قصة : حدود من ورق || الجزء الثالث

​أيام كئيبة

_________________

في حال أنك لم تقرأ الأجزاء السابقة ، الرجاء النقر على العناوين

حدود من ورق || الجزء الأول

حدود من ورق || الجزء الثاني

__________________________

” هذه الليلة ليلة استثنائية “

كلمات حدّثت سيلين نفسها بها وهي تمسك بقلمها المُزين برأس أسد مبتسم كان هدية أخيها الذي لا يتقن الكتابة أصلًا ، لكنه علِم أنّ القلم الذي يحارب به أعداءه الأطفال تحتاجه أخته في حربها أكثر منه ، فضحى به من أجلها.

رغم أنّ هذه الليلة كانت ليلةً كئيبة في سكن الطالبات زادتها كآبة هدير الرعود فيها بل وزادتها رعبًا ، إلا أنّ سيلين رأت في هذه الليلة الفرصة الحقيقية لكتابة رسالتها لأهلها مستغلةً صخب الرعود لتكتب مقالتها ، وجدت في هزيم الرعد سكينةً لم تجدها في تلك الفصول الفسيحة ، ولم تشعر بها في ريش سريرها ، فالسكينة لا تأتِ من حرير الملوك ولا تسكن قصور الروم ، إنما السكينة في القلب ، والقلب لا يُشترى.

كتبت :

إلى أبي وأمي…

أكتب لكم كلماتي هذه بليلة بارقة ، تزمجر علينا برعودها ، وتُخيفنا بريحها ، وإنها على هذا الأمر حتى خافت زميلاتي وصديقتي ، بيد أنهن صرخن كثيرًا حتى بكن من الخوف لعلّ الليلة ترأف بنا لكنها لم تفعل.

أما صديقتي إلين فلم تستطع النوم وهي تسألني عما أكتب ، وألحت علي في السؤال ، لكن الليلة تدخلت بيننا فصرخ الرعد صرخة اختبأت إلين بسببها أسفل وسادتها خوفًا وكأنّ الرعد ينهرها عن السؤال ، ليت أخي ريميك هنا ليضحك معي على هذه الحال .

أما أنا فلم أخف ، ولم أرتعب وما شعرت سوى بقشعريرة داعبت قلبي .

وليس السبب في ذلك شجاعة أملكها ، أو رباطة جأش اكتسبتها ، لكني وجدت بيني وبين الرعد تشابهًا ، فاقشعر قلبي من أجل صرخاته ، ثم أحببته ، لأني شعرت أنه يصرخ لأجل فقدي

إنني أبكي الآن على قلبي الذي افتقدكم ، أبكي من أجل قلبي الذي يأمرني بالعودة إليكم لكني لا أستطيع تلبيته … إني أفتقدكِ يا أمي وإنّ الليالي بعدكِ صارت بكماء ، ما عادت النجوم تناجيني مثلما كانت عندما كنت معكِ ، ربما كان حديثها من أجلنا ، لا من أجل إحدانا دون الأخرى.

إني مشتاقة إليك يا أبي ، أتعلم أنني تركت تأمل الغيوم ورسم أشكالها ؟

لقد تركت رسمها وتخيل أشكالها لأنني عرفت أنني ما كنت أرى إلا من عينيك الدافئة وإشاراتك ، لم أكن أنا التي تتخيل أشكالها ، بل أنت يا أبي .

أشكرك يا أخي على هذا القلم الشجاع ، وأبشرك أنه حليفي في كتابة هذه الرسالة ، لقد أخذ من شجاعتك يا أخي ولم يبخل علي بها ، فلم أخف من البحث عن الكلمات التي تعبر عما في وجداني ، شكرًا .

أريد إخباركم أنني بخير ما دمت أتذكركم ولم تختفِ أصواتكم عند روحي ، إني أحارب فظاعة الفقد بحبي لكم.

خالص تحياتي ، سيلين.

طوت سيلين رسالتها ووضعتها في مظروف ملوّن ، أخرجت إيلين رأسها قليلًا وقالت : تكتبين رسالة إذن

ردت عليها سيلين بارتباك : إيلين !! لقد أرعبتيني ، ألم تنامي 

– أتخافين مني ولا تخافين من هذه الرعود الغاضبة فوقنا ؟!

– لقد فاجأتيني ، أما الرعد فلا

إيلين : ما أغربكِ ، أخبريني عن فحوى الرسالة ؟ لنتناقش عنها ونحسنها ، إن أبي يعمل بقسم كتابة خطابات الحكومة ، أستطيع مساعدتك بهذا الشأن.

سيلين : رسالتي ليست رسمية يا إيلين لأحطمها برتابة الانضباط ، وأقتل روحها برسمية الخطاب ، رسالتي هي رسولة قلبي ، لا أحتاج لتدخل العقل هنا.

– يالكِ من أديبة غريبة ، لمن ؟

– أحب الناس إلي ، أهلي

…..

استيقظت سيلين في اليوم التالي وهي مفعمة بعنفوان المطر الذي يأتي بعد كل ليلة ماطرة ، خرجت سعيدة وهي تمسك بذلك المظروف وتوجهت لقسم الرسائل في الجامعة.

دخلت سيلين القسم العتيق ، وشعرت بالخوف للمرة الأولى في حياتها الأكاديمية ، فقد كان القسم موحشًا صامًتا يعتمد على الفوانيس وزوايا النوافذ لإنارته ، غير خشبه المتهالك من دواب الأرض ، كان القسم يُعتبر أقدم مبنى في جزيرة لكأ ، وتدور حوله العديد من الشائعات والأساطير.

لقد بُني قبل سبع مئة عام من أجل أن يكون ملجأً لجواسيس الملك فونتا العظيم ابن لكأ الأسطوري ، الملك فونتا الذي خلف والده سيد هذه الجزيرة الأول ، والذي كان مشهورًا بين شعبه محبوبًا بينهم ، لكن مصيبة هذا الملك العظيم أنه يملك عدوًا.

كان عدو فونتا ابن أخته فيليان الذي ما فتأ على كتابة أحلامه لتطوير الجزيرة وتحسينها ، ويحدث الناس عنها ، حتى صار محبوبًا بينهم ، آمنوا بفكره ووثقوا بشخصه ، فزاد حنق فونتا العظيم من فيليان وشعر أنه يهدده فوظف جواسيسًا يراقبون فيليان ويتتبعون حركاته ، لكنهم لم يجدوا ما يثبت عليه شيئًا.

ضاق صدر الملك العظيم فوظف المزيد من الجواسيس ،ولأنهم كثيرون ، لم يستطع بيته الصغير تحمل عددهم الهائل وخاف من ملاحظة أخته للجواسيس والاستقصاء عنهم ، فأمر ببناء هذا المبنى.

كانت حجة فونتا لإقناع شعبه ببناء هذا المبنى أنه سيكون مسرحًا لعرض أفكارهم فيه ، وتبادل طموحاتهم في مستقبل الجزيرة عليه ، أن يكون مسرحًا مغلقًا يحتفظ بشغف الناس فلا ينجلي الشغف منه ، أن يصعد جنبات هذا المسرح بأحلامهم الصغيرة ، ويجعلها حقيقة .

صدقه شعبه فلم يبخلوا عن هذا البنيان بشيء ، فبذلوا من أجله كل شيء ، وعملوا على بناءه ، ،دون أن يأبهوا للتعب الذي يصيبهم طيلة شهور بناءه ، فالحلم الذي زرعه فونتا في قلوبهم كان أعظم من كل ألم آتاهم ، لأن الصعاب تهون أمام قلوب الحالمين.

وعندما انتهوا منه وبدأوا يجتمعون فيه كل يوم ، كان فونتا يجتمع بجواسيسه آخر الليل ليرى ما وجدوه على ابن أخته ، لكنه لم يجد دليلًا على فيليان المسكين ، ليطفق ذرعًا بجواسيسه فأراد تعذيبهم على تكاسلهم ، لكنه فكّر بفكرة أعظم ، فأعلن بين الناس عن موعد في المسرح المغلق ، يعرض فيه أمرًا يخص جزيرة لكأ وشعبه العظيم ، فأتوا جميعًا حتى ضاق بهم المسرح ، لكن هذا لم يمنع الزائد منهم أن يقف خارجًا ليستمع ، لم يغب أحد.

تقدم فونتا فوق منصة خشبية وسط تصفيق أخته وابنها وسائر الناس ، أشار عليهم بالتوقف ثم قال :’ إني جمعتكم اليوم لأمر عظيم أثقل علي ، ولم يعد قلبي يحتمله ، وإني أرى فيكم يا شعبي العظيم الحل في إنهاء ما حصل معي ، والصدمة التي أتتني ‘.

قال أحدهم : ‘خيرًا يا فونتا ، ما الذي حصل ؟’

صمت فونتا قليلًا وهو يستجمع أنفاسه ، قال : ‘الأمر في أختي وابنها. ‘

نظر الجميع بعدها نحو الأخت وفيليان مستغربين ، أكمل فونتا :’ إنّ أختي الكبرى ضيّعت منهج أبي رجل الكهف لكأ الأسطوري ، واستولى عليها الشيطان الذي وسوس في قلب أخ لكأ وحاول قتل أبي قبل أن ينتبه له أبي الأسطوري ويقتله ، لقد تطاولت علي أختي وبدأت باقناع ابنها الشيطان بقتلي.’

استغرب أحدهم وصرخ :’ لكنها ابنة كريمة ما رأيناها أبدًا تتكلم عنك بسوء ، كذلك فيليان.’

فرد فونتا : ‘ومن أنت لتشكك بي ؟! ، أنا الذي ورثت نظرة لكأ المطلقة صانع هذه الجزيرة ، أتتطاول علي!؟ ‘

‘أعرضوا عن هذا يا شعبي فهذا عمل سوء ، إني أخاف عليكم أن يصيبكم شر غضب أبي ، لكني رغم هذا رحيم بكم وأعذر بشريتكم ولذا سأثبت كلامي من أجلكم وعسى أن أغفر لكم ، تعال يا جيوفان’

تقدم جيوفان – أحد جواسيس فونتا – وسط تحديق فيليان وأمه به

قال فونتا : “هذا الرجل أحد رسلي الذي كنت أجتمع معه مع بقية الرسل في هذا المسرح يومًا في كل أسبوع ، ولكن في إحدى الأيام ذهب جيوفان في الكهف الذي بجوار مسرحنا المغلق يخصه فوجد هؤلاء الرجال يجتمعون من وراء ظهري مع فيليان ليقتلني “

توقف بقية الجواسيس عندما أشار إليهم فونتا ، وقالوا :’ لقد خدمناك يا سيدي ، لم نخنك ، قل شيئًا يا جيوفان ! أنت معنا ‘

فقال جيوفان :’ بئسًا عليكم أيها المجرمون ، موتوا ‘

قال أحد الناس :’ لكن فيليان رجل طيب ما دعانا إلا لإصلاح شؤوننا وكان خير أخ لنا ، فكيف يحمل أفكار قتلك وهو لا يطمع في الحياة سوى رضى والدته ؟ ‘

صرخ فونتا : ‘ألا يكفيكم هذا الدليل !! إنّ فيليان شيطان تلبّس بلباس الإنسانية فخدعكم يا همج ، وإنّ أختي تشبه عمي الشيطان حتى أبي أخبرني بهذه الحقيقة ، من أجل ذلك يبحث فيليان عن رضاها في قتلي أنا ، أنا الذي عطفت على أختي عندما علمت بحقيقتها فسامحتها لكن اليوم لا ، اقتلوهم’

صرخت الأخت المسكينة وهي تلعن أخيها فونتا العظيم ، أما ابنها فأصابه البكم من هول هذه الصدمة وطفق يضم أمه وهو يبكي دمعًا وحزنًا ، لم يكن يبكي إلا بسبب تصديق الناس الذين انصاعوا لكلمات فونتا ولم يشككوا في كلماته أبدًا ، فحملوا عليهما الأسلحة والمسكينان خائفين مدهوشين من الصدمة ، لم تكن الصدمة من خيانة فونتا بل كانت من أجل الناس ، لكن الدهشة لم تنفعهما ، فقُتلا مع سائر الجواسيس في هذا المسرح، وسط لعنات الأم المسكينة التي كانت صرخاتها اللحن الوحيد في هذا المسرح البئيس.

ومن بعد هذا الحادث اعتزل الناس هذا المسرح الذي امتلأ بالدماء ، فقد نهاهم فونتا العظيم بتنظيفه بدعوة تذكر الأحياء جرم الأموات ، فانصاعوا له بالطبع .

أما فونتا العظيم فكانت نهايته بنفس عام مقتل أخته وابنها ، فقد بدأ يسمع صرخات أخته وابنها كل ليلة ، فجنّ الملك وأمر الناس بهجر هذا المسرح المُغلق ، واستمر حاله على ذلك حتى طعن نفسه داخله .

وقتها لم يكن لفونتا وريث سوى طفل صغير لم يُكمل السنتين ، فقرر الشعب تنصيب الجاسوس جيوفان ملكًا عليهم نظرًا لوفائه للملك فونتا وقربه له في أيامه الأخيرة ، كان حكمه مؤقتًا حتى يبلغ ابن فونتا سنًا يسمح له بقيادتهم.

..

سارت سيلين والقشعريرة ظاهرة على وجهها لكنها خفّت عندما رأت أحد الموظفين الذي بادرها بسؤال : ماذا بكِ ؟

قالت له : إنني أريد إرسال رسالة لأهلي لكني لا أعلم أين ساعي البريد ، أتعرف أين هو ؟

قال لها : أنا هو لكنكِ تبدين صغيرة

قالت : ماذا تعني ؟

– أنتِ طالبة ؟ صحيح ؟

– نعم

– إذًا أعتذر لكِ ، هناك مرسوم بمنع تواصل الأهالي مع ذويهم من الطلبة

– ماذا !؟

– نعم ، من الأفضل لكِ أن تخرجي قبل أن يلاحظكِ أحد الناس

– لكن لماذا ! ما فائدة هذا القرار !؟

– لا أحد يعلم ، اذهبي

سارت سيلين حزينة مقهورة ، متباطئة الخطى، لا تنتبه للطريق منشغلة بالتفكير عن أهلها فلاقت معلمها السمين الذي دخل للتو المبنى ، المبنى التي لم تخرج منه سيلين.

نظر لها وقال : ‘ لماذا أتيتِ إلى هنا ؟ وما هذا المظروف الذي معكِ ؟ أتعملين ساعية بريد بدلً من حل واجباتك !؟ أعطيني’

فأخذ المظروف قبل أن ترد حتى ، حاولت المسكينة أخد مظروفها منه لكنها لم تستطع لأنه أشار عليها بسلاحه المكهرب.

قال بعد ما انتهى من قراءة الرسالة : ‘ ما هذه الكلمات يا سخيفة ، هذه الكلمات لا يكتبها من يدرس تخصص الجغرافيا العظيم ، هذه كلمات رقيقة حساسة ، لا تقولي أنكِ أديبة ! أتقرأين الأدب؟! ، ما هذا الذنب العظيم !! ، ألا تعلمين أن إتقان مهارة قسم آخر جريمة كبرى في الجزيرة !! ردي علي ! ‘

لكنها سكتت ولم تجبه

غضب البدين من صمت سيلين فأخذ بوجهها وقربها إليه وصرخ عليها : ‘ أتعلمين أنكِ مذنبة بذنبين الآن ! لقد ذهبتي لقسم لا يحق لكِ الذهاب إليه وتكتبين كتابة خارجة عن تعاليمنا وأسسنا ، أتعلمين ما هو جزاءك !؟’

– ‘ افعل ما تشاء ، ما كتبت سوى كلام قلبي ، فإن كان جرمًا كتابة ما فيه ، فأنا أفتخر بجرمي’

ابتسم ريمارس البدين وقال لها : ‘ أظن تلك الشجاعة الغريبة أتت من تلك العينين المتلألتين ، إنكِ مجرمة يا فتاة لكنكِ مجرمة محظوظة ، هذا اليوم يوم حظكِ ، أنك صادفتِ أرحم رجل في هذه الجامعة الموحشة ، لكن يجب تقديم الثمن ‘

– ‘ وما الثمن ؟’

– ‘ اليوم هو تقابل أبناء وبنات الأقسام الأخرى بعضهم بعضًا من أجل الاحتفال بذكرى ولادة فونتا العظيم ، وأنتِ تذكرين أنني قلت لكم قبل يومين أنّ هذا اليوم مهم لقسم الجغرافيا ، علينا أن نثبت علو منزلتنا على سائر التخصصات خاصة تخصص التاريخ عدونا الأزلي ‘

– ‘ لكنك قلت أنه لا يمكننا أن نبدأ بافتعال الشجار مع بقية الأقسام من أجل قسمنا ‘

– ‘ لكني خسرت الرهان مع بقية رؤساء الأقسام لذلك سيكون قسمنا هو من يشعل فتيل المشكلة ، دون علم رئيس الجامعة بالطبع ، لذا أحتاج منكِ إشغال نائبه النحيل الأحمق ببضع أسئلة حمقاء ، عيناكِ ستكمل المهمة على أكمل وجه ، وإن فعلتيها سأعيد رسالتكِ ، وأنسى جريمتك ‘

مرت الساعات وسيلين تفكر في غرفتها عن الأسئلة التي ستسألها ، دخلت عليها إيلين وقالت لها عندما رأتها : ‘أراكِ قلقة يا سيلين ؟ ‘

– ‘أتذكرين كلام المعلم ريمارس عن ثورة هذا اليوم ؟’

– ‘عندما ذكر قصة تنين التاريخ المختبىء في قسم الأحياء ؟ لقد نمت بعدها’

– لا ، لا أعني هذه القصة الغريبة ، أعني الموضوع الذي قبله ، عندما ذكر أهمية حرب الأقسام من أجل إثبات القسم الأقوى في الجامعة

– يبدو أنّ هذا المخبول يحك رأسه بوساطة جهازه المكهرب حتى فقد عقله ، تجاهلي كلامه يا سيلين

– المصيبة يا صديقتي أنني سأكون طرفًا في خطته المخبولة ، لقد حمّلني مسؤولية صرف انتباه نائب رئيس الجامعة

– ماذا تقولين ! ما شأنكِ أنتِ به !؟

– لقد هددني

-بالكهرباء !! اخبري زوجته فهي تخاف علينا ، ليس له سلطة على الطالبات

– لا ، لقد أخذ رسالتي ، ولن يعيدها حتى أفعل ما يريد

– هذا النذل الحقير ، ماذا سنفعل ؟

– لا أعلم ياصديقتي ، لكنّ عملي سهل بالمناسبة ، علي أن أجد أسئلة أُشغل بها النائب

– ولماذا لم يعطك البدين أسئلة ؟

– يراها تفاصيل إبداعية متروكة لاجتهادنا

مرت ساعتين ولم تجد الفتاتين سؤالًا واحدًا يرضيهن ، فذاك سؤال محرج ، وهذا ناقص ، وذاك إجابته سريعة ، وللأسف رنّ جرس الجامعة الأكبر آذنًا ببدء احتفالات يوم فونتا العظيم ، نظرت سيلين بارتباك لصديقتها ، فقالت : لا تقلقِ يا سيلين ، ستجدين الإلهام في الساحة .

رغم سعة الساحة إلا أنها ضاقت بهذا العدد الغفير من الطالبات والطلبة ، كيف لا والغياب عن هذا اليوم المقدس يعتبر جرمًا من الدرجة السادسة يحاكم صاحبه بوسم فيليان الشيطان ، فلا أحد يكره فونتا العظيم سوى مَن سكن قلبه آثار شيطان فيليان ، ومن يوسم بهذا الوسم يُمنع من العيش في مدن الجزيرة ويحرم من الشراء والبيع فيها حتى يموت ميتة تليق بأفكاره الغريبة عن الناس.

ما مرت دقائق على هذا الاجتماع حتى أحسّت سيلين بالكره المتطاير من أعين الطلبة تجاه بعضهم ، فالجميع يعلم أنّ هذا اليوم حرب لإعلاء تخصص واحد عن سائر التخصصات ، وأنّ أصحاب التخصص الأعلى سيلقون جزاءً حسنًا من القائد رومارك كما أقسم المعلمين على هذا .

حاولت سيلين الابتعاد عن هذا الجو المشحون ، وذهبت لكرسي قسمها .

كانت تسع الكراسي في الساحة لخمسة أشخاص لكل قسم كرسيه الخاص ، جلست سيلين في الكرسي الخاص بقسمها ولم يجلس بجانبها أحد فمعظم زملاءها وزميلاتها مشغولون للمعركة المنتظرة ، سواء بالاستعداد أو الاختباء .

وبينما هي جالسة تنتظر الإلهام المنتظر ، تفاجأت بأحد الشباب الغرباء يأتون إليها ، شاب نحيل حاد الفكين ذو أنف صغير ، كان الشاب مميزًا بهيئته الغريبة المُهيبة ، خاصةً بوجود هذا الحرق الصغير أسفل شفته اليمنى ، قدم إليها وهو ممسك بكتاب عنوانه “سطور جزيرة لكأ” ، كان وجه الشاب غريبًا على سيلين فلم يكن من طلبة قسمها ، وزاد ذلك من استغرابها .

عندما وصل إليها رحب بها ترحيبًا هادئًا لم تشعر به الفتاة التي انشغلت برسمة الحرق الغريبة على وجهه ، صمت قليلًا منتظرًا ردًا منها على تحيته ، لم يجد ردًا فقال : ‘إنّ كرسي قسمي ممتلىء فهل لي أن أجلس هنا ؟ ‘

– ‘ أعتذر إليك لكن هناك قانون يمنع طلبة الأقسام الأخرى بالجلوس على كراسي التخصصات الأخرى ‘

– ‘ إنني معذور ، لدي الإذن من رئيس الجامعة ، انظري’

فأخرج ورقة موقعة مذكور فيها الإذن ، نظرت له باستغراب وقالت : ‘ لا بأس إذن ، لكنك تعلم أنّ هناك معركة ستحصل هنا ، صحيح ؟’

– ‘ أعلم هذا ، لكني أخذت إذنًا من رئيس القسم على عدم المشاركة بالمعركة ‘

– ‘ كيف !؟’

ابتسم وأشار لجسده وقال :’ ماذا يريدون بوهين مثلي في معركتهم ؟ لن أفيدهم بشيء ‘

– ‘ لكن كيف ؟ كيف يسمح لك الجميع بما تريده !؟ نحن نعيش في سجن هنا ‘

صمت الشاب بضعة من الوقت وبدأ بالنظر لمن حوله ، ثم أشار لسيلين بالجلوس فسمحت له ، فجلس بجانبها ثم قال لها بصوت خافت :’ من أجل دمي يا فتاة ‘

– ‘ دمك !؟ هل أنت مريض ؟ ‘

– ‘ لا ، لكني أعتبر الحفيد الوحيد لأحد عظماء هذه الجزيرة ‘

نظرت له باستغراب واندهاش وقالت : ‘ من أنت ؟ ‘

قال لها : ‘ سيرين ، ابن المرأة التي تُعتبر الحفيدة الوحيدة لجيوفان ‘

قامت سيلين من مكانها وقالت له : ‘ جيوفان الملك !؟ ‘

…………………..

رأيان على “قصة : حدود من ورق || الجزء الثالث

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: