قصة : حدود من ورق || الجزء الثاني

جغرافيا 101

السادس عشر من سبتمبر …

تجمع الطالبات والطلبة قُبيل افتتاح بوابة الكلية العتيقة ذات اللون القرمزي والزخارف الإسلامية والمكسيكية ( جزيرة لكأ لا تعتز بهوية واحدة بل تأخذ من هذا وذاك )

كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف ( قبل الإفتتاح بنصف ساعة ) ولم تُفتح البوابة إلا بعدها بساعة ، عندما دخلوا وجدوا ساحة واسعة تحيطها أشجار زرقاء الأوراق عطرة بينما تخلل وسطها نهر واسع لا يُعرف ما السبب أن وضعت الكلية في مجراها ، كانت هناك امرأة بأواخر الأربعين ممسكة بعصا كهربائية بيد ومكبر صوت في اليد الأخرى ، كانت المرأة عريضة المنكبين طويلة نحيفة ، أما ملامح وجهها فقد تميز بالتفاصيل الحادة بوجه مستطيل وأنف كبير وعينان جاحظتان عسليتان ، صرخت عليهم بهذا المكبر :

‘ ألا ترون الباب الذي أمامكم ؟؟ ادخلوا الآن ‘

بدأ الجميع بعدها بالدخول خوفًا من هذا الصاعق الكهربي لدرجة أنّ قد ضاق الباب من كثرتهم فالجميع يتدافع كي لايكون الأخير التي تمسه تلك العصا ، لم يكن داخل المبنى سوى غرفة واحدة بابها أضيق من الباب السابق ، دخلوا إليه مرتبكين متباطئين عجلت خطواتهم صرخات المرأة الآمرة لهم بالتعجل ، وجدوا أمامهم طاولات وكراسي خضراء أخذت الجانب الأيسر من الغرفة وأخرى صفراء كانت بالجانب الأيمن منه ، وقفوا مستغربين أمام الطاولات حتى أتت المرأة وقالت لهم : ‘ لماذا لا تجلسون ؟ ‘

رد عليها أحدهم : ‘ لا نعرف أي لون نذهب إليه يا سيدتي ‘

لم تتمالك المرأة نفسها لتصرخ عليه : ‘ ولماذا تخافون من اختياراتكم ؟ لستم فئران تجارب لتظنوا أننا وضعنا في إحدى اللونين كراسي كهربائية نجرب فيها أثارها عليكم ، لكنني سأختار عنكم إن كنتم تخافون الاختيار ، لتذهبوا أيها الأولاد للكراسي الخضراء فهذا هو لون الأعشاب التي تأكله التيوس ، حقًا إنكم أغبياء لا تفكرون’

اقترب إليها نفس الفتى مبتسمًا وقال لها : ‘ إن سمحتي لي يا سيدتي بالرد فأنا أرى أنكِ لم توفقي بسخريتكِ علينا ، من خبرتي القليلة بتربية المواشي فهنّ يأكلنّ من البرسيم الأصفر لذا فأنتِ تسخرين من الفتيات أيضًا اللاتي سيذهبن للطاولات الصفراء بأنهنّ بهائم مثلنا ‘

بدأ الجميع عقبها بالضحك الخجول الذي زاد من ارتباك المسؤولة لتصرخ عليه قائلة: ‘ لكني لم أقله يا أحمق ! الأصفر يدل على ضوء الشمس المسالم فالفتيات لسن مثلك أبدًا ‘

صمت الفتى قليلًا وهو ينظر إلى الأرض مفكرًا ثم قال بعد دقائق من الصمت في هذا الجو المشحون : ‘ كذلك الأخضر يدل على الشجر المثمر ، لم أفسر الأصفر إلا من منطقكِ يا سيدتي ، أظنكِ تحتاجين إلى التفكير قبل التكلم كما فعلنا نحن بامتناعنا عن الجلوس على طاولات البهائم تلك ‘

انفجرت الغرفة حينها بضحكات الطلبة والطالبات ، لم يساعدهم الحرج هذه المرة لكبح قهقهاتهم والسيدة تزداد ارتباكًا بعد كل ضحكة منهم ، صرخت عليه محاولة تلميم شتات نفسها : ‘ ما الذي قلته قلها مرة أخرى ‘

– ‘ الذي قلته ؟ أنكِ تستهزئين بنا وبالفتيات على حد سواء’

اقتربت إليه وقالت له بحدة أقل من التي قبلها : ‘ أعني جملتك الأخيرة’

– ‘أن عليكِ التفكير قبل فعل … ‘

لم يكمل كلماته بعد مفاجأة السيدة له بصعقها له بعصاها ، بدأ بالارتجاف نتيجة لذلك الصعق الشديد.

كانت المرأة تغمس العصا المكهرب بقدر ما أمكنها في جسده وكأنها تطعنه بإحدى السيوف والفتى يزداد ارتجافًا ونواحًا، تراجع الطلبة والطالبات ذاهلين من هذا الموقف الذي كان يسوء دقيقة بعد دقيقة حتى سقط الفتى مغشيًا عليه.

نظرت المرأة لمن حولها من الطلبة والطالبات الذين أنزلوا رؤوسهم خوفًا من أن يكونوا الضحية الجديدة لهذه العصا المكهربة ، صرخت المرأة عليهم :’ هذا جزاء من يظن نفسه أفهم منا ويجادلنا ، من أنتم لتضعوا أنفسكم بمكان ترون فيه أنكم نظرائنا ؟ هذا مصير كل من تحدثه نفسه بجدالي أو جدال أحد المعلمين المسؤولين عليكم ، نحن من نختار طريقكم يا بهائم وعصانا ستصوب أي مخبول شذّ عن الطريق’

– ‘لماذا أنتِ شديدة عليهم هكذا يا زوجتي ؟’

التف الجميع لمصدر هذا الصوت الهادىء الذي كان خارج الغرفة ، داخل قائلها وسط تعجب الجميع ، كان رجلًا سمينًا كبير الأنف ورأسه كالزبيبة ، حليق الوجه جاحظ العينين قبييح المظهر ، لم يحملهم هذا المظهر سوى التعجب فكيف لهذا الصوت الهادىء الجميل أن يكون لهذا المظهر؟

أنزلت السيدة رأسها أمام زوجها عندما اقترب منها وقالت بصوت خافت لا يكاد يسمعه سواهما : ‘ ليس هذا الوقت المناسب للعب دور الشرطي الطيب يا ريمارس ‘

ابتسم السمين بعد همسات زوجته وقال بصوت سمعه الجميع :’ لا تقلقي يا عزيزتي فأنا أعرف ماذا أفعل ، هيا اجلسوا في أماكنكم يا طلبة ويا طالبات ‘

أذعن الجميع لأوامر السمين ما عدا واحد توقف عند صاحبه المغمى عليه وكأنه يرجو من هذا البدين أن يعافيه ، اقترب البدين للواقف حتى صار جسد المغمى عليه هو الفاصل بينهما ، سأله البدين بأسلوب نزق :’ لماذا لا تتحرك إلى مقعدك ؟’

– ‘لن أتحرك إلا إذا وجدت حلًا لصديقي ، إلى متى سيظل على هذه الحال !؟’

نظر إليه لثواني دون أن يتكلم ثم نظر للمغمى عليه لبضع دقائق بصمت ، ثم بعدها أدخل يداه في جيبيه ووضع قدمه على رأس الفتى المغشي عليه وبدأ يحركها بقدمه للأمام والخلف ثم قال:’ اممم ربما حالته معقدة ، اعذرني لكن تخصصي هو الجغرافيا لا البيطرة ، لمَ لا تحمل هذا البهيمة معك وتذهب معه لقسم البيطرة كي يدرسوا عليكم طلبتها حالات البهم عليكم ؟’

– ‘ ما الذي تفعله يا أحمق ؟!!! ابعد قدمك القذرة عن صديقي !’

– ‘ وإذا قلت لك لا ؟ ‘

لم يتمالك الفتى نفسه ليدفعه بيداه ، كان الفتى قويًا كفاية ليدفع السمين عن صاحبه ، تراجع السمين مندهشًا لكنه رغم هذا لم يخرج يداه من جيبيه .

تشجع الشاب أكثر وتقدم للسمين بسرعة ثم سحبه إليه ممسكًا قميصه من صدره ، اندهش البدين وقال بخفوت : ‘ما الذي تفعله يا بهيمة!؟’

صرخ عليه الشاب : ‘ نحن بشر يا هذا ، لا تظن أبدًا أننا سنسكت من أجل مكانة مزيفة تزيّنت بها ‘

– ‘ اندم إذن ‘

أخرج البدين يداه وإذ هو ممسك بجهازين مكهربين بحجم الجوال ، لم يفكر البدين ثانيتين ليضرب بإحدها رقبة الشاب ويطعن بالأخرى صدره وكأنه يبحث حقًا عن موته ، ما كانت إلا ثواني معدودة حتى سقط الشاب على الأرض .

صرخ البدين : ‘ هذا هو جزاء من يعاندني .. جميعكم بالنسبة إلي مثل هاذين البهمين ، مصيركم النفي إن عصيمتوني ، بل إن أغضبتوني ، بل إن لم تروقوا لي فقط ‘

سار بعدها البدين نحو زوجته التي أخذها الذهول كما هؤلاء الطلبة المساكين ، اقترب إليها ورفع يداه ليمسك خديها وضغط عليها كأنها طفلة صغيرة عنده. قال لها:’ لقد اتفقنا أن أكون أنا الطيب وأنتِ الشريرة لكنهم أجبروني على هذا يا عزيزتي الحمقاء فلِمَ الذهول ؟ ‘

لم يلقى البدين أي رد من زوجته قرابة الدقيقة ، تركها بعدها وذهب لطاولة المعلم ( والتي كان مكتوبًا عليها ” حياة حكيمة ” باللغة اليابانية ) ، جلس عندها ثم بدأ بتقليب نظره في طلبته وطالباته ، ضرب الطاولة بأشد قوة يملكها ثم صرخ عليهم بصوت ليس كما صوته الأول :’ سأكون معلمكم في مقرر الجغرافيا 101 من اليوم ، كذلك جغرافيا مئة وثلاث ، مئة وخمس ، مئتين واثنين ، وثلاث مئة وعشرون ، وخمسون ، وأربع وسبعون ، سأدرسكم من اليوم الأول حتى اليوم الأخير في دراستكم هنا ، وهذا يعني حسن حظكم برؤيتي كل تلك الأيام وسوء حظي برؤية تلك الوجوه المتخاذلة ‘

صمت قليلاً وأكمل :’ لكن قبل ذلك علينا تحديد بعض النقاط …. ما رأيكم بتخصص المحاماة ؟’

رفعت إحدى الطالبات يدها بخجل ، أشار لها البدين بالتكلم فقالت : ‘أظنك .. أظنك تعني الجغرافيا ‘

– ‘ لا يا حمقاء ، بل أعني تخصص المحاماة العريق ، ما رأيكم به وبدارسيه ؟’

رفع طالب آخر يده متحمسًا وقال : ‘ هي مهنة شريفة بالتأكيد يا سيدي ، فأصحابها يدافعون عن المظلومين و… ‘

لم يكمل الطالب كلماته ليجد حذاءً مقذوفًا من ريمارس السمين على رأسه فيسقط من أثرها على الأرض ، صرخ ريمارس :’ إن أردت أن تكون محاميًا عن هؤلاء الحمقى فعليك تعلم تجنب الأحذية مثل الرئيس جورج بوش … أيضًا لم تجدوا من تمدحونه غير هؤلاء الأوغاد الذين يقاضوننا على كل شيء ؟ لو أننا شخصيات مكتوبة لقاضوا كاتبنا على كلماتي تلك ، تخصصكم أيها الجهلة الجغرافيا العظيمة وليس تخصصًا يحارب المساكين أمثالي ‘

قام ريمارس من مكانه واقترب لأحد الفتيات وأمسك خديها وهو يصرخ : ‘أتعلمين يا صغيرتي أنّ هناك ثلاثون محاميًا أحمقًا بثلاثين دولة مختلفة رفعوا علي قضايا تحرمني من النزول إلى أراضيهم ، أنا ريمارس الطيب يفعلون بي هذا !؟ اسألي زوجتي إن لم تصدقيني ، ردي عليهم يا كاترين’

ًالتف الجميع لزوجة ريمارس انتظار جوابها فقالت على استحياء : ‘ لكنك ضربت أهلها بأغصان الشجر حتى اشتكوا للمحامين منك يا عزيزي’

رد عليها :’ اسكتي يا حمقاء !! ، لقد كانت تجربة علمية عن رأفة الأغصان الوطنية بالمواطنين الأوفياء ، لكنهم كانوا خونة لهذا ضرباتي آلمتهم …. على كلٍ فأنا المسؤول عليكم ولا أحد غيري ، سواء أرضيتم بذلك أم لا ، مهما كان موقفكم تجاهي فريمارك هو من اختارني لأكون عينه على تخصصه الذي شُغف قلبه به حبًا ، ويده على فضل غيرها ، وعليكم أن تعلموا من يومكم هذا أنّ أصحاب سائر التخصصات هم أعدائنا فلا تنصفوهم وتجاملوهم ، بل حاربوهم حتى النهاية ‘

نظرت بعدها سيلين إلى هذا البدين بنظرة مرتابة وكأنها تنظر إلى مستقبلها في الأربع سنوات القادمة في ذلك الحيز الكريه … بدأت بعض ابهامها محاولةً كتم تلك الصرخات التي تحاول الخروج من وجدانها ، فالسكوت هي الطريقة الوحيدة التي رأتها تنفع في تلك البيئة المؤمنة بصوت واحد وأصوات أخرى ماهي إلا صدى مُختلق لذلك الصوت.

_______________________________

لقراءة الجزء الثالث ، الرجاء النقر على الرابط التالي :

حدود من ورق || الجزء الثالث

3 آراء على “قصة : حدود من ورق || الجزء الثاني

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: