مُراجعة رواية : ماجدولين

الكاتب : ألفونس كار

المترجم : مصطفى لطفي المنفلوطي

عدد صفحات الرواية : ٣٦٨

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : الرواية من جزء واحد لذا لا تحتاج لقراءة كتاب قبله ، فيه بعض الشخصيات الحقيقية مثل الموسيقي موزارت لكن لا تحتاج للقراءة عنه ، محرك البحث قوقل يكفي

وصف مبسط للرواية : الرواية للكاتب ألفونس كار لكنّ المنفلوطي أبدّع فيها وأضاف عليها حتى باتت هوية مؤلفها الأصلي مقتصرة على الأسماء للعمل والأحداث الرئيسة ، والبقية فهي بصمة الأديب الرقيق مصطفى المنفلوطي.

مُقدمة..

إنّ الذي غرس في قلبي هذه الآمال الحِسَان لا يَعجِزُ أن يتعهدها بلطفه وعنايته حتى تخرج ثمارها ، وتتلألأ أزهارُها ، وإنّ الذي أنبت في جناحيّ هذه القوادم والخوافي لا يرضى أن يَهيضني ويتركني في مكاني كسيرًا لا أنهض ولا أطير

عندما شرعت بقراءة الرواية لم يكن بظني أبدًا أنّ هناك عملًا روائيًا خياليًا قادر على أن يلامس قلبي حتى يألفه ويحبه ثم يطعنه بكل تلك الطعنات ولا يفعل لها قلبي شيئًا ، بل لا يستطيع ردها ، كنت مستكبرًا بعقلي وفخورًا بمنطقيتي ، حتى قرأتها ،هذه هي رواية ماجدولين ، التراجيديا المفتونة.

تعتمد الرواية على أسلوب الرسائل في معظم فصولها ، تستعرض به تقلبات الشخصيات وأفكارهم ومشاعرهم التي لا ينطقونها تجاه بعضهم خاصة عند بطلي القصة ماجدولين وستيفن ، ورغم سيادة أسلوب الرسائل إلا أنّ الرواية تنتقل بخفة لأساليب أخرى دون أن نستثقلها أو نمل منها ، فتارة نرى روح ستيفن المتألمة وتارة نجد رقة ماجدولين وحيرتها الجميلة ، غير حضور الشخصيات الأخرى التي لا تقل درجة واحدة عن الشخصيتين البطلتين – دون إنكار التركيز الأكبر على البطلين – وتناسقها بشكل بديع مع مجريات الرواية والبطلين .

ورغم كل تلك المشاعر المتصادمة تارة ، والمتحالفة تارة أخرى ، نجد المنفلوطي -رحمه الله – يضع بين الفصول حكمًا وأقوالًا تعيننا على فهم حياتنا ، والنظر في حيثيات زواجنا ، والأهم تقدير مشاعر ” الحب ” التي نشعرها ، فالحب كما الحارس الوفي لقلوبنا ، إن قتلناه فقد حكمنا على قلوبنا بالموت …

هذه الرواية  تحكي وتصور المزاج السائد في تلك الفترة عند الروائيين : الألم ، الألم … ثم الألم

….

مُراجعة..

السطور القادمة قد تتضمن حرقًا ، إن قرأتوا الرواية فلا بأس أن تقرأوها ، وإذا لا ، تجاوزوها واذهبوا لأسفل النقاط ” …” ؛

الطمع في الزواج ، الانتقام ، وتقلب الأيام ، كل تلك المعاني نجدها بصورة مروعة في هذا العمل الأيقوني الذي ما اكتفى بسلب قلوبنا وإيذائها بل ولم يترك العقل بمنجاة منه ، فتعجب به العقول وتتألم منه القلوب.

هذه هي الأعمال التي يختارها المنفلوطي ويترجمها ومن أجل ذلك ننسبها إليه ، فهو يختار أعمالًا تمكنه من عرض أفكاره ومشاعره والتي نستطيع ملاحظتها بل ويضخها ضخًا إلى قلوبنا حتى تكون جزءًا منه، وكل هذا يفعله بأسلوبه العظيم ومهارته الرقيقة التي تميّز بها عن بقية الأدباء العرب ، لا أخفيكم أنني عاتبت كل النساء بعدما رأيت ردة فعلة ماجدولين بإحدى الفصول ثم ما احتملت أن أشتم كل الرجال بعدما رأيت تكبر ستيفن وغطرسته ، ولأنني أعلم أنّ هذه الغطرسة تخالجني أحيانًا، تلك الغطرسة التي تجعلنا لا نريد الاعتراف بما في وجداننا ونكبت ما في قلوبنا ونسكتها على قول ما تريد حتى يحدث ما يفجع له القلوب فنبكي لخطئنا أبد الدهر …. ربما هي رسالة لنا نحن الذين نقدم كبريائنا على مشاعرنا وقلوبنا ، الحياة أهون من تضييقها بتلك القيود الوهمية التي يضعها لنا الكبرياء .

اعتراف صغير : هذه هي الرواية الوحيدة التي وددت لو قطعت صفحاتها الأخيرة وأتيت بصفحات بيضاء وأكملت القصة من نفسي ، لأنهيها نهاية يسعد لها قلبي.

رغم أني من محبي الروايات الحزينة وأعشق كتابتها …. لكن هذه الرواية فوق مستواي ، ووصلت لعمق في قلبي أكره ملامسته ، لقد أذاقتني تلك الرواية مذاقًا كرهت تجرعه .

ملاحظة : أعجبتني طبعة دار النشر هذه وأحمد الله على أنني اشتريت منها معظم كتب المنفلوطي ما عدا رواية الشاعر التي اشتريتها من دار آخر وكان سيئًا حقًا.

….

اقتباسات أعجبتني..

إنّ الذين يعرفون أسباب آلامهم وأحزانهم غير أشقياء ، لأنّهم يعيشون بالأمل ويحيون بالرجاء ، أما أنا فشقية ، لأني لا أعرف لي دواء فأعالجه ، ولا يوم شفاء فأرجوه

الحب كالطائر لا حياة له إلا في الغدو والرواح ، والتغريد والتنقير ، فإذا طال سجنه في قفص القلب تضعضع وتهالك ، وأحنى رأسه يائسا ، ثم يموت

العلم ليس وقفًا على المؤلفين والمدونين ، إنما هو قرع الحجة ، ودفع الرأي بالرأي

ما أصعب الوداع ، وما أصعب الفراق بلا وداع

لكنك لا تستطيع أن تمنع قلبينا أن يتحابا ، ونفسينا ان تتصلا

إنّ الذي خلق الإنسان وأسدى إليه نعمة الحياة والرزق لم يسترقه بهذه النعم ، ولم يملِك عليه قلبًا ثمنًا لها ، بل تركه حرًا يحبُّ من يشاء ، ويبغض من يشاء

رأى أنّ الفقر جريمة لا عقاب لها إلا القتل .. فقتلني

لكنك صديقي ، وللصداقة آثار طبيعية تتبعها وتنبعث وراءها جريان الماء في منحدره ، فإن كنت لا بد شاكرًا فاشكر الصداقة التي ظللتنا بجناحيها مُنذ كنا طفلين صغيرين ، والبؤس الذي لف شملي بشملك ، وخلط نفسي بنفسك ، وحول قلبينا الكسيرين إلى قلب واحد

هكذا أخذ حبها يستحيل إلى رحمة وشفقة … والحب إذا استحال إلى هذين فقد آذن نجمه بالأفول

الغيرة دخان الحب .. فإذا انطفأت ناره انقطع دخانه

ليس أشعر الشعراء أحفظهم لقواعد اللغة وقوانينها ، بل أدقهم شعورًا وألطفهم حسًا

دمعة الراحم كابتسامة الساخر ، كلاهما يؤلم النفس ويملؤها غصة وأسى

إنّ اليوم الذي أشعر فيه بخيبة آمالي ، وانقطاع حبل رجائي ، يجب أنْ يكون آخر يوم من أيام حياتي ، فلا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب ، ولا خير في قلب يخفِق بغير حب

وكان يُخيّل إليه وهو يُحدّث نفسه بهذا الحديث أن الحب الذي ملأ قلبه قد فاض إلى جميع الكائنات التي يراها بين يديه ،فكان يرى في صفحة السماء صورة الحب ، ويسمع في خفيف الأشجار صوت الحب ، ويستروح* في النسيم المترقرق رائحة الحب

يستروح : يشم

مثلهم كمثل أولئك الكتاب المرائين الذين يكتبون الفصول الطوال في مدح الفلاح والتنويه بذكره ، والثناء على يده البيضاء في خدمة المجتمع الإنساني ، حتى إذا مرّ ذلك الفلاح المسكين بأحدهم وأراد أنْ يمد يده لمصافحته تراجع الكاتب وكفكف يده خوفا أنْ تتلوث يده بأقذار تلك اليد السوداء

إني لا أُحِب إلا منْ يحبني ، ولا أُكرم إلا منْ يكرمني ، ولا أُذعن إلا لرأيي وإرادتي ، ولا أبيع حياتي وحريتي بثمن من الأثمان مهما غلا

هل تطيبُ الحياة بغيرِ جنون ؟

خاتمة وتقييم

من أراد أن يتألم فليقرأ هذه الرواية ، خاصةً لأصحاب تلك القلوب الدافئة الرقيقة ، أما أصحاب الماديات محتقروا الروايات لمجرد أنها لا تحمل فائدةً ملموسة ، ولا معلومة مباشرة يفخرون بمعرفتها ، فليست تلك الرواية بنافعتهم وليسوا بمستفيدين حقًا منها ، سواء في المشاعر التي تضخها ، أو حتى الأفكار الاجتماعية التي تخبرنا بها ، وتقلب الأحداث التي تغير تعاملنا مع الناس في أي مأخذ ، فهي قبل أن تتكون من تلك الحكم كانت عملًا شاعريًا يلامس القلوب ، فمن لم يلِن قلبه للكتابات الرقيقة فلن يستفيد من سطورها الحكيمة … قراءة ممتعة : )

التقييم : ٩.٨/١٠

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: