تدوينة : ما ذُكر بالدساتير العربية في ازدراء الرواية

‏”إن قراءة كتب التاريخ لا تكفي لمعرفة أمة أو حقبة تاريخية ، فبدون روايات بلزاك لا يمكن لكتاب عن تاريخ فرنسا أن يقدم صورة واضحة لحياة مجتمعه … تحدثنا كتب التاريخ عن الوقائع بينما تحدثنا الروايات والقصائد عن حياة الإنسان”

علي عزت بيجوفيتش

قد تكون الرواية إحدى أكبر تصنيفات الكتب المثيرة للجدل في وسطنا المحلي ، وهذه الجدلية لا تنم مثلًا عن نهاية بعض الروايات أو رسائلها بل إنه يصب في سطح أقل تعقيدًا كما أراها ، إن أردنا حصرها بوصف يليق فيها فسنقول : ” ازدراء الرواية “

” إذا دخلت الرواية بيتًا من باب ، خرج المثقف من النافذة “

 

إذا أردنا البحث في تاريخ الرواية وأصولها فسنجد أن ذاكرة كثير من الشعوب تمتلك قدرًا من الأساطير القصصية ، والملاحم السردية ، حتى وإن كانوا يتعاملون معها كحقيقة لا كقصص مُختلقة وأساطير وهمية مثل آلهة الأغريق وصراعاتهم في أوليمبوس أو كالآلهة الاسكندفانية في فالهالا وغيرهم .

 

بالطبع هناك نوع آخر وهي القصص الواقعية الخبرية ، وهي التي تحكي أحداثًا وقعت فصارت قصة يحكيها الناس لبعضهم، وهذا النوع نجده حاضرًا في ثقافة كل الشعوب ، فالقصة فطرة مفطور عليها البشر مهما اختلفت أعراقهم وثقافاتهم ، والحكايا جذر لا يمكن اقتلاعه من أحاديث الناس .

 

ولأن الانسان مجبول على التطوير ، فالقصة كغيرها تعرضت للكثير من التطويرات في مختلف الثقافات حتى وإن اختلفت أشكال تلك التحديثات فإن ذات القصة تظل موجودة سواء في أشعار العربي أو ملاحم الاغريقي وغيرها ، وكانت إحدى نتائج هذه التطويرات ظهور شكل آخر من الحكايا ، قصة مُختلقة ، طويلة محبوكة ، تُدعى الرواية.

 

تُعتبر الرواية إحدى الأشكال الأدبية الحديثة ، بغض النظر عن رواية الحمار الذهبي الرومانية بالقرن الثاني الميلادي ، فالرواية ظهرت بشكل متأخر مقارنة بغيرها ، فهي صورة محدثة من القصة والمسرحية ، بتعقيدات أكبر في في بناء الشخصيات والحبكة وبنطاق أوسع ، لكننا نجد رغم كل هذه الميزات التي تحظى بها الرواية ” أدبيًا ” ازدراءً لا يمكن تجاهله في أوساط كبيرة في مجتمعاتنا العربية ، مما يجعلنا نتساءل ، ما سبب هذا الازدراء الذي صار كأنه دستور سري يجب على المرء العمل به كي يرتفع منزلة ، ويزيد رقيًا ؟

عندما نبحث في حيثيات هذا الازدراء نجد أنه صارعادة يلجأ إليها بعض الذين نضبت مواضيعهم ، فهو من المواضيع الجدلية المتكررة في الوسط العربي الذي يذُكر بين الفينة ولأخرى ولا أخفيكم أنني سمعت الكثير الكثير من النقاط الموضحة لأسباب هذا الازدراء ، سواء من الكتب وأحاديث الأصحاب وحتى موقع التواصل تويتر ، الأمر الذي جعلني أرى التدوين فيه بات ضرورة لمعالجة النقاط الهشة فيها ، والنظر في أسبابها ببيئتنا العربية ، والرد على كثير من النقاط التي رأيتها في هذا الباب .

” الرواية ليست علمًا ، إنها لا تعلمنا المنطق “

إحدى أشهر الحجج الذي يستعين بها البعض للاستخفاف بالرواية أنه يأخذ مقياس إحدى العلوم ويسقطها على الرواية ، والمحزن المبكي أن أشهر الاسقاطات عليه هي بعلم المنطق ، رغم أنّ مقارنته بالأساس مغالطة منطقية حمقاء تمامًا .

كي يتضح الرد ، ماذا لو قلت لكم إن طب القلب ليس علمًا عظيمًا كما تصوره البشرية والسبب في ذلك أنّ هذا العلم لا يعلم صاحبه فهم الدوائر الكهربائية ، لذلك هو علم لا يستحق كل هذا التقدير.

وعلى حجتي هذه ، سيأتي آخر ويقول الهندسة الكهربائية لا فائدة منها لأنها لا تخبرنا كيف نتعامل مع القضايا المدنية ، وسيأتي آخر ويقول وعلم السياسة لا جدوى منه فهو لا يعلمنا كيف نفهم الذرات الدقيقة ، ولا خير في علم الفلسفة لأنّ صاحبه لا يعرف الرسم .

 

رغم طرافة هذه الأمثلة إلا أننا لا نستغرب منها إذا تعرضت الرواية لمثل هذه المقارنات والاسقاطات الجاهلة التي لا تبين لنا سوى أمرًا واحدًا ، أنّ كثير من المُحقرين لا يعرفون أنّ الرواية أدب أصلًا لذلك لا يُنتظر منها تعليمك للنظرية الكمية والكهرومغناطيسية والديناميكا الحرارية عطفًا عن المنطق، فهذا ليس مجالها ولا تُسأل عنه أصلًا .

 

” الفائدة التي ستكسبها من كتاب واحد متخصص ، يضاهي قراءة مئات الروايات”

 

بعيدًا عن الجدلية الكبيرة في هذا الادعاء ، إلا أننا نقع بنفس التناقضات الطريفة التي وقعنا فيها بالقول الأول ، بالطبع إنّ قراءة كتاب متخصص في الذكاء الاصطناعي سيفيدك في صنع آلة لكنه لن ينفعك إن أردت رفع قضية على سارق نذل سرق اختراعك : )

لا يوجد علم في التاريخ يجعل صاحبه بغنى عن جميع أصحاب العلوم الأخرى ، وعليه فلا يمكننا أن نجد علمًا [ بشريًا ] كاملًا ومستقلًا بذاته ، هذا الأمر الذي جعل من الطبيعي وجود المتخصصين الذين نلجأ لمشوراتهم في شتى نواح الحياة ، فنستفسر من الاقتصادي والقانوني والسياسي والطبيب كلٌ بمجاله ، ولا يعني هذا بتاتًا أنّ كتب التاريخ التي قرأناها لا خير فيها .

” تتطلب أكاديمية لينسيان ، التي أعضاؤها هم من الفلاسفة التواقين إلى المعارف الحقيقية ، خاصة الرياضيات ، ألّا يتجاهلوا في الوقت نفسه روائع الأدب وفقه اللغة .
‏فالأدب بمنزلة الرداء الأنيق ، الذي يُزين جسد العلم “

” الرواية لا فائدة لها في الحياة الواقعية “

إنْ نظرنا للرواية ، فإن أول ملاحظة سنلاحظها أنّها تندرج تحت الأدب ، والأدب غالبًا يجد تقليلًا من الناس العمليين وبعض العلميين ولا غرابة في ذلك فكل شخص مُنجذب لما يهواه وما كل النفوس تبحث عن لذة الأدب ومشاعره ، لكن هل يعني هذا أنّ الأدب لا فائدة منه ؟

الاستعارة والمجاز وغيرها من الأدوات الأدبية جزء لا يتجزأ في لغات الناس حتى وإن لم يكونوا أدباء بالفطرة ، فالأنسان ليس ألة بالنهاية لذلك فالتشبيهات جزء أصيل في لسانه لا يمكنه العيش دونه ، فمثلًا يقول ” نفسيتي بالعال ” رغم أنّ نفسيته ليست في السماء ، ويقول ” إن قلبي لا يفارق ذكرك فكأنك تسكن قلبي ” رغم علمنا أنه لو أراد أحد أن يسكن قلبك فسيموت قلبك الصغير حتمًا ، وغيره كثير من التشبيهات التي لا تفارق أحاديثنا اليومية ، وإذا رأينا في القرآن الكريم وقرأنا سورة مريم سنجد هذه الآية الكريمة :{ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا }.

وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تُشير دائمًا إلى الحضور القوي للأدب في مجالس الناس وأحاديثهم.

بعد أن رأينا الانصهار العظيم بين الأدب والإنسان يجعل تحقيرنا لأحد أجزاءها يدل على جهلنا ، بالطبع هذا لا يعني أنّ عدم إعجابنا بالرواية أو الشعر أو القصة وغيرها هو جهل فينا فكل إنسان وما يهواه ، وكما أنني لا أنتقص مما تحبه وتستمتع بالمطالعة بشأنه فكذلك أنت : )

” الرواية للمتعة “

الحقيقة لا أجد في كوننا نبحث عن المتعة في الروايات عيبًا في الرواية ومنقصة فيها ، فالانسان ليس آلة كي يكون استمتاعه عارًا وعيبًا لا يمكن تجاهله ، أيضًا فحصر الرواية على المتعة فقط خطأ كبير ، فمثلًا نجد ابن المقفع في كتابه كليلة ودمنة الذي هو مجموعة قصصية عن الحيوانات المتكلمة في غالبه الكثير من الاستنباطات الحكيمة التي تصب في تقويم سلوكنا وتحسين نظرتنا وتعاملاتنا ، فمثلاً نجد قصة الغراب الذي حاول تقليد مشية الحمامة فلم يتقن تقليدها ونسي مشيته ، حكمة هذه القصة ستغنينا عن قراءة آلاف المجلدات التي تناقش جدوى تقليد الثقافات والهوية وغيرها .

أيضًا كثير من الروايات تحمل إسقاطات نفسية واجتماعية لا يمكن للكاتب أن يصرح بها مباشرة لأسباب كثيرة لا يمكن حصرها ، فالروائي بالنهاية إنسان سينقل وجهة نظره عن طريق هذه القصة ، ونتيجة لهذا فأنت مستفيد من خبرته التي عصرها وجعلها في قالب أدبي لذيذ .

حتى في أدبنا العربي ، نجد أنّ العرب الأوائل يلجأون للأشعار ذات الحكمة المختصرة مثل قول عنترة بن شداد :

لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ

بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ

فالمتعة في الأدب لا تعني بالضرورة أنها متعة مجردة من كل فائدة، بل إنّ كثيرًا منها تترك في القلب أثرًا قد يكون سببًا تغيير طريقته بالتفكير وصقل روحه بهذه المعان.

” قراءة الرواية وحدها لا تكفي”

القراءة في مجال واحد لا يكفي ، وهذا ينطبق على كل شيء ، رواية كانت أو غيرها

….

الرواية والشعر العربي..

 

إحدى الملاحظات الغريبة التي لاحظتها هي أنّ الرواية تلقى من التحقير في مجتمعاتنا ما لا يلقاه الشعر العربي رغم أنّ الرواية والشعر يندرجان تحت سقف الأدب ، هذا الأمر يجعلني أميل لسبب واحد مهدت له في مقدمة تدوينتي هذه ، هي أنّ الرواية جديدة في الثقافة الأدبية العربية ، وهي دخيلة عليها مقارنة بالشعر .

عندما نرى في الثقافة العربية ، وأعني هنا الجاهلية ، سنجد أنّ الأساطير الخيالية التي هي من الأساسيات التي أدت بطريقة أو بأخرى للروايات المختلقة لا حضور لها في البيئة العربية ، وهذا الأمر يعود أسبابه بحسب كثير من الباحثين إلى بيئة الجزيرة العربية التي جعلته لا يميل أبدًا للخيالات الوهمية ، حتى أنّ بعضًا من الأساطير ” وهي قليلة مقارنة بغيرها ” تعود جذورها لشعوب أخرى كالبابلية مثلًا ، لذلك الرواية تعتبر دخيلة على العربي وعليه سنجد عداءً منه نحوها قد لا نجد مثله تجاه الشعر رغم أنّ الاثنين من الأدب ، وإني أرى هذا السبب هو السبب المنطقي الوحيد لهذا العِداء حتى وإن لم يصرح به أحد ، قد يحتمل تفسيري الخطأ كما يحتمل الصواب خاصة أنه قد يلاقي استنكارًا ولا مشكلة في ذلك ، لكني سأناقش عليه كما ناقشت النقاط السابقة.

 

عندما ننظر في التاريخ العربي وأعني هنا فترة الجاهلية والقرن الأول الإسلامي ، سنجد أنّ محمدًا – صلى الله عليه وسلم – أخذ بمشورة سلمان الفارسي-رضي الله عنه- في واقعة الخندق رغم أنّ الخندق لم يكن يومًا في ثقافة العربي العسكرية ، وهذا الأمر لم يمنع خير البشر بالأخذ بمشورة سلمان الفارسي -رضي الله عنه- ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى ، لم يُحرم عليه الأخذ بتلك المشورة ، وهو آخر من تلقى الوحي من رب السماوات والأرض ، رغم أنّ الخندق فكرة فارسية الأصل ، والفرس وقتها مجوس .

 

حتى بعد وفاة خير البشر – صلى الله عليه وسلم – نجد الصحابة يأخذون بما تميّز فيه الأمم الأخرى بما لا يتعارض مع الدين ، فمعاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – استفاد من الرومان بتنظيم خلافته ، كذلك العباسيين والفرس ، وغيرهم كثير من الأمثلة التي لا يمكن حصرها.

ختامًا ، المرء عدو ما يجهل

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: