قصة قصيرة : أبي المتواضع يملك مطعمًا || الجزء الأول

رسالة لمن أحبهم …. ذريتي 

هل تتذكرون ذلك المطعم الذي تكلمت عنه مرارًا وتكرارًا في طفولتكم ؟ قد حان الوقت لتعرفوا كامل القصة ، وتعرفوا أباكم خير معرفة .

تملك عائلتنا الصغيرة مطعمًا صغيرًا لم يتجاوز أثره رقعة المدينة الصغيرة ، وكان هذا المطعم الذي سماه جدي – والد جدكم حسان – “زاوية الأمل ” يملك من المعنى جزءًا ولو كان يسيرًا فجدي عاصم – رحمه الله – أقسم ألا يكون هذا المطعم مقتصرًا على البيع والشراء ، ولا يكون مكانًا قاسيًا يقتصر على جمع المال لا غير ، بل هو منزل للضعيف ، ومأنسًا للمتألم ، وصديقًا للوحيد ، ومهونًا للمكلوم ، وملجأً للمحزون ، فهو زاوية الباكين والراجين ، المتأملين بالإله الأحد بأنّ لكل مصيبة مخرجًا .

لم تكن قائمة طعام زاوية الأمل تستحق الذكر ، فقد كان جدي وجدتي وجيرانهم هم من يعملون على المنتجات التي تتغير كل أسبوع بحسب توفر المكونات ، أما جدكم – والدي حسان – فقد كان اليد اليسرى لأبيه بعيدًا عن الشؤون المادية ، لأن الحساب شأن جدتي رضية فلا أحد يستطيع التدخل في هذا المجال حتى جدي ذاته.

ولأنه كان بعيدًا عن جانب المادة ولم يرَ سيولة النقد وهي تتنازل أمامه ، وما شعر يومًا بقشعريرة كسب المال ولذة صناعته ، عوّض هذا الجانب الفطري الذي فقده بسبب الظروف بالمُثل الأخلاقية ، بدعم من مثالية القلب وطهارة المشاعر ، متأثرًا بأبيه الزاهد من جهة ، وشغوفًا بعدم سيطرة تلك العملات على قلب أمه الطيبة.

ونتيجة لذلك ، صار زاهدًا متواضعًا يملك مطعمًا ..

أحبّ حسان عمل المطعم وألِف أصحابه المعتادون ، فهم بالنهاية أبناء المدينة وبناته ، ولم يبخل يومًا بمساعدتهم في شؤونهم ” بالمجان ” لأنه يكتفي دومًا بدعوة ” الله يسعدك ” ، كان يرى تلك الدعوة أغلى من أي ثمن قد يتقاضاه ، لأنه متيقن أنّ الاستثمار مع الله لا يخيب ، وأنّ العلاقة الوحيدة التي تبقى للإنسان في جميع مراحل حياته ، وتقلبات ظروفه ، هي علاقته مع ربه ، فهو الذي كان معه حينما بكى البكاء الأول ، وهو معه حينما سار خطواته الأولى ، وهو الذي يعلم خواطره ، ويعلم سرائره ، وهو الوحيد الذي يكون معه حين الموت وما بعده ، وهو العزيز الذي يرقى الانسان الفقير بحسن علاقته معه ، فالمحظوظ هو مَن كان طيبًا مع عباد الله وإماءه ، والناجح هو الذي زكى حياته بالتقرب إلى العزيز الجبار .

بالطبع لم يكن أباكم صالحًا .

ما كان الزواج معادلة مهمة عند أبي ، فقد رأى في البداية ألا ضير في تأجيله كي يتفرغ أكثر لمساعدة أبيه ، وأبناء وبنات مدينته ، لهذا صار معروفًا بينهم ، أحبته قلوبهم ، وتقبلته نفوسهم ، فهو الأخ لمن لا أخ له ، والصديق لمن لا صديق له ، والضيف لمن لا ضيف له ، والابن لمن لا ذرية له .

كبر جدي وجدتي وبات أبي هو من يتولى معظم شؤون زاوية الأمل محتفظًا بالمبادىء التي غرسوها فلم يقطعها ، ولم يجرؤ على الاعتذاء عليها ، وحافظ على “الهوية ” التي خرجت من رحم والديه ، فهذه الهوية ليست شعارًا يتداوله الشباب والفتيات ، بل هي روح هذين الطيبين ، الذين كُوفئوا من ربهم بابن صالح هو أبي .

كان انتقال المسؤولية سلسًا فلم يشعر أحد باختلاف الإدارة فقد امتلك الثلاثة نفس الروح الراقية ، الطيبة البريئة ، فما كانت مصيبة المطعم يومًا هذا الانتقال ، لكن كان لجدي وجدتي مصيبة أخرى ، وهاجس مختلف ، ألا وهو الأحفاد .

أتى ذلك اليوم الذي قررا فيه الأثنان الالحاح على ابنهم بالزواج ، فإن لم يكن من أجله فهو من أجلهم ورغبتهم بإحياء حياتهم بروح الأطفال التي تنير كل ظلمة ، وصرخاتهم التي هي الحياة ، فلم يعصيهم في هذه الرغبة ، وقرر الزواج بأمي.

كان زواجه متأخرًا ولم تلد أمي سواي فكنت مثل أبي لا إخوة لي ولا أخوات لكن نفوسنا تختلف اختلافًا يظن بسببه الجاهل عن علاقتنا أننا أعداء خُلقنا لقتل بعضنا ، لا أبًا وابنه ، فإن كان هو الماء فأنا النار ، وإن اتخذ الشرق فسأتخذ الغرب .

قد تظنون أنّ السبب في ذلك يعود إلى جدتكم – أمي – لكن علي توضيح ألا دخل لها أبدًا بهذا ، إحقاقًا للحق ، وألا أنسب الشر لغير أهله ، فأمي كانت خير شريكة لخير شريك ، هي الصالحة التي أعانته في زاوية الأمل ولم تعمل يومًا على تغيير هذا الإرث ، كيف لا وهي التي نالت من خير هذا المطعم ، وتذوقت روحه الجميلة ، فهي بنت المدينة ، ما كانت غريبة عن أبي وما كان غريبًا عنها ، لكني أنا الغريب ، وإن كرهت هذه الغربة اليوم.

ربما عذري هو أنني لم أعمل مع جداي فلم أتشرب تلك الروح كما يجب مثل أبي وأمي ، ولم أصاحب جدي وجدتي كثيرًا فقد توفيا منذ صغري ، فلا أحمل ذكريات كثيرة عنهم ، ربما السبب لفارق العمر بيني وبين أبي ، فصنعت تلك السنين حاجزًا شفافًا بيني وبينه ، رغم أنّ تلك الحواجز أقرب لبيت العنكبوت في وهنها وضعفها إلا أنني جعلتها مثل قوة الصخور ، لسوءي .

مرت السنين وكنت كل سنة أبتعد عن تلك الروح التي صنعت زاوية الأمل ، وأنبذها في قلبي ، ولا أترك لها ملجأً في روحي ، فقد سئمتها قبل أن تسكنني ، وظاهرتها من نفسي ، فقد زرعت بيداي تلك الوردة السوداء في وجداني التي كانت تنمو كل يوم ، نابذة بهذا كل طهارة تقلدها والداي وأجدادي ، حتى ذلك اليوم الذي تخصصت فيه الإدارة.

مرت سنين الدراسة سريعة خفيفة لكنها حملت رجلًا آخر أقسى من الشاب الذي دخلها ، فقد شجعتني تلك المفاهيم المالية أن أنبذ صنع أبي وأحارب أعماله الصالحة التي كنت أسميها يومها : هرطقات لا فائدة منها .

أتيت والشهادة بيميني ومخطوطة تطوير هذا المطعم البائس بيساري ، أريتها أبي وشرحت له كل أفكاري ، ثم أتيت بمقطع فيديو عمل عليه صاحبي لنموذج مُتخيل عن المطعم ، بشعار مميز ، وقائمة طعام مختلفة ، وبالتأكيد : لا مزيد من الأعمال الخيرية .

تأمل أبي كل كتاباتي متدبرًا ، وأنصت لجميع كلماتي متأنيًا ، ورأى ذلك المقطع مركزًا ، وعندما انتهيت ابتسم تلك البسمة التي اعتدت رؤيتها في وجهه كل صباح من سنيني وقال لي بصوته المُسن.

 ‘ماذا عن الناس ؟ ألا يستحقون عوننا ؟’

استغربت : ‘ زاوية الأمل هو مطعم يا أبي ، مبادرات إفطار الصائمين والمحتاجين تفعلها الجمعيات لا مطعمنا!!… انظر للأرقام يا أبي ، موقع مطعمنا مميز ، ونملك الكثير من الإمكانيات للتطور’

فقال لي : ‘ لكن تلك الأرقام لا تفهم حمزة المسكين ، ولا ترحم الأرملة صفية ، ولا تأبه بتاتًا لأبناء المطلقة زينب أو لسفيان المديون ، أليست الجمعيات من البشر ؟ تعين البشر ؟ ونحن من البشر فلماذا لا نساندهم يا بني ؟ ‘

قلت له : ‘إنك بذلك التفكير ستهوي بالمطعم إلى الإفلاس ، لن ينفعك حمزة إن خسرت ذلك اليوم ، ولن تعوضك صفية عن تلك الثروة التي فوتها ‘

– ‘ لكنّ الله يعوضني يا بني ، عليك أن تعي أنّ الأموال ليست كل شيء في الحياة ، نعم هي مهمة كشيء لكنها ليست كل شيء ‘

– ‘ الحياة تغيّرت يا أبي ، لماذا لا تفهم هذا !!!!!! ‘ وخرجت غاضبًا على الرجل الأطيب الذي عرفته في هذه الحياة .

أتاني بعدها أبي مُراضيًا فهو لم يعتد على كسر قلب أحد حتى لو كانت مبادئ ذلك القلب تعاديه وتبغضه ، وقرر عقد مهادنة بيننا ، أن يجعلني المدير المالي لكن دون التدخل بالأعمال الخيرية التي تفعلها زاوية الأمل .

أظنني أطلت عليكم برسالتي الأولى يا أحبابي وحبيباتي ، لنا عودة … كونوا بخير

_________________________________

لقراءة الفصل الثاني من أبي المتواضع يملك مطعمًا ، الرجاء النقر على الرابط التالي

أبي المتواضع يملك مطعمًا || الجزء الثاني

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: