سلسلة قصصية : الثلاثية الأولى

.. 1

 ” لوحةٌ فارغةٌ في متحفٍ مهجور” 

في إحدى مقاهي لوكسمبورغ الصغيرة شابٌ يجلس وحيدًا ، قد أُخبر قبل ساعات طوال في نهار هذا اليوم عن أزمته القلبية.

كان الطبيب جادًا في تحذيراته عن ترك القهوة وشبيهاتها إلى الأبد فالنتيجة الوحيدة للاستمرار عليها هي الموت القريب بالتأكيد ، كلمات ظلت تصرخ في رأسه منذ لحظة قولها من الطبيب.

” لن تعيش الحياة سوى مرةً يا صاحبي ، ولن يكون عدوك سوى ذلك الكوب الأسود “

سار بعيدًا بتلك الكلمات في شوارع مدينته وهو لا يرى مبانيها إلا حطامًا ، حطام صنعته الدموع التي ملأت عينيه وتأبى الخروج.

” ولِمَ يحذرني هذا التافه بطريقة أدبية ؟ كوب أسود ” !

كانت تلك كلماته وهو يحاول التخفيف على نفسه ، طريقة حمقاء لكنها لا زالت تصيب معه دومًا .

بينما هو يسير بتلك الشتائم التي تتراقص في عقله صدمه أحد الشبان بالطريق ، رفع رأسه إليه وإذا هو صاحبه القديم الذي ترك المدينة منذ أعوام مضت للدراسة.

” ما تلك الدموع ماركو ؟ “

– ” دموع من ؟ أما ترى الغبار من حولنا ”

ابتسم الصاحب القديم لعذر الشاب فقال باقتضاب ” فتحت مقهى جديدًا يا صاحبي منذ شهور ، وأريدك أن تشرفني فيه على حسابي ،أعرف حبك للقهوة منذ الصغر”

كان المقهى الصغير مهجورًا لا يأتيه أحد ، لا تسمع فيه صرخات أو طقطقة أزرار آلة الحساب.

لم يكن فيه إلا ماركو الذي تورط في إخبار صاحبه عن حقيقة مرضه فهو لم يعتد أبدًا على مشاركة أحزانه مع الناس ، جلس ساعات طوالفي ذلك المقهى وهو ينظر للكوب الأسود الذي صار باردًا أمامه ، كان كوبًا ممتلئًا بينما كان صاحبه لوحة فارغة … في متحف مهجور.

———————

———— 

…2

“تحت سَقف هذهِ الحياة تحطمت  كُلُّ آمالِي”

أعلن مسرح الأمل المُقام في بروكسل حاجتهم لبعض الممثلين في إعلان قصير كان مفاده :

” من منطلق بحثنا عن التجديد ، نحن مسرح الأمل نعلن عن حاجتنا لبعض الممثلين على أن يكونوا متقنين للمشاهد المأساوية ، ستكون تجارب الأداء الأسبوع المقبل ، بالتوفيق “

بدأ الأطفال بتوزيع ذلك الإعلان في كل أروقة بروكسل ومحلاته لتصل ورقتهم لشابين أخذوها منهم مجاملة ، قرأ أحد الشابين الورقة بصوت عالٍ على صاحبه ثم قال له : ‘ ما رأيك يا نيك بها ؟ لِمَ لا نشارك ؟’

رد عليه نيك :’ لست مؤمنًا بالتمثيل يا توماس ، إنهم حفنة من المخادعين ‘

لم ترق كلمات نيك لصاحبه فرد غاضبًا :’ لكنهم يحملون مهمة إيصال مشاعرنا بطرق أخرى ، إنهم صوتنا للأجيال القادمة يا نيك !! أيها الجبان ‘

رد عليه : ‘لا تضيّق على حياتي بشتائمك وتنظيراتك يا أحمق ، إن كنت تريد مشاركتي فسأذهب معك ولكن كمشجع’

– ‘ رضيت ‘

بعد تلك المحادثة بدأ توماس بالتدرب في إحدى شوارع بروكسل الفقيرة معتمدًا على أعمال شكسبير الحزينة تحت أنظار نيك وسخريته بالطبع .

كان أسبوعًا حافلاً بجميع المشاهد المؤلمة والمأساوية من مسرحيات شكسبير الخالدة.

و في الليلة الذي يسبق الموعد أتى توماس وأيقظ نيك في ساعة متأخرة ، كان يريد من نيك رؤية تجاربه الأخيرة قبل مقابلة الغد.

كان خائفًا مرتبكًا بعكس نيك المتذمر من صاحبه الذي دمّر عليه حلمًا جميلًا آخرًا ، جلس نيك متململًا على الرصيف وهو ينظر لصاحبه الذي استمر بتكرار حركاته فقال نيك :’ لمَ تتعب نفسك يا غبي ؟ ستخسر ‘

– ‘ لأنني أريد أن الجميع يعرفني ، لا أنت فقط ! لقد تعبت من حالي يا نيك ! تعبت من هذه الحي … ‘

لم يكمل كلماته ليتفاجأ بسيارة يقودها أحد السكارى تدعسه وتجعله يودع الحياة دون مقدمات .

قام نيك من مكانه مرتبكًا وهو يمسك بجسد صاحبه المليء بالدماء ينظر لأخر أنفاسه ، لم يحتمل الموقف ليصرخ عليه باكيًا ‘ قم يا توماس وراءك مسرحية غدًا فرد عليه بكلمة خافتة كانت: ‘الحياة ‘

أتى الغد وذهب نيك لتلك التجربة إكرامًا لروح صاحبه قبل أن يذهب إلى مراسم الدفن ، أعطاه المسؤول ورقة صغيرة كي يقرأها أمام المقيمين ، كانت آخر كلماتها .

” تحت سَقف هذهِ الحياة تحطمت كُلُّ آمالِي ”

خرج نيك على خشبة المسرح وقال تلك الكلمات وهو يتذكر كلمة صاحبه ليختمها ببكاءً عظيم أُعجب به النقاد والجمهور ، قاموا إليه يباركون له بإنضمامه لهم بسبب موهبته التمثيلية العظيمة

ظنوه ممثلًا وما كان إلا مجرد صاحب فقد أخاه..

———————

———— 

….3

                             “طفل لا يبكي “

قرر والد < ستيفن > الذهاب مع أسرته الصغيرة المكونة من طفل واحد إلى أحد ضواحي العاصمة < براغ > تاركًا الكوخ الصغير في الريف والذي عاش به سنواته الأجمل مع زوجته < إبميلي > وطفلهما الجميل ستيفن .

كانت جذور ذلك القرار التي استغربته < إيميلي > بشدة تعود لليلة ماطرة ذهب بها الوالد إلى صاحبه الساكن بإحدى المدن المأهولة والتي كانت قريبة نوعًا ما لكوخه … كان مكان الدعوة إحدى حانات المدينة فشقة الصديق لا تتسع للأثنين خاصة مع وجود ذلك الضخم < نتنياهوكا > والذي لا يألف أحدًا حتى صاحبه بالمناسبة لكنه رضخ له بالنهاية من أجل الاستيلاء على تلك الشقة .

سكر الصديقان بالمقدار الذي شاءه الله تلك الليلة وتجاذبا أطراف الحديث من شتى المواضيع الممكنة التي يفكر بها الرجل ، فتارة عن ميزات العزوبية مع ذاك الكلب الأحمق وتارة عن الجمال الحقيقي للحياة والتي لا تظهره لك إلا بوجود شخص يفهمك وتفهمه وتتشاركا من الأحزان والأفراح حتى يمتزجا قلبيكما فتصبحوا شخصًا واحدًا ، هذا الشخص الذي اجتمع على تسميته رجال هذا الكوكب بالزوجة.

وبينما هم بفورة نقاشهما الذي لا يعقلان منه كلمة واحدة سمعوا سكرانًا كان بجانبهم يتحدث عن الفرص العظيمة في العاصمة ، وأنه لا يوجد شخص واحد ذهب لتلك المدينة وخرج منها باكيًا ، وأنّ كل من ذهب إليها من أجل هدف يحققه ، أو منزلة يبلغها ، ومكانة ينالها ، وأموال يكتسبها ، أو حتى قصصًا يتفاخر بها عند زوجه ، ويزدري فيها قومه فستعطيه <براغ> ما يريد وأكثر .

رغم أنّ ذلك الحديث كان بين سكارى لا يفقهون قولًا ولا يعنون بجملهم حرفًا بل يتفوهون بالخواطر التي سكنت وجدانهم فيلقونها دون تفكر وتروي واهتمام ، ويستمعون لخواطر الغير بنفس الطريقة التي يلقون بها خواطرهم … لا يهتمون بفحواها ، والمسائل التي تحتويها.

لكنّ حديث براغ أيقظ الروح العاقلة في نفس الأب المسكين ، فتغيرت نظرته ، وتجهمت ملامحه ، فكأنما عقله رُدّ إليه لحظتها ، وأثر النبيذ اختفى عليه للدرجة التي استوحشه زملاءه السكارى ، قام بعدها واستأذنهم وخرج منهم متمايلًا مستعجلًا وهو يحمل تلك الخاطرة ، التي جعلته يُغير خطة أسرته كلها.

فتح أب < ستيفن > متجرًا صغيرًا في إحدى ضواحي < براغ > لبيع الأحذية  بعد استدانته من أقاربه وصحبه ، كانت سعة المتجر صغيرة لدرجة أنّ المارة كانوا يظنوها مستودعًا لمحل القهوة التي بجانبها . وزاد من هذا الظن اللوحة الصغيرة التي وضعها الأب الذي لم يستطع شراء لوحة أكبر منها ، كانت اللوحة مكتوب عليها ” عائلة الريف للأحذية ” وكُتب تحت تلك الجملة جمُلة أخرى بخط شخصي صغير ” يُشرف عليه ستيفن وإيميلي بكل حب “

كان استغراب < إيميلي > كبيرًا على زوجها خاصةً أنه لا يملك خبرة تعليمية أو تجريبية في التجارة ، لكنه بالطبع لم يلقي لتشكيكاتها بالًا فهو يعرف بقرارة قلبه أنّ هذا القرار ستشكره عليه بعد سنين عندما تلبس الحرير ، وتتزين بالجواهر والألماس ويتباهى ابنهما بأحذيته الرياضية التي لا يملكها أحد في مدرسة < براغ > العامة ، كان يظن بقرارة نفسه أنه ظلم زوجه بتلك الحياة البسيطة التي تعيشها معه فهي تستحق أكثر ، أكثر وأكثر .

مرت الشهور على <ستيفن >الصغير وهو لا يعلم عن ذاك المحل شيئًا ، بل كان يظن أنّ سكنه بتلك المدينة الموحشة مجرد مغامرة قررها أباه وما هي إلا أشهر معدودة قبل رجوعه للريف الذي يحبه ، والشجر الذي يألفه ، والنهر الذي يركض حوله .

وما كان سبب ظنه إلا منطقيًا فقد كان يعيش مع والدين لا يلقون لإبنهم الصغير أمرًا ، ولا يرون في مشاركة أمورهم معه فرضًا ، فهو طفلهم الصغير الذي سيتبعهم أينما كانوا ..

كان < ستيفن > يكره تلك المدينة البشعة وأطفالها السطحيين الذين يرون قيمة المرء في ملبسه ومأكله ، وحذاءه ومشربه ، فلم يقبلوا < ستيفن > وهو ابن الريف ذو الحال الميسورة بينهم ، ولم يرضوه صاحبًا لهم ولا زميلًا ، بل كانوا يعدونه من جنس تلك الحيوانات التي يشتريها لهم أباءهم ، فيعذبونها بأيديهم وتأنس لذلك قلوبهم ، قلوبهم القاسية ، التي تفخر بالإهانة ، وتسعد بالازدراء ، كان < ستيفن > يعيش بينهم غريبًا فكَرِه غربته ، وكرِه براغ .

لم توفق تجارة أب <ستيفن > وبدأت حالته المادية تسوء يومًا بعد يوم ، بل ساعة تلو ساعة ، حاول العمل بعدها بوظيفة تجعله يستطيع إطعام أهله بها ، لكنه لم يجد عملًا يمكنه من التوفيق بها ومع تجارته إلا واحدة كان وقتها بعد المغيب بقليل حتى منتصف الليل بمرتب زهيد لا يكفي فردًا واحدًا.

بدأ استغراب < إيميلي > من زوجها يأخذ شكلًا آخر أكثر جدية وقسوة خاصةً بعد معرفتها بالضائقة التي تمر بها العائلة وفشل محاولاتها المضنية بمساعدته بما تستطيع من الأعمال ، فزادت حدة الصرخات ، وسالت الدموع ، وعظم شرخ القلوب ، فمرة باكية وصارخ ، و أخرى شاكية ومتألم ، وثالثة كانوا فيها متنازعين .

كانوا رغم ذلك يحاولون إخفاء المصيبة على ابنهم الصغير < ستيفن > فيجعلون نزاعاتهم بآخر الليل لعله لا يسمع ولا يبصر من الأمر شيئًا .

لكنّ الصدف تفعل ما لا يحبه الوالدين ، وتأتي الأيام بما لا تشتهيه الأنفس .

استمع الابن الصغير ذات ليلة إلى تلك الصرخات وهو في غرفته ، أمسك وسادته ووضعها على أذنه لعله لا يسمع إلى ألم والديه فيتحطم قلبه الصغير لذلك ، حاول إغماض عينيه ليقنع نفسه أنه يعيش حلمًا فهو يعيش تحت أكنف أفضل أبوين وأسعدهم فكيف لحياتهم أن تكون هكذا ؟

فتح عينيه لكن لم يتغير شيء بل زادت حدة الصرخات وقسوة الكلمات، كانت تلك الصرخات بمثابة الحطب الحامية على قلبه الصغير الذي صار بسبب نيران ذاك العويل جمرة لا يحتملها ، حاول امساك قلبه لعلّ يده تصنع فيه شيئًا ، لكنّ يده ما استطاعت أن تصل لقلبه ولم تجد له سبيلًا .

قرر < ستيفن > بعدها أن يعاون أبويه ويعمل من أجل عائلته التي ما فتأت عنه وعن حبه ، فقد حان رد الدين.

عمل <ستيفن> حاملًا لأغراض الأغنياء وكادحًا لهم ، وكل ذلك من أجل < كرونات > قليلة ، رغم أنه لا يعرف قيمتها حقيقة لكنه كان يضعها كل يوم في محفظة والده تارة ومحفظة والدته تارة أخرى ، كان يعلم مقدار كبريائهم إن علموا بمصدر المال لهذا كان يتخفى كما السارق ، إلا أنّ الفرق بينهما أنّ السارق يأخذ و < ستيفن > كان يعطي.

وفي إحدى الأيام ناداه أحد الأشخاص ميسوري الحال وعرض عليه مبلغًا كبيرًا ( ١٥٠ كرونًا ) من أجل ملاحقته لبعض المحلات وهو يحمل أغراضه ، وبينما هو على ذلك العمل حتى مر على محل أبيه ليفاجأ الاثنين ببعضهما وينصدما ، قام الأب مسرعًا وصرخ على الرجل الذي ظنه خاطفًا لكنه تفاجأ بالصدمة العظيمة ، أنّ < ستيفن > يعمل عنده ولم يكن يدرس حقًا.

سحب الوالد ابنه وأدخله محل الأحذية وهو غاضب لا يعلم ماذا سيفعل بابنه .

‘ لماذا أنت هنا يا ستيفن ؟! ‘

– ‘ لأنني أريد مساعدتكم يا أبي ، أنا أعلم عن المشكلة التي نعانيها ، لقد سمعتكم ‘

ضرب الأب أحذية المحل بقوة ثم أمسك رأسه كأنه يحاول اخماد نارها وقال لابنه بصوت أهدأ : ‘ ساعدنا بتعلمك يا ستيفن ، ما كان فشلي إلا بسبب تركي للمدرسة مبكرا ‘

فرد عليه :’ لا ، لستَ فاشلًا … أنت أبي ، والأباء ليسوا فشلة ، سأساعدكم لأنني من العائلة وسأستمر على هذا ‘

احمرّت عينا الأب عندما سمع تلك الكلمات ولم يعد قادرًا على تمالك نفسه فصرخ عليه.

‘ دعك من هذا يا ستيفن ، أنت صغير لا تفهم ، ساعدني بملازمة المدرسة لا ملازمتي ‘

– ” إن كان جسدي صغيرًا فقلبي كبير يا أبتي ، أنت هو أبي وليست المدرسة ، لن أكون عب .. عب ”

كانت الكلمة الأخيرة أكبر من أن يتحملها < ستيفن > وما عادت عيناه قادرة على أن تُمسك عن البوح بما في قلبه فبكى ..

صمت الأب وضمه إلى صدره وقال له وهو يبكي:” الكبار لا يبكون يا بني ”

 ~ ~ ~ ~

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: