا ليس بسبب المال فقط ، فإن كان المال لا يصنع العظمة فلمَ أكتفي بملاحقته فقط ؟

لا فرق بيني وبين عادل الأحمق إلا أنني أكثر منه مالًا لكني لست أعز منه نفرًا ..

بدأت بالعمل على استيعاب أمور لم أكن ألقي لها بالًا ، ملأتْ وجداني شغفًا ، بل هي متعتي ، أصرت مغترًا ؟ 

بل إني فخور وأكثر ،  ظننت أنّ فهم الذي حولي سيعينني على الهدف الذي اختاره كبريائي في الفترة الأخيرة ، لم أعلم أنني أخطأت بأمر غاب عني ، لا ، لم يغب عني بل تركته بملىء إرادتي ، لم آبه به دقيقة واحدة قبلًا ، فهمت الجميع وتركت الأهم  …. نفسي

طيلة السنين الماضية اتخذت من عادل الكابوس الذي أخاف التشبه به ، وفي كل مرة كنت أُعَرِّفُهُ تعريفًا آخر لأُحذر نفسي منه ، كنت أبغض نفسي عندما أراها تتكاسل مثل عادل ، قسوت على نفسي ، غمستها بالخطط ، أغرقتها بالجد وكتمتها بالغضب … فعلت كل هذا ولم أُبالي .

أمن أجل خوفي من نهاية عادل ؟ 

نعم .

ماذا عن طمعي ، أفعلت ذلك من أجل الطمع ؟

بالطبع نعم ..

أظننت أني سأربح دون تضحيات ؟

للأسف نعم …

إنّ الخطأ الوحيد الذي لم أحسب له حسابًا هو أنّ لكل شيء ثمن ، والثمن الوحيد لكي تُذكر في الحياة أن تُضحي بمشاعرك ، أن تقتل الطفل الشغوف بالحياة ، تتجاهل قلبك لتنال الرفعة والرُقي.

عادلٌ هذا الذي كرهته ، وبغضته، وسخرت من حياته ، كان يعيش الحياة التي أحبَّها ، حتى وإن ازدريناها ، مع رفيقة سعد معها ، أنجبت له ابنًا يتشاركان دمه ، ويعيشان معًا لأجله ، كان علامة حبهم حتى وإن سخرنا من هذا الصغير .

عادل لم يأبه بفكرة الجمع الغفير الذين سيشيعون جنازته ، بل اكتفى بمن أحبهم وأحبوه … لم يبحث عن اعجاب غريب سيأتي بعده بعقود ، لم يطلب أن يكون قدوة لأناس لا يعرفهم أصلًا … لقد ضحى بكل هذا من أجل المشاعر التي لا تُشترى ، من أجل اللحظات التي لا تُنسخ ولا لها عوض.

رضي بسعادة قلبه ، وزوجه ، وذريته ، أنجعله فاشلًا بسبب هذا الاختيار ؟

نظرت لنفسي ، للمرة الأولى مند سنين ،  هل العظمة هي التي ابتغيها ؟ بالطبع نعم ولن أكذب على نفسي إن قلت غير هذا ، لكني لا أريد أن أضحي بلحظات أبتسم لها بخيالي ، لا أريد اعتزال المواقف التي يرهف قلبي لها ، بل يعشقها ، يل يُمنّي نفسي عليها ، أضعفت حيلتي  فلا أستطيع الجمع بين العشقين ؟ 

أم أنها سنة الحياة التي أخفت نفسها بدهاء ، فلا يعرفها إلا من وقع بين مخالبها فمزقته وحولته لنفس لا يشعر بضياع الكنز الحقيقي …

لم أعلم أن عادل لم يكن إنسانًا غريبًا عاديًا ، بل هو الذكريات التي أبتسم لها ،الدموع التي أذرفها ، اللحظات التي يقشعر لها جسدي … بل هو الحنين لقلب آخر يحزن له ، وتسعد لها ، هي الأمنية التي تزين عقولنا وتجعلنا نبتسم للحياة.

ليس الغريب هو عادل ، فعادل هو قلبي لكني لقبته بعادل كي ألجم ضميري عندما أبطش به تارةً وأمزقه أخرى ، لقد كتمت قلبي بقناع يُسمى عادل كي أرتكب به الجرائم ولا أُبالي.

لا يمكنني التراجع لكن أقدر على التمني ، ربما أعجز عن تحريك بوصلتي فقد صنعت السفينة التي سأغرق بها ، أظنني لا أقدر على الاعتذار لقلبي فلا أجدها المسامحة وأنا الذي ضيعتها لسنين ، لكني أعرف أنّ الوقت لا زال حليفي لأحتزم به وأعوّض بوجوده ما بقي وإن كان أقل.

اليوم بتُ غريبًا عن عادل بل صرت أجهله ، أظنه صار عجوزًا ، بل مبتورًا ، أعلم عجزي عن خلق قلب آخر أبدأ معه من جديد ، لكني سأحفظ ما بقي منه ،أعالجه بندمي وحسرتي ، أن أضحي من أجل تلك المشاعر كما ضحيت بها قبلًا … من أجل أن أكون الأبن ، والأخ ، والصديق ، والزوج .. والأب ، ولا نمتنع بالجد الذي يورث أحبابه كنز معرفته.

لكل منا عادل وعادلة يسكن وجداننا ، يبطش به طمعنا بل يمزقه ثم يقتله ، ربما نرضى بقتله أو قتلها لكننا سنندم يومًا ، يوم لا ينفع فيه الندم .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: