قصة قصيرة : مقهى قريتنا || الجزء الأول

قبل عقد من الزمن اقترضت مبلغًا متواضعًا لأفتح به مقهاي الصغير في قريتي ، كان المبلغ قليلًا جدًا نظرًا لكوني لا أملك ملاءة مالية جيدة تجعل المصرف يضمن إقراضي مبلغًا كبيرًا خاصة وأني لا أملك سوى شهادة الثانوية ومبلغًا بسيطًا في حسابي المصرفي قد جمعته من بضع أعمال عملتها في تلك الفترة .

كنتيجة منطقية لهذا فقد عملت على هذا المقهى بنفسي ، فأنا المحاسب والطباخ والمنظف فيه ،ولم أجد مشكلة مع تلك الأدوار لأنني شغوف حقيقة بالتجارة ، وشغوف أكثر بالتعرف على الناس ، والمقهى يضمن لي الاثنتين وعليه فلا بأس عندي بما سأدفعه من التضحيات لأجله .

بدأت العمل بإعلان افتتاح مقهاي في جميع مساجد قريتي وجامعه الوحيد ، وطبعت مئات الأوراق ووضعتها على زجاج جميع السيارات ، كنت متحمسًا كفاية لأستعين بخدمات أصحابي ليوم واحد مقابل نسبة معينة من مبيعاتي ، افتتحت المقهى وقتها عصر الجمعة منتظرًا هذا الوفد العظيم الذي سيوقف الحركة المرورية للشارع الذي فيه مقهاي ، لكن لم يأتي أحد .

مرت ساعة وتلتها أخريات دون حضور أحد ، بدأ الضجر يستولي على أصحابي الذين أخذوا بالصراخ علي ، فتخاصمنا ، وتنازعنا ، فكان الصخب الوحيد الذي يملأ المقهى هو شتائمنا تجاه بعضنا .. قالوا :

‘ أعطنا أجرتنا يا سعد ودعنا نرحل من هذا المقهى الفاشل ‘

– ‘أي أجرة تتحدثون عنها ؟ ، اتفاقنا نسبة من مبيعاتي والمبيعات صفر لذا أجرتكم هي قهوة على حسابي ‘

– ‘ لهذا كان يقدسك معلم الرياضيات أيها البخيل المتحذلق ، أعطنا مالًا يعوضنا عن الوقت الذي خسرناه هنا ‘

– ‘ وقت !! متى بتما تهتمان بالوقت ؟ أمتأكدان أنكما تعنيان الوقت الذي أعرفه ؟ لا تعنون رجلًا صحيح ؟!’

– ‘ نعم نعني الوقت ماذا دهاك ؟ ، الوقت الذي تعلمنا حكمته العظيمة ، ماذا كانت ؟ … صحيح ، الوقت كالذهب إن لم يفجرك قطعك هذا هو ‘

– ‘ ما هذه الحكمة العبيطة وما معناها أصلا ؟ لكن اسكتوا لا تشرحا لي شيئًا ، على كل متى صار الوقت مهمًا ؟ أنتما مَن ضيعا ليلة كاملة بالاستراحة في مناقشة كون البيضة أتت قبل الدجاجة والآن تناقشاني عن الوقت ؟’

– ‘ عرفنا قيمته عندما رأينا مقهاك البئيس يا فتى ، لقد تبنا بسبب فشلك يا سعد فاعتبر من هذا ، نحن قرية صغيرة ثقافة المقاهي ليست دارجة عندنا ، لو أنك عرضت ما في مقهاك بنصف السعر بمناسبة الافتتاح لكان أجدى يا فاشل، لكن لا تقلق سنتركك وحيدًا تراجع هذه العبرة العظيمة مع نفسك ، أعطنا ما في جيبك ودعنا نرحل ‘

-‘مافي جيبي ؟ هل وظفت عصابة ؟ ارحلا عني لا أسف عليكما ، سأعطيكما كوبين قهوة على حسابي ‘

– ‘ والعشاء القادم في الاستراحة ‘

– ‘ اغربا عن وجهي ‘

خرجا صديقاي وهما يضحكان علي وعلى فشلي ، بينما كنت أفكر بفداحة خطأي بعدم عرض ما في قائمتي بنصف السعر ، لكني لم أطل الوقت بالتفكير فقد رأيت معجزة أمامي ..

عندما همّ صديقاي بالخروج ظهر أمامهم رجل كبير بالسن بالعقد السادس ، عريض المنكبين قوي الجسد رغم كبره ، كثيف الشارب يلبس ساعة بنية مخدوشة من شركة كاسيو ، لونا عينيه مختلفتان ، إحداهن سوداء كما ظلمة الليل ، والأخرى عسلية كأنها كأس امتلأ عسلًا من خلية النحل مباشرة، عسل جبلي لا شرقي ولا غربي أو نجدي … إنه الشاعر عكرمة ، عظيم قريتنا

لا توجد آراء بشأن "قصة قصيرة : مقهى قريتنا || الجزء الأول"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: