مُراجعة رواية : الفتى النبيل

الكاتبة : فرانسيس هوجست بيرنت

المترجمة : بثينة الإبراهيم

عدد صفحات الرواية : ٢٢٤

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : تُعتبر الرواية من الكلاسيكيات البسيطة الخالية من التعقيدات ، إلا من بعض المُسميات البريطانية لكن المترجمة شرحتها في هوامشها ، لذا لا تحتاج للبحث عن شيء لفهم النص ، ربما تبحث عن القصور بعد القراءة

؛)

صحيح ، ربما علي ذكر أمر لتعش تجربة قراءة الرواية بشكل أكبر وأمتع :

– هناك عداوة تاريخية بين أمريكا وبريطانيا لأن الأولى قد استقلت عن الثانية بسلسلة من الثورات ولا زالوا يحتفلون بالاستقلال حتى اليوم ، لذلك هناك عداوة بين الشعبين ، مثل عداوة فرنسا وبريطانيا القديمة ، وفرنسا وألمانيا ، فلا تستغرب من التلامز الممتع بينهم في سطور الرواية ، بل استمتع به

….

مقدمة …

لم يبدر في عقله البريء الساذج الصغير وجود أشخاص ينسون الإحسان

أن تكون لوردًا أو تكونين ليدي ، أن تعلم وتعلمين أنه كان لك جدٌ أتى قبل مئات السنين فعاون ملكًا بشجاعته ، فنصره ومكّنه على الحكم ، ثم أكرم هذا الملك جدك بلقب يظل مع نسله أبد الدهر ، أتراه أمرًا جميلًا ؟ وتتمنى أن تصبح من هؤلاء ؟ أو أنك تراه مجرد لقب لا جدوى منه ، أو تظنينه حمل أنتِ بغنى عنه

ماذا لو قيل لك أنك ستصبح بعد إيرل ، وأخبروكِ أنك ستصبحين كونتيسة غدًا ، ما قولكم الآن ؟

ماذا لو أخبرتكم أنّ لهذا اللقب واجبات كما له من مزايا ، فهو إن أعطاكِ مكانةً بين الناس ، ووهب لكَ أموالًا من حيث لا تدري ، فإنه يُلزمك بالإلتزام بقواعد وجب ألا تخرقها ، وألا تتجاوزيها ، فلا تصادق أحدًا من عامة الناس ، ولا تصاحبين إلا من هم بنفس دمك ” العريق ” فجريمة هي أن تتوددين لخادمتكِ ، وأن تأنس بحياتك ، فلك قلعة تغنيك عن البشر ، ولكِ لقب رفعكِ عليهم ، فما الحاجة فيهم ؟

هل تتمنون اللقب الآن ؟

لكن ماذا لو قلت أنكم ترعرتم في طفولتكم بمنزل متواضع لطيف ، مع والد طيب وأم لطيفة ، فعشتم على حياة ميسورة متواضعة مقتنعين مسرورين فيها ، فقضى الله أن يموت أباكم ولم تبلغوا حتى العقد الأول من عمركم ، فتبكون على فقدانه شهورًا وأسابيع ، ثم يأتي مبعوث وأنتم على هذه الحال فيقول : إنّ جدكم الإيرل يريدكم فأنتم ورثته الوحيدون

ماذا ستفعلون مع هذه الحقيقة الصادمة ؟

إن لم تستطيعوا التخيل فيمكنكم قراءة رواية  الفتى النبيل 

وإن استطعتم تخيلها ، فعليكم أيضًا بقراءة الرواية

؛)

القصة باختصار…

تحكي القصة عن الطفل سيدريك الذي وُلد لأم أمريكية وأب بريطاني كان ابنًا لأحد اللوردات ببريطانيا ، لكنه ترك بلاده مُرغمًا لأن أبيه كان يفضل أخويه الأكبر منه وكان ينوي توريث أحدهما لقبه .

ندم الأب بعدها وفكر بدعوة ابنه للعودة لكنه تفاجأ أنه امرأة أمريكية ما زاد من حنقه على ابنه وتبرئه منه ( السبب يعود لعداوة تاريخية بين الشعبين ) وعدم استقباله  أبدًا في قصره 

من أجل هذا يعيش الطفل سيدريك حياة عادية متواضعة لا تشبه أبدًا حياة النبلاء البريطانيين بل لا يعلم أنه منهم ، فيصادق الفقراء المساكين الذين هم بنفس منزلته ، ويتلطف للعاملين الطيبين وإن كان هذا من ” المهالك ” عند مجتمع اللوردات لكنه لا يعلم ذلك … فتمضي الأيام حتى يُقضى بموت الأب المفاجئ وأخويه

ومن أجل توريث الاسم ، يستدعي الجد حفيده الذي هو وريثه الوحيد للسكن في القصر ، الحفيد المُتأثر بشدة بحياة البسطاء 

كُتبت الرواية في القرن التاسع عشر ، لذا تُعتبر من الأعمال الكلاسيكية 

ملاحظة : موت أب سيدريك مذكور في الصفحة الأولى من الكتاب ، لم أحرق شيئًا 

مراجعة الرواية .. 

همسة بسيطة : هذه الرواية ذكرتني بالدوق هاري حفيد الملكة البريطانية إلزابيث زوج الممثلة الإمريكية ميقان ، أجد تشابهًا لطيفًا جعلني أستمتع أكثر بقراءة الرواية  : )

إنذار : ستجد/ين في المراجعة حرقًا قد تُفسد عليك متعة قراءة الرواية ، انتقل/ي لما بعد النقاط في حالك أنك لم تقرأ/ي الكتاب بعد

ماذا سنفعل عندما نعيش حياةً أخرى لم نتوقعها ؟ 

 سؤال قد يكون هو النواة الذي كوّن هذه الرواية ، فالطفل سيدريك الذي كان يعيش حياة المساكين  يجد نفسه لوردًا يرث أراض ذا مساحات شاسعة ، فماذا سيفعل والمال والنفود باتت بين يديه ؟

رغم مثالية الأحداث إلا أنّ أسلوب الكاتبة واتقانها لتجسيد شخصية الطفل البريء كان عظيمًا ، وهذا الأمر لم أتوقعه صراحة خاصةً أنّ لي تجربة سيئة مع روايات أبطالها من الأطفال مثل رواية إمبراطورية الشمس

استطاعت الكاتبة فرانسيس تجسيد شخصية الطفل بأفضل صورة ممكنة ( بالنسبة لي ) ، هذا التمكن الذي جعلني لم أشعر لمرة واحدة أنني أقرأ لشخصية كبيرة ، ربما يجد البعض أنّ تجسيد شخصيات الأطفال أمر سهل لكني أؤكد أنه أمر صعب يفوق تجسيد أي شخصية أخرى ، إنّ إتقانها جعلني أفكر أنّ النساء أفضل بتجسيد هذا النوع من الشخصيات منا ، فمؤلف إمبراطورية الشمس رجل ، ولأنني مُتحامل عليه فإني مقتنع هذه الفكرة ؛)

الرواية أعتبرها من أخف الروايات التي قرأتها لسلاسة الكاتبة وبساطته إضافة إلى تميزها بالجانب الفكاهي فهي الكاتبة البريطانية الأولى التي أضحكتني في أكثر من موضع خاصة في حوارات الجد الصارم وحفيده الطفل البريء ، هذا الأمر الذي جعلني أتجاهل طريقة سرد الحوارات  في الرواية والذي لا أحبه أبدًا

أسلوب الحوار في الرواية يعتمد على عرض المقولة ثم ذكر قائلها ثم إكمال الحوار أو إنهائه ، مثال :

” لا تقرأ المراجعة ” قال عبدالله ، ” قلت لك لا تقرأها وأنت لم تقرأ الكتاب”

أو

” يوجد حرق هنا ” قال عبدالله

كرهي هذا الأسلوب يعود لربطي له بقصص الأطفال التي كنت أسمعها بطفولتي ، لكن هذا الأسلوب كان مشهورًا في عصر الكاتبة مثل رواية الكاتب الأديب ستيفنسون في أيقونته ” دكتور جيكل والسيد هايد ” ، لكنّ فكرة القصة وعبقرية الكاتبة تجبرك على تجاهل هذا الأمر والانشغال بجمال القصة ومشاعره

تتميز الرواية أيضًا بسلاسة الانتقال بين المشاهد وهذا الأمر يعود لتمكن الكاتبة اللغوي وهذه الميزة تجعلك تنهي الصفحات دون تثاقل أو تعب ، لكنّ الكاتبة تنسى نفسها أحيانًا فتنتقل في السرد من الشخصية للأخرى بأماكن مختلفة يجعلك تتشتت قليلًا وتعود وتقرأ الصفحة لتفهم ، فمثلًا تذكر الكاتبة شخصية خادم يشتكي من الأيرل العجوز فتتعمق بذكر الخادم وتذكر جميع مواقفه حتى تصل به إلى كلامه مع الخدم وأهل القرية ، هذا الأمر يشتتك بعض الشيء وقد تنسى الحدث الرئيسي بسبب اسهابها في الموضوع الجانبي ، رغم أنني لا أنكر إتقانها وتمكنها في ذكر المواضيع الجانبية بحيث لا تتثاقلها مثل بعض الكتاب الآخرين .

هذه الميزات التي رفعت من اسم الكاتبة بزغت بقصة تحمل الكثير من المشاعر المتقلبة ، فرغم أنّ الرواية لا يوجد فيها مغامرة واحدة ، أو جريمة قتل ، إلا أنّ العلاقة المضطربة بين أبطال الرواية الثلاث ، الجد الإيرل ، وأمه ، وسيدريك الذي هو حلقة الوصل بينهما ، يجعلك تحترق شوقًا لقراءة مجريات الأحداث ومآل القصة الجميلة ، فمن الجد البريطاني الصارم الذي يحمل أشد الكراهية لشعب أمريكا لأسباب تاريخية ، وكيف أنّ الظروف جعلته يجد ابنها هو الوريث الوحيد لاسم نسله العريق ، هذا غير علاقة الحفيد وجده الرائعة والتي شغفت بها شخصيًا وأُعجبت بها ، كل هذه الأمور جعلتني آلف الرواية وأراها تحدثني ، هذا النوع يُلهمني ويعجبني ، فالرواية الحقة هي التي تستطيع أن تضع أثرًا في قلبك ، سواء كان هذا الأثر جميلًا أو مؤلمًا ، ورواية الفتى النبيل من هذه الروايات بالطبع

رغم أنّ توقع مجريات الأحداث ومآلاتها سهل للغاية لكن ذلك لا ينقص كثيرًا من العمل ، فالعمل كلاسيكي بسيط يصنع البسمة في محياك ، لن يُبهرك بصدمات الروايات البوليسية ؛) 

الرواية والعمل التلفزيوني

للرواية عمل مدبلج أظن أنّ معظمنا لا يعرفه ، أتوقع أنّ مواليد الثمانينات وأول التسعينيات يعرفونه ، لكني شخصيًا لم أشاهده وأحب التعميم على أبناء جيلي ومن بعدهم : )

بعد انتهائي من الرواية شاهدت الكرتون لحبي بالاطلاع على جميع الأعمال المتعلقة بالنص وكيف عرض المخرج هذا المحتوى وجعله محتوى مرئيًا ( والذي أجده أمرًا صعبًا )

أظنني أستطيع القول أنّ قراءة الرواية أفضل بمراحل من العمل الكرتوني حيث أنّ الكرتون أطال بالحلقات عن أب سيدريك وكأنهم يريدون جعلنا نحزن على فراقه ، رغم أنّ موته ذُكر بالصفحة الأولى في الرواية وذكره كان قليلًا جدًا ولا يؤثر حقيقة على مستوى الرواية ، حيث أنّ العلاقة المهمة هي علاقة الحفيد والجد ، والجد الحاقد على أمريكا وتعامله مع أم الحفيد الذي يحبه 

قراءة الرواية تغنيك عن مشاهدة الكرتون ولا أنصح أبدًا بمشاهدة الكرتون قبل قراءة الرواية ، فأسلوب الكاتبة يغنيك عن مئات الدقائق المرئية : )

….

اقتباسات أعجبتني 

إنها بائعة تفاح طيبة جدًا .. مرة حين سقطت وجُرحت ركبتي ، أعطتني تفاحة بلا مقابل ، وذكرت صنيعها دومًا ، فالمرء يتذكر من أحسنوا إليه دائمًا كما تعلم 

كان شديد الأنانية ففوّت على نفسه بهجة رؤية الإيثار لدى الآخرين 

رأى هذا الرجل حياة طويلة لم يتخللها أفعال حسنة أو أفكار رحيمة ، رأى سنوات كان فيها رجلًا قويًا غنيًا ذا سطوة ، استغل شبابه وقوته وثراءه وسطوته لإسعاد نفسه فقط ، حتى قَتل الوقت بتوالي السنين والأيام .. فرأى عندما قُتل الوقت وجاء الهرم ، أنه صار وحيدًا دون أصدقاء حقيقين وسط كل هذه الثروة ، بل رأى أناسًا يبغضونه أو يخشونه ، وأناسًا يتملقونه ويتذللون إليه ، غير أنّ أحدًا منهم لم يهتم حقًا إن عاش أو مات ما لم يكن ثمة شيء يكسبونه أو يخسرونه من ذلك 

أوه يا عزيزي ، أتمنى لأجل سعادتك لو كنت ذكية جدًا أستطيع قول الكثير من الأشياء الحكيمة .

كن طيبًا يا عزيزي ، وتحلّ بها وبالشجاعة والعطف والصدق ، وعندئذ لن تؤذي أحدًا أبدًا ، وقد تساعد الكثيرين ، وقد يصبح العالم الكبير أفضل لأن ابني الصغير وُلد فيه 

إنّ أفضل شيء هو أن يصبح العالم أفضل قليلًا بسبب أحد عاش فيه ، حتى وإن صار العالم أفضل قليلًا

ليس سهلًا على المرء أن يكون ثريًا جدًا ، وإن ملك امرؤ ما أشياء كثيرة جدًا فسينسى أحيانًا أنّ الآخرين ليسوا محظوظين مثله ، وإنّ على الغني دومًا أن يكون حذرًا ويحاول التذكر

أنا لست محبوبًا ولم أكن يومًا .. لكنه يحبني ووثق بي

لن أعيش هناك . أود البقاء قربه – في بريطانيا – وأن أعتني به ، إنّ أمريكا بلاد رائعة للشباب والمتحمسين ، لكن فيها عيبًا واحدًا ، ليس فيها أسلاف ولا إيرلات !!

تعليق عن الاقتباس الأخير : أظن أنه يدل على فقد الكاتبة البريطانية لبلدها وتشعر بالغربة في حياتها بأمريكا : )

….

خاتمة وتقييم

الفتى النبيل من الروايات التي تستحق القراءة ، فهو يظل رمزًا من رموز الأدب الروائي الكلاسيكي ، ومع ميزة بساطته فهو يجعلني أنصح به بكل ثقة للمبتدئين في القراءة ، أو لمن أراد كتابًا يسيرًا يكون له مثل محطة الراحة بعد قراءة كتاب ثقيل مُركز ، الرواية لن تشعرك بتاتًا بالندم كذلك الترجمة

التقييم :٨.٧ /١٠

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: