سرية بيضاء : الفصل السابع

سارا الإثنين إلى بيت أختر ، وما لبثوا طويلًا في البيت حتى بدأ أختر بنقل تفاصيل الرسالة ، نقلها بكل تفاصيلها ونقاطها وحتى أخطاءها ، وعندما قضى منها أمر الفارسي بإشارة منه إلى مكان أبي جعفر معطيًا إياه الرسالة الأصلية ، انتظر قليلاً بعد ذهاب الفارسي ثم سار على الطريق المناقض متوجهًا إلى كبير العباسيين عبدالله بن علي* .

كان عبدالله يمسك خنجره يلاعبها بالهواء كأنها إحدى الفواكه من عظمة يده ، وبجواره يجلسون كبار العرب وبعض الفرس مرتبكين خائفين ينتظرون أدنى كلمة من عظيم البيت الأسود ، ولا غرابة في منظر كهذا فعبدالله يضاهي بحنكته العسكرية حنكة أبي مسلم الخرساني ولا يقل منزلة عن ابني أخيه الأخوين عبدالله الخليفة وأبي جعفر .

توقف عبدالله عن اللعب بخنجره المُذهب وصمت قليلًا والجميع ينظر له ثم نظر إلى خنجره وهو يقلبها وقال : ‘ ما الذي يصنعه أهل أمية الآن ؟ ‘ ثم نظر لهم ينتظر إجابتهم ، قال أحد العرب : ‘ ما نحسب لهم مسكنًا بعد فعلتك بمروان ومن معه ، لك أن ترتاح بعد مجدك هذا ‘

ابتسم عبدالله وقام من جلسته واقترب إلى هذا العربي ثم جرّه إليه من لحيته ، كانت قوة قبضة العباسي كفيلة بتقطيع لحية الرجل الذي بدأ يئن بخفوت ، قال له: ‘ما كانت صنعتي إلا نصرة لحق بني بيتي من سرقة بني أمية ، وما قتلي فيهم ذلك اليوم إلا محاكمة على جرمهم بنا وبأبناء أعمامنا نحن آل بيت رسول الله، لا تظنن أن مديحك هذا سيرضيني ويثنيني عن محاكمة بقية آل أمية ، والله لأبطشن ببني أمية حتى ألقى جدي وأبناء أعمامه ، احمل سيفَكَ بدلًا من مدحي واقتل به أمويًا’

وبينما عبدالله في ثورة حنقه هذه دخل عليه أختر ، نظر بارتباك نحو هؤلاء الأشاوس الذين صاروا كما الهرر الصغيرة حول هذا العظيم العباسي ، تمالك الفارسي نفسه تحت وطأة هذا المشهد المهيب ورفع يده مشيرًا بالرسالة المنسوخة وقال :’ لازال من أبناء أمية بقية ‘

نزلت كلمته كالصاعقة على أصحاب العباسي وكأن أختر يهينهم ويحرجهم بهذه الرسالة ، تقدم أحد العرب إليه وقال : ‘ أمريض أنت ؟ ما هي علتك !! ما لبني أمية من متنفس يتنفسونه إلا بأحلام بناتهم ، أتجرؤ على هذا القول عند عبدالله ‘

– ‘ دعه يا صالح ، إنه رسول ابن أخي ‘

انصاع صالح لأمر عبدالله على مضض وفسح المجال له ليتكلم مع أختر ، تأمل عبدالله أختر بضع دقائق بهدوء غريب ثم قال بصوته المهيب : ‘ ما الذي أتى بك إلي بدلًا من ابن أخي ؟’

– ‘ حسمك يا مولاي وقوتك وإني أظن لهذا الكتاب مكانًا أفضل بين بيديك من أبو جعفر المنصور ‘

– ‘ من أبي جعفر ، لا تلحن بلساننا ‘

لم يترك عبدالله لأختر فرصة للرد عليه حيث قبض الرسالة منه وبدأ بقراءتها والتي كانت

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسول الله خاتم المرسلين وعلى آل بيته من المسلمين

من العباس إلى أخ خليفة المسلمين أبي جعفر وبعد

إنّ الفرقة التي انضممت إليها جاسوسًا وصرت بينهم أخًا وصاحبًا قد باتت كلمتهم أشد وأقوى مما رأيته أول الأمر ، وإنّ اليأس الذي سكنهم طول الطريق بدأ يجهلهم ويهجرهم زمرًا ، وإني لأخاف من ذلك خوفًا كبيرًا ، وأتوجس من تلك الخواطر التي تأتيني ساعات طوالًا ، لقد رأيت قومًا تلبسوا الأمل بعد اليأس ، وعاهدوا العزة ونكثوا الذلة ، وما زادني حنقًا وقهرًا  إلا أنهم استوطنوا قرية من قرى خلافتنا ، فقتلوا الموالين لنا من الفرس ، وانصاعت لهم العرب ونسونا ، ورفعوا راية بيضاء بدلًا من سواد رايتنا ، وإنّ لهم أمرًا أشد من هذا ، فعندهم رجل قوي الشكيمة عنيد العشرة ، يدفعهم دفعًا نحو حجاز العرب عند رابغ ، وإني لأحذركم من مكاني هذا أن تمهلوا تلك السرية فتهملوهم حتى يذهبوا إلى رابغ ولا تخفاكم رابغ وبُعدها عن بطشة جيشنا ، وتوسطها عند العرب وعند موالي الأمويين ، فربما يجدون نصرًا أشد من نصر أهل تلك القرية المعزولة ، فيتسيدون الحجاز بسبب هذا الرجل الذي سماه أباه معاوية ، أشدد عليكم بالعجلة فقد باتت كلمة معاوية أقوى وأمكن ، إني أسالك يا أبا جعفر أن تعجل بألف من الفرس أو ألفين ، قبل أن تتزين الحجاز بلباسهم الأبيض الضيق وتترك سعة لباسنا المعتم بالعزة والقوة

ما إن انتهى عبدالله من قراءتها مزقها ثم نظر إلى أختر نظرة مريبة وقال : ‘ كيف أتى ذلك الكتاب إلي دونًا عن أبي جعفر ؟ ‘

– ‘ نسخته يا مولاي ‘

– ‘ ولماذا نسخته ؟’

– ‘ لأني أراك .. ‘

– ‘ هل تظن أن رأيك مهم لتأخذ به وتنسخ مالا يحق لك نسخه ؟ ‘

– ‘ لا تأخذني بما لا أقصده يا مولاي ، لقد رأيت النسخ سبيلًا بعدما اتخذ أبي جعفر التمهيل ردًا لتلك السرية ، وإني أخاف أن يصير ذاك التمهيل اهمالًا وأنا أعلم عظيم كرهك بالأمويين ، وأنت الذي مزقتهم ودمرتهم في أيام سابقة ، وأقسمت على الانتقام منهم في الأيام القادمة ، فلم أرَ عباسي يكرههم مثلك ، وأنت العظيم الذي سُميت على جدك عبدالله صاحب رسول الله ** ‘

– ‘ لا أحتاج للمديح ولا أطلب شهادتك ، لكني رأيت ما تُشير إليه ، فقولي ألا تتدخل فيما لا يعنيك فيضربك السيف فيما لا يرغب به عنقك ، لك أن تغرب عني فقد بلغتني مقالتك ‘

– ‘ عذرًا يا مولاي ، وحفظك الله من كل سوء ‘

انصاع أختر لأمر عبدالله ليخرج من عنده والبسمة تملأ محياه ، أما عبدالله فجلس وأخذ بتلك القطع الممزقة من الرسالة ، فبدأ بتأملها والتفكر بكلماتها المبعثرة ، وبينما هو على هذا الأمر حتى دخل عليه صالح ، فقال له : ‘ مال كبير العباسيين غاضب هكذا ؟’

قال له وهو ينظر للقطع الممزقة : ‘ لا والله لست بغاضب ، بل إني فرح يا صالح ، إني أرى الأمور تقترب إلي ، علينا أن نلتقي بابن أخينا الخليفة ، لكن قبل هذا يجب أن أنهي أمرًا لم أنهه منذ زمن’

– ‘ وهل لي بعونك فيه ؟ ‘

– ‘ نعم ، أريدك أن تبحث في أمر المستذكر بالله ‘

-‘ العباسي ؟ ‘

– ‘ نعم ‘

– ‘ لكنك تعلم يا مولاي أنه اعتزل الناس ولازم المسجد بعد معركة الزاب التي قهرت فيها مروان الحمار ومن معه’

– ‘ لذلك أريد منك تقصي أخباره ، إني أعرفه وأثق فيه ‘

في قصر الخلافة ..

كان اجتماع الخليفة هذا اليوم استثنائيًا ، فقد وصلوا أعمامه العباسيين وبدأوا يناقشونه عن أمور البلاد الجديدة ، كان السرور ظاهرًا على وجه الخليفة عبدالله وهو يناقش أعمامه ، ولا غرابة في ذلك فقد خفت وطأة المرض عليه ، فبدا نشيطًا ، ظهرت محاسنه ، وزانت

وبينما هو على أمره ذاك حتى دخل عليه أحد الفرس وقال له :’ إنّ عمك عبدالله يستأذن منك الدخول يا مولاي ‘

ابتسم السفاح لعمه سليمان ثم نظر للفارسي وصرخ : ‘ ومتى كان أعمامي يستأذنون للدخول ؟’

– ‘ المعذرة يا مولاي ‘

خرج الفارسي لينادي بعبدالله لكنه تفاجأ به خلفه ، قال له :’ قلت لك أننا لا نحتاج إلى إذن لنرى أهل بيتنا ، نحن لسنا أبناء أمية ‘

لم يحتمل الشاب الفارسي هيبة الموقف ليهرب منهم صامتًا ، دخل عبدالله بعدها على أهل بيته وهو يقول :

‘ ما أصبرك يا خليفة المسلمين ‘

ضحك السفاح بعدها ثم قال : ‘ دعك منهم يا عم ، حدثنا عن الشام وأجوائها ‘

عبـ : ‘ زانت وتجمّلت بعدما نزعنا قلب أمية منها ، عليك أن تزورني في دمشق هذا العام يا خليفة المسلمين لتراها ‘

السفـ: ‘ وماذا فعلت ببني أمية ؟’

عبـ : ‘ قتلت الأحياء منهم ولم أترك منهم أحدًا ، وعندما قضيت من أحيائهم التففت على موتاهم ، فلم أجِد جسدًا سلِم من الدواب سوى جسد الخليفة هشام ، فأخرجته وعذبته *** انتقامًا لبني بيتي من الهاشميين ‘

ابتسم داود وقال : ‘ لقد سمعنا أخبارًا عن مأدبة أقمتها يا أخي عبدالله لبني أمية قتلتهم فيها ****، حدثنا عنها لنتسلّى بها ‘

عبـ :’ أمّا هذه فأجلوها ، فإني أحمل أمرًا قد ثقل على قلبي ‘

استغرب السفاح وقال :’ وما هو ؟’

عبـ : ‘ ما الجدوى من ذكر أخبار الأموات وهناك أحياء من أمية سلموا من سيفنا ونحن نعلم بهم ‘

السفاح :’ ونحن نعلم ؟’

عبـ :’ اسأل أخاك أبا جعفر عنهم ، سرية تسير بأمان في جزيرة العرب ، سلموا من سيوفنا وباتوا يفكرون بإعادة حكمهم علينا ، أنترك الذين قتلوا أخاك إبراهيم الذي اختارك خليفة بني العباس ؟ ‘

قام السفاح غاضبًا وصرخ على خدمه :’ ائتوني بأخي أبي جعفر ‘

‘ لم أعلم عن الذي فعله أخي يا عم ‘

عبـ :’ لكنه فعلها ‘

– ‘ ما الذي تراه ؟ ‘

عبـ :’ إني أعرف رجلًا من بني العباس يبغض الأمويين ولا يتمنى سوى السوء عليهم ، فهم الذين قتلوا أباه وأخويه في الزاب ، ولا أرى رجلًا يرجو الانتقام مثله ، اجعله على رأس السرية التي ستُقاتل سرية الأوغاد ، واجعل أختر الفارسي ساعده ‘

استغرب سليمان وقال لأخيه : ‘ لكنّ أختر تابع أبي جعفر ؟’

عبـ :’ لهذا أُشير عليك يا خليفة المسلمين به ، كي تكون عقوبة لأخيك ولكي يعين هذا الفارسي العباسي على قيادة الفرس ، ولا أرى أصلح من أختر لها’

داود :’ ومن هو العباسي ؟’

عبـ :’ المستذكر بالله’

لم تمر سوى ساعات قليلة حتى دخل أبو جعفر المنصور على أعمامه وأخيه والحيرة واضحة على وجهه ، سلّم عليهم ثم قال : ‘ ما الذي تطلبه مني يا خليفة المسلمين ؟’

السفاح :’ أظنك تعرف ما أريد ‘

المنصـ :’ وما الذي حملك على هذا الظن ؟’

السفاح : ‘ألم أخبرك يا أخي عن أهمية قتل الأمويين ؟’

المنصـ :’ وهذا الذي فعلتُه ، لقد لاحقهم رجالي حتى أقصى المغرب ولم ينجو منهم سوى القليل، لكني سأقتل ما تبقى منهم قريبًا’

– ‘وماذا بشأن سرية جزيرة العرب ؟’

– ‘من أخبرك عنها ؟’

– ‘ سألتك فأجبني ، لماذا تركتهم ؟ ‘

– ‘ لا جدوى من قتلهم يا خليفة المسلمين ، أمرهم هيّن والقضاء عليهم يسير فهم إلينا قريبون ‘

– ‘ لكنهم من أمية ! ، قتلوا أخانا بالأمس ويأمنونا اليوم ‘

– ‘ ما الذي تعنيه ؟ أتشك بي ؟ أنا أكبر منك يا أخي وعشت مع إبراهيم أيامًا أكثر منك ولست أنا بالـ … ‘

قام السفاح واقترب إلى أخيه وقال : ‘ لكني أنا الخليفة !! وأنا الذي اختارني إبراهيم لا أنت ‘

صمت أبو جعفر والغضب استولى عليه ، قال : ‘ لا تقل اليوم ما ستندم عليه غدًا يا أخي ‘

السفاح : ‘ أتهدد الخليفة ؟! إنّ في عنقك بيعةً لي !! ‘

قام سليمان وعيسى بعدها وفرقّ الأخوين التي بدت عليهما علامات العداوة والكراهية ، لكنهم ما أكملوا تفريقهم حتى قال السفاح :’ لقد قررت أنّ شأن السرية عندي ، وإني سأُلزم المستذكر بالله وأختر عليها مع ألف رجل فارسي ‘

المنصـ :’ المستذكر ! ألا تعلم حاله يا أخي ؟’

– ‘ هذا هو أمري فلا تجادلني ‘

ما احتمل جسد السفاح هذا الضغط الشديد ليسعل كثيرًا ثم رجع لعرشه يرتاح عليه ، قام عبدالله بن علي بعدها وقال لأبي جعفر :’ إنّ الخليفة متعب ، دعه وشأنه هذه الليلة ‘

….

في إحدى مساجد الكوفة ، كان هناك رجلًا يتكىء على أحد أركان المسجد ، رجل أبيض وسيم ذو شارب عريض ، لكنه يتميّز بندبة عظيمة بجانب عينه اليسرى ، تلك الندبة التي ميّزته بين أهالي الكوفة ، وألقت عليه المهابة بينهم ، حتى كانوا يسمونه عين الزاب لأنه الوحيد الذي حمل علامة تلك المعركة على وجهه .

دخل عليه عبدالله بن علي وقال له :’ كيف حالك بعد الحرب ؟’

ردّ عليه المستذكر : ‘ ما رأيت خيرًا والله ، وكيف أرى الخير بتلك العين التي ودّعت أهلها’

عبـ :’ لكنّك قاتلت بها زمرًا من أمية ‘

قام المستذكر ليرى من يكلمه ليتفاجأ بعبدالله ، رحب به ثم قال :’ ما علمت أنك أتيت إلى العراق يا عبدالله فاعذرني ‘

عبـ :’ لا بأس عليك فما رأيتَه في تلك المعركة تجعلنا نرضى عليك في كل حال ، لكني أريد إبلاغك أنني وجدت قاتل أباك وأخاك ، معاوية’

ارتجف المستذكر من كلمات عبدالله ولم يرد عليه بكلمة ، أكمل عبدالله :’ وإني أشرت على ابن أخي الخليفة أن يجعلك على رأس الذين يقاتلون معاوية ومن معه ، وهم سرية واحدة ، تقدر عليهم بالجيش الذي سيرسله معك’

نظر عبدالله للمستذكر الذي ساده الصمت ثم قال له :

‏’ لتتذكر جُرمهم يا مُستذكِر وما فِعلَتهم بأبيك ببعيدة ، مزّق رايتهم البيضاء واضرب أعناقهم الحمراء و ليعلم بنو أمية أنّ الظُلمة ستأتي وستعتنق السماء رغمًا عن نور الشمس ، ورايتنا السوداء ستسود الأرض ومن عليها ‘

_________________________________________________ 

هامش

      النجمة الأولى * : عبدالله بن علي بن عبدالله العباس شخصية حقيقية مثله مثل السفاح والمنصور وإبراهيم وداود وعيسى وسليمان 

   النجمة الثانية **:   عبدالله بن العباس : صحابي جليل ، حبر الأمة وترجمان القرآن وهو جد عبدالله بن علي وباقي أعمام السفاح والمنصور

          النجمة الثالثة ***: حادثة إخراج عبدالله بن علي لجثة الأمويين الموتى حقيقية ، انظر في كتاب الأغاني للأصفهاني

  النجمة الرابعة ****:  حادثة المائدة مشهورة قرأتها في كتاب لكنه لم يذكر مصدرها من المراجع

_______________________________________________

لا زلنا نعمل على الفصل الثامن ، سنضع رابطه هنا فور انتهائنا

🙂 

لا توجد آراء بشأن "سرية بيضاء : الفصل السابع"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: