قصة : حدودٌ من ورق || الجزء الرابع

………………….

في حال أنك لم تقرأ الأجزاء السابقة ، الرجاء النقر على العناوين

حدود من ورق || الجزء الأول

حدود من ورق || الجزء الثاني

حدود من ورق || الجزء الثالث

…………………….

جيوفان الملك

عندما حكم  جيوفان شعب جزيرته أقسم على نفسه تكفير خطيئته الوحيدة ، فأخذ بتطوير جزيرته ، فأُقيمت المناجم ، وشُيدت السفن ، وبدأت الجزيرة الصغيرة بالتعرف على جاراتها من الجزر ، فأُنشئت السفارات ، وتوسعت الأسواق ، فصارت جزيرة لكأ وطنًا يسعد به مجتمعه ، وأحبّ الشعب ملكه الجديد جيوفان رغم أنه لم يكن يحب نفسه هكذا.

وبعد عقدين ، في إحدى الأيام ، اجتمع جيوفان مع زمرة من شعبه في مجلسه الواسع ، والذي كان بجوار هذا المسرح المشؤوم الذي قُتل فيه أخت فونتا وابنها فيليان .

نظر جيوفان للجالسين والجالسات في مجلسه وقال لهم : ‘ أتعلمون لماذا جمعتكم هُنا ؟’

ردوا عليه :’ خيرًا يا ملكنا ، ما جمعتنا يومًا إلا على خير ‘

ابتسم جيوفان لهم ثم صرخ مناديًا لابن فونتا الذي اشتد عوده ، وثقلت مشيته ، وخشن صوته ، فما عاد طفلًا اليوم ، بل بلغ عزة شبابه ، وهو رجل اليوم .

أتى ابن فونتا وجلس بجانب الكهل جيوفان ، قال جيوفان لمن مجلسه وهو يرى ابن فونتا : ‘ اليوم يبلغ ابن فونتا جيليان الثانية والعشرين من عمره ،وكما عاهدتكم قبلاً فالحكم له ، وهو ملككم اليوم ، لا أنا ‘

لم يترك جيوفان لشعبه فرصة واحدة ، فقد قام مودعًا لهم ، تاركًا جيليان الشاب أمام شعبه وحيدًا .

لكنه ما ابتعد كثيرًا حتى لحق به جيليان آمرًا إياه بالتوقف كأول أوامره الملكية ، وذلك ما حصل ، فقد توقف الكهل منتظرًا وصول الشاب الوهين  إليه .

كانت لهثات الشاب واضحة عليه فما كان رجلًا قويًا كأبيه فونتا أو جده لكأ ، أمسك جيوفان بكتفي جيليان وقال له : ‘ ما الأمر الذي يطلبني بشأنه صاحب الجلالة ؟ ‘

ردّ الملك اللاهث : ‘ لماذا تركتني هكذا دون إنذار ؟ ، لا زلت أحتاجك وأنت تعرف هذا أكثر مني !’

صمت جيوفان قليلًا ثم قال : ‘ سامحني على ردي لكني لا أقدر على الاستمرار ‘

-‘ كيف لا تقدر ؟! لقد استطعت حكم الجزيرة لعشرين عامًا ولا زلت قويًا ، كيف لا تقدِر وأنت تستطيع الوقوف أمامي !!’

–   ‘ نعم جسدي يقدر لكنّ قلبي لا ، ليست القدرة منوطة فقط على بدنك يا بني ، بل هذا المخلوق الصغير الذي ينبض في صدورنا  هو المقرر الوحيد على استطاعتنا ، وفتوره يعني ضعفنا ، وتوقفه لا يشير إلا لمماتنا .’

‘ أما قلبي يا جيليان فليس بالوهين ولا بالمطعون ، بل هو مكسور بجرمي ، وعليل بسوءي ، لقد ارتكبت جُرمًا لو علمته لما تركتني إلا في غياهب السجون ، وأمرت الناس بجلدي بالسياط ، وخنقي بالسلاسل ، ولن يغير في جرح قلبي شيئًا ، أنا المجرم ، فهل للمجرم مكانة ؟ أنا الطاعن ، فأين ثأر المطعون ؟ أنا السفاح ، فهل من بقاء معي ؟ ‘

تعجب جيليان وثارت عيناه استغرابًا في كلام الرجل الذي يراه بمنزلة أبيه ، فهو الذي  لاعبه في الطفولة ، وأرشده عندما صار صبيًا ، فهو المعلم المصحح ، والأب الموجه ، فأنى لهذا المَلاك أن يكون مجرمًا .

قال جيليان : ‘ لا تظن أنك ستهرب مني عندما تبذر في قلبي بذور كرهك ، فلستَ  بالمجرم ، حتى وإن خرج أبي من مماته وأقسم على جرمك وشهد عليه جدي ‘

لم يكن جيوفان مصغيًا لجيليان ، بل على النقيض ، فقد كان يتأمل المسرح خلف هذا الشاب مُستذكرًا صرخات هذه المرأة المسكينة التي قُتلت ظلمًا ، متخيلًا نظرات ابنها الحائرة تجاه الناس الذين شاركهم شغفه ، وحاورهم بفكره ، وبكى معهم في مآتمهم  قبل أن يرقص معهم في أفراحهم ، وكيف آلت نهايته مقتولًا منهم مع والدته الذي ظل ممسكًا بها ، لعلها توقظه من منامه وكابوسه فهو لم يصدق أنّ هذا الواقع حقيقة ، وأنّ أحباب الأمس صاروا قتلته اليوم ، فقضوا على حياة شاب بريء بحماقتهم وجهلهم ، شاب كان يملك الكثير من العطاء للجزيرة .

وتذكر أيضًا لعنات أصحابه الذين خُنقوا بسببه ، الأصحاب الذين كان يصبح عليهم في الصبح ويمسي على سخرياتهم في المساء ، الأصحاب الذين استمعوا لنكاته السمجة ، ولأحلام يقظته المجنونة ، وتقاسموا معه مائدتهم ، هؤلاء الذين شهد عليهم زورًا وكذبًا ، فقتلهم بلسانه .

 كانت صورهم وصرخاتهم تتمثل في المسرح بنظر جيوفان ، فاقشعر بدنه ، وضاق صدره ، فكأنّ الأرض ابتلعته بزلزال أو أنه هوى في كهف تسكنه الوحوش والخفافيش ، فلا يسمع سوى صرخاتها ، ولا يرى إلا موحشها ، وكان هذا الحال شديدًا على الكهل المسكين .

‘ أتسمعني يا جيوفان ؟ ‘

نظر جيوفان للملك الشاب ثم أغمض عيناه محاولًا طمس تلك الصور والأصوات المأسورة في عقله ، ثم قال : ‘ أوه ، نعم أسمعك يا بني ، أظنني منهكًا لا أكثر ، أعطني بضع أيام أرتاح فيها وبعدها سأسعد حتمًا بخدمتك  ‘

ثم اقترب جيوفان للملك الشاب وضمه باكيًا ، وهمس بادنه قائلًا : ‘ عدني يا بني أن تكون خيرًا منا ، ارأف بشعبك ولا تقل لهم إلا خيرًا ، فإنهم جبلك حينما تشتد رعود العدو بك ، وهم قلبك الذي تعيش به ، فلا تجرح قلبك وتطعنه أبدًا ، إنها أفعال يا بني إن فعلتها طابت لك الحياة وأهلها ، وإن أعرضت عنها فلن تعيش إلا مُكتئبًا  مكسورًا ، يا بني ، دع عنك الاحتقار وكُن حسن المعشر طيبًا ، لعلّ الأيام ترد جميلك وتُخلدك في سماءها محبوبًا كريمًا ‘

ثم تركه حيرانًا وحيدًا.

توجه جيوفان إلى بيته الصغير القابع في شرق جزيرة لكأ ، وعندما دخل على زوجته قدِم إليه ابنه ذا الأربع سنوات وتعلق في قدمه فرحًا بأبيه ،  وبادله الأب بنفس المشاعر ، فحمله وبدأ بقذفه بالهواء بكل ما يستطيع من قوة ، وهو على هذه الحال حتى اقتربت إليه زوجته والبسمة تملأ محياها ، فلما رآها شعر بالخجل ، فاحمرت وجنتاه وأمسك دموع عيناه ، فقال لها : ‘ أيمكنكِ تنويم ابننا الآن ؟ ‘

استغربت الزوجة من أمر زوجها خاصة أنّ مغيب الشمس لم يمر عليه سوى بضع دقائق لكنها أذعنت لزوجها فذهبت بابنها ولاعبته قليلًا ، وحكت له كثيرًا حتى استولى عليه النعاس فانغمس بأحلامه مرتاحًا .

أما جيوفان فقد كان يحتسي قدحًا من الخمر لحين مجيء زوجته ، فلما أتت زوجته رأته وهو على حالة من السُكر لم ترها منه يومًا ، قالت له : ‘ كفاك يا جيوفان ، إن جسدك مليء بالفعل من هذا الشراب ، أتريد قتل نفسك أم ماذا ؟’

عندما سمع جيوفان كلمات زوجته استقام بجلسته وبدأ بالنظر إليها تارة والنظر إلى شرابه تارة أخرى ، قال لها : ‘ كانت هذه القنينة هي أول قنينة قايضتها مع البلد الذي يجاور جزيرتنا في أول رحلة بحرية لنا ، كنتِ وقتها لم تبلغي الخمسة عشر عامًا ، فتاة صغيرة مُعجبة بملكها العادل ، الملك الذي غيّر حياة أهلها وأصحابها ، ثم جعل الجزيرة التي وُلدت فيها مُزدهرة عزيزة ، فهل توقعت الفتاة أن الأيام ستجمع بينها وبين قدوتها وتكون له زوجة بعد عشر سنين ؟

ثم تحمل ابنه الوحيد وتصير له أمًا ؟ وهل علِم هذا القدوة أنّ القنينة التي قايضها لا زالت معه بعد كل هذه السنين ؟ ‘

-‘ إنني مُدينة للأيام إذن ، الأيام التي جمعتنا معًا ‘

أنزل جيوفان قنينته ثم بدأ بتأمل وجه زوجته الخجول وكأنه يحاول جاهدًا حفظ صورتها في ذاكرته ، قال لها : ‘ بل أنا المحظوظ الذي أتته مَلاك من السماء رغم كل ما فعل ، وأعطته الأيام ابنًا زكيًا من هذه النقية مع أنه لا يرقى لها ، أخبريني يا تيلا ، ماذا ستصنعين عندما ترين الملك التي تزينت صورته بقلبك قاتلًا ؟ ‘

تجهمت الفتاة وتغيرت ملامحها والحيرة تعتصرها ، أما جيوفان فقد أنزل رأسه وبات ينظر للأرض دون أي انفعالات ، قامت إليه وقالت له : ‘ لقد غلبتك السكرة يا جيوفان فدعك من الكلام واستلقي بفراشنا ولتنم ، وثق أنني لن أسالك عما قلته اليوم ‘

قال لها :’ إنما السكرة لتجعلني شجاعًا أمامكِ ، وصادقًا معكِ بحقيقة أمري ، وسواد قلبي ، أرجوكِ تحمليني هذا اليوم ، وبعدها افعلي ما تشائين ، ستجدين رسالة مكتوبة بخطي تحت فراشنا ، اجلبيها ‘

ذهبت تيلا متثاقلة الخطى إلى الفراش وجلبت تلك الرسالة ، ولما جلبتها إليه أشار لها جيوفان بقراءتها ، فلمّا فتحتها وبدأت بقراءتها ، وما انتصفت من قراءتها حتى بدأت الدموع تتساقط من عينيها ، ثم قالت له : ‘ هل أنت جاد ؟ ‘

ردّ عليها : ‘ وددت لو لم أكن ‘

[ وأما بقية الرسالة فهي موجهة لك يا بني وحفيدي ، وحفيدتي ،  يا بني ، لقد أوصيت أمك أن تُريك هذه الرسالة عندما تبلغ الثلاثين ، ها أنت عرفت أنّ جيوفان الملك العظيم كان مجرد قاتل وربما صرت تندب حظك أنك صرت ابني ، لكنّ علي توريثك كل شيء مني ، ومنها هذه الحقيقة ، فلا تكن مجرمًا مثلي حتى وإن وعدوك بالكنوز ، فإنّ للضمير مخالب ، فلا تمكنه بالبطش بك ، ولا تحاول قتل ضميرك فمن مات ضميره فليس من البشر .

لا بأس بلعني ، ولا ضير ببغضي ، فما مشاعرك إلا نتاج أفعالي ، وحقارة أمري ، لكن اعلم يا بني أنني نادم على فعلتي ، وسأحاول إرضاء ضميري بما أراه صوابًا ، فلا تحزن إن عرفت مآل أبيك ، ولا تغبط أصحابك على أحوالهم ، فإن أباك يحبك حتى وإن كان مجرمًا .

وأخبر أبناءك وبناتك إذا بلغوا نفس عمرك عندما قرأت رسالتي ، ولتكن وصيتي توريث رسالتي هذه لجميع ذريتي إن بلغوا الثلاثين ،  حتى يقرأها أحفاد الأحفاد وأحفادهم ، ليعلموا أنّ جدهم الأكبر كان مخطئًا ، فلا يتبعون سبيله أبدًا ]من أبوك .. جيوفان الملك

قالت له : ‘ هل أنت جاد ؟ أتريد أن يعلم ابننا بجرمك إذا أتم الثلاثين ؟! ‘

-‘ نعم ‘

–   ‘ لكن لماذا ؟! ، لماذا تريد تدمير نفسك هكذا ؟ سأحفظ سرك ، وسأحتمله في قلبي ، رغم فظاعته وقبحه ، لكني لن اجعل ابني يكرهك ويبغضك ، لن أدمر حياة ابننا وأجعل صورة أبيه مهشمة في وجدانه ! لن أفعلها يا جيوفان ‘

قام جيوفان من كرسيه ثم قبّل جبين زوجته وقربّها إلى صدره وقال لها : ‘ أعلم أنني أحملك ما لاتطيقين لكني أترجاكِ أن تفعليها من أجلي ، يجب أن يعلم ابني جريمتي كي يتجنبها ويستقبحها ،  أرجوكِ يا تيلا لا تحرميني من تصحيح أخطائي ، أرجوكِ يا تيلا لا تكسرين قلبي فما بقي منه موضع سليم ‘

نظرت إليه والدموع تملأها : ‘ لكنه ابنك ، لماذا تفعل به هذا ؟ ‘

لم يحتمل جيوفان مرأى زوجته فسالت دموعه معها ، وضاق قلبه لأجلها ، فأنزل رأسه على كتفها يحاول تلميم ما تبقّى من رباطة جأشه ، وجسارة نفسه ، قال لها : ‘ لأنني أكره نفسي يا تيلا ، لأنني أستحق هذا يا تيلا ، لقد دمرت نفسي أمامكِ فهل تظنين أن لصورتي قيمة باقية بعدكِ ، أدرك تمامًا أنني أؤذيك بطلبي ، لكني أناجي ما  تبقى فيكِ من حب لي ، أنتِ زوجتي وشريكة أمري ، أرجوكِ لا تكوني خصيمتي فقلبي أضعف من مجابهتكِ ، من أجلي ومن أجل ابننا وذرياتنا ، عليهم ألا يصيروا نُسخًا مني … أعينيني  ‘

ثم ضمها ..

ثم مال جيوفان لقنينته وأخذها وودع زوجته والدموع لا زالت تغطي وجهه ، قال لها وهو يخرج من البيت : ‘ بقيت لي صنعة واحدة لأُسكت ضميري إلى الأبد ، كوني سعيدة ‘

كانت ليلة دامسة ، لم يظهر فيها هلال ولا قمر ، يسير جيوفان متخبط الخُطا كثير السقوط ، وهو على هذه الحال حتى وصل إلى المسرح الملعون ، الذي صار مهجورًا ، قديمًا باليًا .. دخله جيوفان والقشعريرة تلتف بجسده  ، والتفكير يحمو برأسه ، والندم يقبض بقلبه تارة ، والحزن يعتصره تارة أخرى ..

بدأ جيوفان بتأمل الأرض التي سال فيها دماء أصحابه وأخت فونتا وابنها ، فجلس وأخذ من ترابها وقال : ‘ عجبًا من هذه الأرض يا رفاق ، لم تمتنع هذه الأرض من ابتلاع دمائكم رغم أنكم الأبرياء ، عجبًا يا رفاق ، يلعنكم الجميع ، ويقدسونني ، يجرمونكِ يا سيدتي ويبجلون أخاكِ المحتال ، لا أعلم إن كان هذا سيهون عليكم من الأمر شيء لكنّ فونتا طعن نفسه بسببكم ، أما أنا فاحترقت من دمائكم عشرين عامًا ، وأبشركم أنّ حرقتها اليوم لا زالت تحمل نفس الشدة التي كانت عليها قبل عشرين عامًا .’

‘ نعم إنني مجرد جبان لم أخبر أحدًا بجرمي وجرم فونتا سوى زوجتي وربما ابني ، ولا عذر لي يا رفاق ، لقد زُينت الحياة عندي ، وأحببت لحن مناداتي بالملك ، فآثرت حمل حرقتكم في قلبي كي لا أُحرم من زينة الحياة ، لكني ما نمت يومًا إلا وأرى أرواحكم تؤذيني ، وأصواتكم تهجوني ، فقد صرت أسيرًا لكم ، مع ذلك فإني لم آتي اليوم باحثًا عن عفوكم ، وطالبًا إياكم بتركي ، فأنا أستحق تجرع تبعات فعلتي ، وحمل أوزار جريمتي، لكني أطلبكم اليوم ، أن تستقبلوني عندما أذهب إليكم ، ولا تعذبوني كما عذبوتني في هذه الحياة ‘

وبينما جيوفان على أمره أتاه أحد الخفافيش على رأسه فصدمه ، وسقط جيوفان على إحدى الصخور فسالت دماءه ، بدأ بالتماس الصخرة والدوخة تتلاعب فيه فصرخ ضاحكًا ، وقهقه طويلًا ، ثم قال : ‘ أهذا هو ردكم ؟

تعالوا واقتلوني وأريحوني من ذنبي ،  أين سيوفكم فتأخذوا روحي ؟ أين قبضاتكم فتبطش بي ؟ أين أنتم يا رفاق الأمس ؟ ها أنا ماثل أمامكم ، فأين أنتم مني ؟ ‘

ثم ألقى قنينته وكسرها ، فأخذها وبدأ يهزها على حلقه ويقول : ‘ لقد بعتكم لأجل هذا ، فتعالوا اقتلوني بها ، أعطوني إشارة واحدة ، وسأفعلها لكم ، لماذا أنتم صامتون لا تحدثوني ؟!  ما بالكم ! ، أتركتموني ؟ ألا ترضيكم تضحيتي ؟  وبيعة روحي ؟ أرجوكم .. أرجوكم ، واسواني’.

لم يحتمل جيوفان حمل قنينته المكسورة فسقطت منه، ثم سقط على الأرض التي قتل الأبرياء عليها ، فسجد باكيًا ، ممسكًا بترابه راجفًا ، ثم همس والتراب قد التصق بوجهه الباكي : ‘ لأني جبان .. نعم لأنني جبان ، أتسمعوني ؟’ ثم بدأ بضرب الأرض وصرخ ‘ لأن جيوفان الملك العظيم مجرد جبان ، ألا تسمعوني !!! هل صُرتم صمًا اليوم ؟!  حدثوني إذًا أم أنكم بكمٌ لا تتكلمون ، خذوا حقوقكم من جيوفان الملك ، أيها الجبناء ‘

وبينما هو ينتظر ردهم انسل ضوء من القمر الذي انزاحت عنه الغيوم ، فتسلل الضوء بين جنبات سقف هذا المسرح حتى سقط على وجه جيوفان فأغمض عيناه من شدتها ، لكنه بدأ بسماع أصوات غريبة ، وما إن فتح عيناه رأى منظرًا عجيبًا ، رأى الخفاش الذي ارتطم به قبلًا بدأ بصدم تلك القنينة والدماء تسيل منه ، ورغم ذلك فالخفاش مستمر بصدمها ، شعر جيوفان أنّ في حركة الخفاش معنى ، فقام إليه وأمسكه ثم ألقاه بعيدًا عن قنينته المكسورة ، ثم أخذ تلك القنينة ودفنها ، ثم أخرج خنجره وطعن قلبه ، مرة ، واثنتان ، وثلاث … حتى بدأت الدماء تسيل من صدره ، قام بعدها واقترب للتراب الذي مات عليه أصحابه ، فاستلقى عليها تاركًا خنجره ، والدماء تسيل منه ، وضوء القمر يغطي وجهه المُتعب المكسور … نظر لهذا الضوء ثم قال : ‘ لقد طعنت نفسي بخنجر فونتا الذي قتل نفسه به ، لعلّ أحزانكم تخف يا رفاق ‘

ومات عقبها..

-‘ أتعلم بوجود كنز في مسرح لكأ الملعون يا جيوفيك ؟’

-‘ لكننا لا نقدر على دخوله ، ألم تسمع ما قاله أبينا عن الأرواح التي تحرس المسرح وتقتل كل من يدخلها ؟ إنّ عرش الوحش فيليان بذاته موجود فيه ! غير روح أمه الشريرة التي تبحث مع خدمها عن الأطفال وتأكلهم   ‘

–  ‘ يالك من أحمق ، سنذهب بالصباح ، تلك الأرواح تهرب من الشمس بالتأكيد ، أيضًا نحن لسنا أطفالًا ،عمرك عشر سنوات وأنا أحد عشر ، لن تلمسنا الأرواح بسوء ، أنت تعرف أنّ الكنز الموجود هناك سيجعلنا أغنى من الملك جيليان ذاته ، وسيكفي أحفاد أحفادنا ‘

–  ‘ وأنا أريد الذهاب معكم أيضًا يا زوفين ‘ ‘ لكنكِ صغيرة يا إيملين ‘

–   ‘ الفرق بيننا سنتين فقط ، لو أتت روح الأم الشريرة ستأكلنا جميعًا ، لن تأكلني وحيدة’

–  ‘ حجتها قوية يا أخي ‘

–  ‘ حسنًا حسنًا ، ستذهبين معنا ‘

..

ذهب الأخوة الثلاثة إلى المسرح الصامت والارتباك ظاهر على مشيتهم المرتجفة ، يلتفتون يمنة ويسرى لعلّهم ينجون من الوحوش حينما يرونهم ، وبينما هم برحلة بحثهم صرخ أحد الخفافيش ، كانت تلك الصرخة كفيلة بإلقاء الخوف في وجدانهم ليهربوا خارجين من المسرح  ، لكنهم لم يبلغوا مترين بعد خروجهم حتى استوقفهم أخاهم الأكبر زوفين قائلًا لهم : ‘ لماذا نهرب ؟! إنه مجرد خفاش أضاع طريقه يا حمقى ، إن كنا نريد كنزنا فعلينا الإسراع بأخذه قبل انتباه الناس له ‘

وحقًا انصاع الاثنين لأخيهم ودخلوا مرة أخرى لكن هذه المرة كانت خطواتهم أثبت فقد باتوا متقاربين ممسكين بأيدي بعضهم ، وبينما هم على هذه الحال حتى تعثرت أختهم برأس جيوفان ، فضرخت باكية من هول ما رأت ، وطفق إخوانها يصرخون معها فهربوا حتى لقوا أحد رجال الملك جيليان ، فأخبروه الخبر ،فبهت وجهه  ، وتكشرت ملامحه ، فذهب راكضًا للملك الذي أعلن فور علمه بإرسال جيشه وهو على رأسهم لاخراج ملكهم جيوفان من قبضة شياطين المسرح .

فلما أتاه ورأى حاله ، ركض مسرعًا إليه يضمه بدموعه ، ويقبل رأسه كأنما إحياءه بها ، لكن الموتى لا يتحركون ، ولا يتجاوبون ، فأمر جيليان بإحراق المسرح ثأرًا لمعلمه المقتول ، ونادى بزوجة جيوفان الأرملة ليعوض فقدها ، ويواسي ألمها ، ويهون على ابنها المكظوم.

وشعبه المحزون … فبئسًا بالشيطان فيليان وأمه ، والرحمة على جيوفان الملك وسيده فونتا .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: