قصة قصيرة : أبي المتواضع يملك مطعمًا || الجزء الثاني

المعذرة عن التأخر في كتابة الرسالة الثانية فقد أُصبت بارتجاف غريب في يدي كلما هممت بالكتابة ، ثم لا تمر الدقائق بعدها إلا وأجد جفوني ترجف أيضًا وهي تحاول بائسة حبس دموعي ، أظنني أفتقد أمكم.

على كلٍ ، بعد قبولي بالوظيفة عاهدت نفسي ألا أدع سبيلًا في المطعم يساعد هؤلاء المساكين إلا وقطعته ، فإن لم أستطع حجمته وقننته ، حتى أدمره يوم يذهب الأب ، وأظل أنا .

في الشهور الأولى انشغلت بتحسين القوائم المالية التي يغلبها الفوضوية المهجنة من إحسان أبي ، فبدأت بالتنظيم ، والتصنيف ، والتقويم ، أملًا في إيجاد ذلك الحبل الذي يصل زاوية الأمل بروح جداي وأبي فأمزقه ، وذلك الشذا العطِر فأدنسه ، فلن أترك للطيبة بابًا ، ولا للإحسان طريقًا ، إلا إن أردت صنع حملة دعائية بتلك الأعمال الخيرية وذلك مشروط بالكاميرات والأضواء بالطبع ، فأنا أعمل من أجل نفسي ، لا لوجه الله.

كتبت مسودة أولى لتنظيم المطعم ونزع الجزء الأول من قلبه الرحيم في سبيل تحويله لمطعم اعتيادي يلتزم بصفات أي مطعم آخر على وجه الأرض ، أريت أبي المسودة وبدأ بقراءتها بتأني ، حاولت حقيقة إخفاء هدف تحويل المطعم بتكثير الأرقام وزيادة المصطلحات العلمية والكتابة الاحترافية المجردة من أي انحياز ، ورغم ذلك لاحظ أبي تلك الخبيئة السوداء في كتابتي ، فشعر بها وارتأب ، ثم لامسها واكتأب ، فرأيته محتارًا ، بل كان حزينًا ، لقد رأى ولده الوحيد يسلك طريقًا قبيحًا كان يخافه ، واتخذ شكلًا كره رؤيته ، فبغضني ربما أو تقرّف مني .. لكنني لم أعلم وقتها ماذا كان يشعر ، ولو أنني علمت لاستكبرت وزدت على أبي المسكين ألامه .

صمت قليلًا وهو يتأملني ، أحسست وقتها أنه يريد البكاء على حالي لكن البكاء ما كان في قاموسه الدي تربى عليه ، بل وأنه كان ينهاني دومًا عن البكاء لأنه يراها طريقة لا تصلح للرجال، فتمالك نفسه ، بيد أنني رأيت تلك القطرات وهي تزين عينيه دقائقًا ثم زالت ، لقد تماسك أمامي ، قال لي :’ ما الذي فعلوه لتكرههم يا بني ؟’

قلت له : ‘ مَن ؟ أنا أعمل من أجل بقاء زاوية الأمل يا أبي ، لا أعمل إلا لك ولكيان المطعم وأبحث عن مصلحتيكما ‘

– ‘ لو أنك تعمل لكيان المطعم لما عملت هذه المسودة القاتلة ‘

– ‘ ماذا تقول يا أبي ؟ يبدو أنك…. ‘

– ‘ لا تقاطعني ، أنا أبوك وأعرفك ، أتظن أنّ أربع سنوات درستها في الكلية ستجعلني لا أفهمك ؟ إنك ترغب بتدمير ما صنعه أبي وأمي ، وتقول أنك تعمل لمصلحة الكيان ؟ إنك عدوه الوحيد ، أرحني يا بني واغرب عني ‘

لا أخفيكم أنها المرة التي شعرت فيها بالقهر ، أصارت أعمالي هي من تدمر زاوية الأمل ؟ ألم يلاحظ تلك الخسائر التي نتكبدها ؟ ماذا عن الأرباح التي ضحينا بها من أجل أناس لا تربطنا بهم قرابة الدم ؟ إلى متى وأبي يضيع الفرص ويدمر ركنًا تلو الآخر من أركان صرح هذا المطعم ، الاحسان لن يقيم هذا المطعم ، إلى متى وأبي يعيش على تلك الشرفة المزينة بالأماني ؟ لا أحد سينفعه غيري ! ، ألا يعلم كم من الساعات التي أهدرتها من أجل التفكير في زاوية الأمل ؟ أيظن أنّ المطعم له وحده ؟! أنا شريكه أيضًا .

عدت إلى غرفتي مقهورًا ، لكني ما أخذت سوى نصف ساعة على تلك الحال لأعود إلى مسودتي وأعدل عليها تلبية رغبات أبي ، فالنفاق حل مرغوب في شؤون كثيرة ، وحتمي في غيرها.

ذهبت ليلتها لغرفة والداي لأخبر أبي بتعديلاتي على مسودتي التي تنازلت فيها عن بعض القرارات ، لكني عندما وصلت إلى باب غرفته ، وشرعت في طرقه ، إلا وأتفاجأ بصوت شكواه لأمي .

‘ لماذا ابني هكذا يا آمنة ؟ هل فشلت بتربيته ؟ أخبريني أرجوكِ ما الخطيئة التي فعلتها بولدي كي يكون هكذا ؟ يا آمنة ما عدت أحتمل أكثر فساعديني ، إن ابننا فلذة كبدنا يريد قتل روح مطعم أبي وأمي ‘

لم أحتمل سماع تلك الكلمات لأتراجع وأعود إلى غرفتي غضبان أسفا ، للأسف كنت عنيدًا للدرجة التي لم أعلم أنني أنا المخطىء ، لا هم .

من عادة أبي إخبار أمي بكل ما يضيق صدره ويعكر مزاجه ، لذلك إخبارها عني كان بديهيًا ، بل كان شكواه لها حتميًا ، فقد ضيقت صدره ، وحطمت أماله ، كنت عاقًا حتى وإن لم أصرخ عليهم مرة واحدة ، كنت أؤذيهم بقبحي ، بسوءي ، بعنادي ، عاديت أوفى شخصين ، حاربت خير اثنين ، حطمت والداي ، فمن يعيد تلك الدقائق أعوض بها شر فعلتي ؟ وحماقة عملي ؟ ، مَن يقدر أن يعطيني جسرًا للماضي أعتذر إليهم وأضمهم ضمة عن أخطائي ؟ ، أخبروني يا ذريتي أما من أحدٍ يملك هذا الجسر لأشتريه بمالي وبنفسي ، أعيدوا لي والداي فقد كنت بهم مجرمًا لا ابنًا.

لم تحتمل أمي بدورها صدمة أبي بي لتقوم من فورها وتدخل علي في غرفتي ، لتنصحني متأملة بابنها الخير ، ما علِمَتْ أنني حضرت كلماتي قبلها .

قالت دون سلام : ‘ بقلبي كلام مهم فتحمله يابني ، أنت وريث هذا المطعم ، لكن هذا الإرث ليس امتيازًا بل إنه حمل ثقيل ، وواجب عظيم ، ربما نلته لأنك الابن لهذا الأب وحفيد هذا الجد ، لكنها لاتعني أن تنسلخ مما صنعاه ، وتقوم بتدمير ذكراهم التي بنوها لعقود ، يا بني إني ..’ قاطعتها غاضبًا : ‘ لماذا تلقين علي هذه المحاضرة الكريهة يا أمي ؟ ‘ ، ردت علي مرتبكة : ‘ لأنك جرحت والدك بصنعتك ‘ ، فقلت : ‘ ولماذا ينجرح ؟ من أجل حمزة وصفية ؟ أنا ابنه لا هم ، وأخاف على المطعم مثلما يخاف عليه لا مثلهما ، وما أرى إلا من العين التي ورثتها منكما ، فلماذا تستوحشون مني ؟ وتستغربون فعلتي وأنا الذي ورثت دمكما وصوتكما ، انظري إلى حالكِ يا أمي ، ألا تظنين أنكِ تستحقين حالًا أفضل من هذا ؟ كل هذا بسبب حمزة الكسول وصفية الـ .. ‘ غضبت أمي وقامت ثم صرخت علي : ‘ ليست المشكلة بصفية ولا بحمزة بل بك أنت ، نحن مسلمون ، لا نخسر من إحساننا شيئًا ، بل نكسب رضى الله ، تأدب معي يابني واسمعني ‘ لم تُكمل أمي كلامها وخرجت باكية .

قمت من مكاني وأنا أرى أمي تبتعد عني وقد امتلأ الطريق بدموعها ، رأيتها وهي تبكي عندي وتبتعد عني مكسورة ، لكني لم أذهب لأواسيها ، وأتأسف منها ، وأترجى رضاها ، بل حملني الكبرياء فمنعني منها ، وأمسكتني نفسي عن اللحاق بها وضمها ، نعم يا ذريتي إنّ أباكم كسر أمه ولم يبالي ، بل انشغل بدفع الأوراق وتمزيقها، ليفرغ غضبه دون أن يهتم لأمرها .. ذهبت أمي ولم تسمع مني اعتذارًا ، أتظنون أنّ دموعي اليوم ستزورها ؟ .

لقد تركتني وقد كسرتها ، لم أتأسف لها ، بل استكبرت باعراضي عنها ، لقد طعنت وجداني دون أن أعلم ، ما عرفت قسوتي إلا بعد ما ذهبَتْ بعيدًا ولم ترجع ، عندما رحلت إلى ربها بحطام وجدانها دون أن أصلحه ، لماذا ؟ أمن أجل رأي لا يقدم ولا يؤخر ؟ ، أو من أجل مكانتي الزجاجية عند نفسي ؟ ، إني مستعد يا أبنائي وبناتي بأن أقدم ما تبقى من عمري مقابل أن أرى والداي ليوم واحد ، أخبرهم فيها أنني سأكون الابن الذي تمنوه ، ما أقساهم يا ذريتي ، لقد تركوني قبل أن أرى خطأي ، وأندم من فعلتي .

أي رب تلك دموعي فأخبرهم عنها ، أي رب ، أخبرني أنّ والداي قد رضوا علي وهم عندك ، أي رب ، اجمعني معهما فقد تعبت هنا مع تلك الأموال القبيحة.

  مر شهر بعد تلك الحادثة ولم أحادث والداي مرة واحدة ، إن استثنينا الترحيبات الروتينية ، كنت مُصرًا على رأيي مدعومًا من خيال كبريائي ، وغطرسة وجداني ، لم أحدثهم ، وأهتم لحزنهم ، فلست أنا من يصلح أخطاء غيري ، ولماذا أعتذر لهم عن خطأهم ؟

لكن الله يقضي ، هو المقدر ، ولا اعتراض … أُصيبت أمي المسكينة بجلطة دخلت على أثرها المستشفى فارقت بسببها الحياة بعد أسبوع من دخولها .

أتعرفون أين كنت طيلة هذا الأسبوع ؟ 

ألهو وألعب مع أصحابي في دولة أوروبية ، حتى أنني لم أخبرهما برقم جوالي الأوروبي كي يتواصلوا معي فقد أردت الراحة منهما ، ما أقبحني .

رجعت بعد وفاة والدتي بعشرة أيام ، إجازة سعيدة شحنتني مجددًا لمجابهاة والداي وإيذائهما أكثر ، لقد جعلتني الاجازة مستعدًا لخوض حرب لم أخضها أبدًا … دخلت ولم أجد سوى أبي يجلس وحيدًا على تلك الأريكة ، أنزلت حقيبتي ورحبت به ترحيبًا باردًا ثم ناديت أمي ، لكني لم أجد ردًا .

أمي لا تذهب للتسوق في هذه الساعة ، ماذا دهاها ؟ 

قلتُ مستغربًا :

‘ أين ذهبت أمي ؟ ‘

التزم أبي بالصمت وهو يرمقني بنظرات غريبة ما عهدتها منه أبدًا ، كانت نظراته مملوءة بدموع تأبى الظهور ، لكني لم أعلم  وقتها أنه يمسك دموعه عن السقوط أمامي ، كنت أرى لمعان عينيه لكنني ظننت أنه أضاء منزلنا بمصابيح جديدة ، لم أعلم أنّ نور بيتنا قد ذهب بلا رجعة 

قام أبي يعد دقائق طوال وقال : ‘ لله ما أخذ ولله ما أعطى ، أمك يا بني ‘

– ‘ ما الذي تقوله ؟ ‘

– ‘ لا تحتاج منك سوى الدعاء ، هي مع ربها الذي هو أرحم مني ومنك’

– ‘ أرجوك يا أبي لا تمزح معي ، أين هي ؟ أرجوك أريد إخبارها بأمر مهم ، أرجوك أخبرني’

– ‘ أمك ماتت’

لم أستطع استيعاب تلك الصدمة وذلك الخبر ، فبت ألتف يمنة ويسرة لعلي أجدها تنتظرني ، لكنها لم تظهر ، ولا زلت حتى اليوم يا أبنائي وبناتي ألتف يمنة ويسرة أنتظر قدومها لكنها لم تأت ، بربكم ألم يكفها تلك الدموع لتأتي ؟ 

لماذا لا تأت ؟

هل  دموعنا ضعيفة  ؟ لمَ هي وهينة ؟ تخرج من أعيننا بلا ثمن ؟

تركت أبي وذهبت مسرعًا إلى غرفتهما ، أمسكت جلباب صلاتها ومسحت فيه وجهي الذي احمر ألمًا ، وسال دمعًا ، أتاني أبي وأنا على هذه الحال ، نظرت إليه بعدما مسحت دموعي بجلبابها الطاهر ، وقلت له :

‘ عبقها لا زال هنا ، ألا تشعر بها ؟؟ ‘

– ‘ يابني ‘

قاطعته وقلت : ‘ والله إني أشم ريحها يا أبي ، هل أصابك المرض ؟ أم أنّ الحمى أصابتني فبت أهذي بموتها ؟ قل لي أنني أرى كابوسًا أبيت القيام منه ، أرجوك أيقظني ، أنقذني ، أرجوك’

– ‘ دعك من هذا يا بني ، هو قضاء الله فتحمل واصبر ‘

– ‘ أتعلمني عن الصبر وأنت لم تفقد أمك بمثل سني ؟ ‘

 لم يجبني أبي للأسف بل اختار الصمت اجابته ، لقد  سألته الاف الأسئلة وكان دومًا يجد الإجابات لحيرتي وتساؤلي ، لكنه عجز هذا اليوم أن يجد إجابة لسؤالي ، ألأن سؤالي كان نابعًا من الألم لا الحيرة ؟ 

مرت دقائق حتى هدأت قليلًا وبدأت أستجمع أفكاري وأقتنع بحقيقة موت أمي ، نظرت لأبي وقلت بهدوء :

‘ كيف ماتت أمي ؟ ‘

– ‘ من الجلطة رحمها الله ‘

صمَتُّ قليلًا ثم قلت :’ إذًا أنا من قتلها يا أبي ‘

أكملت كلامي وأنا أرى صدمة أبي : كنت أعرف تاريخ أهلنا مع .. مع .. الجلطة ، قد مات خالي بسببها قبلًا ، رغم هذا قسوت على أمي ، فأحزنتها وكسرتها ، ولم أهتم بها ، بل اهتممت بنفسي ، فآثرت نفسي عليها يـ… أبي.

– ‘هي راضية عليك ، لقد سمعتها ، لا تُحمل نفسك ما لاتقدر عليه’

– ‘لا يا أبي ، كنت أعلم .. خالي مات هكذا ، والآن أم .. أمي’

كانت حرائق قلبي لا تُحتمل فبكيت وصرخت ، متجاهلًا محظورات أبي في البكاء، فلم أعد أقوى على الكلام تجاه أبي ونفسي ، لأني خجلت مني ، وكرهت جرمي ، كيف لا وأنا الذي أرتكبتها بمن يحبني ، فبكيت خجلًا لعل تلك الدموع تُنسيني وتهون ألامي ، لكن لا ، ما استفدت.

لكن دموعي حركت أبي فأتاني وضمني وقرب رأسي إلى كتفه الزكية ، قربها وهو يقول :’ إنّ الرجل لا يبكي أمام أحد ، ولا يضعف أمام أحبائه ، بل يبكي متخفيًا عنهم’

ثم ضمني أكثر إلى كتفه وأتبع :’ إن لم تجد حاجزًا تتخفى به فها هو كتفي لك ، وقلبي إليك ، ولأبكين معك على فراقها ، فلنبكِ ولا يرى أحدنا الآخر .. ‘

فبكينا …

بعد قرابة ساعة ذهبت إلى غرفتي مكسورًا خاملًا ، فتلك الدموع وإن هوّنت بعض الألم فهي لم تعوض الجزء الذي ذهب من قلبي ، جلست حزينًا حتى دخل علي أبي وجلس بجانبي وقال : ‘ ستعود للعمل في المطعم الأسبوع القادم فحضر نفسك ‘

اكتفيت بالإيماء إيجابًا ثم استلقيت طلبًا للراحة فودعني والدي ، فكرت طيلة هذا الأسبوع بنقاشي مع أمي الذي سبب بتمزق علاقتنا ، راجعت النقاش مرارًا ، وقلبته في رأسي كثيرًا ، حتى بت أرى نقاشي معها مثل سطور صفحة كتاب أقرأها ، فحفظتها وراجعتها ، حتى حددت أساس المصيبة ، وجذر هذه الطامة … إنه حمزة .

..

انتهيت من رسالتي وعلي أن أنوّه عليكم يا بناتي وأبنائي بأمرين ، أولًا ستكون رسالتي الثالثة الأخيرة هي الأطول فتحملوها فقد بدأت أشعر بالضيق من استرجاع تلك الذكريات ، لذلك قررت الاكتفاء بالرسالة الثالثة لتكن هي الأخيرة .

أما الأمر الثاني وهو الأهم أن تبعدوا تلك الخادمة الحمقاء عني فقد أتعبتني ، كلما رأتني أمسك تلك الورقات وتدمع عيناي حينما أتذكر تلك الذكريات تأتيني فتسحب أوراقي ظانة أنها بهذا تهون علي ألمي ، رحلوها عني فقد ضقت بها ذرعًا ، رحلوها قبل أن أضيف رسالة رابعة أكتب بها عن ندمي بما فعلته بها .

كونوا سعداء .

لا توجد آراء بشأن "قصة قصيرة : أبي المتواضع يملك مطعمًا || الجزء الثاني"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: