تدوينة : عرّوه فسلخوه .. ثم سموه إبداعًا

ظهرت في الآونة الأخيرة كثير من الأحداث التي يتلبس بها أبطالها لباسًا يصادمون به مجتمعاتهم ، فينسلخون منهم ، ثم يأتون مهاجمين عقيدتهم ، وعاداتهم وتقاليدهم ، وعذرهم الوحيد أنّ هذه هي ضريبة الابداع ، وثمن مفتاح قفل الصندوق الذي خرجوا منه ، ثم يقولون أنّ جدالنا معهم هو السبب وراء تأخرنا وتخلفنا، فهم يروننا قتلة الابداع ، وناقمون على التميز ، فيطالبوننا بالتصفيق ، كأننا طبول لا تعقل ، بل هم يأمروننا على التصفيق ، لأنهم يرون طريقهم هو الأصوب وحضارة الغرب وصناعاتهم تدل على ذلك .

 

لكن هل الغرب فعلًا هكذا ؟ هل السبب وراء نجاحهم هو الانسلاخ من القوانين والتمرد عليها ؟

 

ماهي حضارة الغرب ؟

إن نظرنا في حضارة الغرب لأخر ثلاث قرون سنجد حضارتهم تستحق الاعجاب ولا ينكر هذا إلا متحامل كاره ، كمن يتحامل على حضارة المسلمين قبل قرون مضت ، أو حضارة الرومان والإغريق من قبلهم والبابليين والفراعنة أيضًا ، فكل حضارة متميزة بذاتها يجب التعلم والاستفادة منها ، فالحضارة الغربية اعتمدت على أركان الحضارة الإسلامية والعلوم التي وصلوا إليها ، كذلك المسلمون استفادوا من حضارة الفرس والرومان والإغريق ، بل أنهم حفظوا حضارات كثيرة من النسيان ، فالاستفادة من الناجحين هي الطريقة المنظقية للتقدم ، لكن هل سبب ازدهار حضارة الغرب سببه الأوحد هو الانسلاخ والتمرد كما يدعيه مثيروا الجدل عندنا ؟

 

بالطبع لا ، وهيهات أن يكون تقدمهم بسبب سخريتهم وتمردهم على مجتمعاتهم ، فلو أنّ هذا هو حالهم لكانت اللغة العربية هي اللغة المتسيدة بالعالم اليوم ، فهم سينشغلون بالاستهزاء والنقد كما يفعله أشخاص آخرون بمجتمعات أخرى – نعرفها طبعًا – ولن يرفعوا حضارتهم قدر أنملة ، فهذه ليست سوى معارك حمقاء مهما تغيرت مسمياتها وأحوالها ، فالحضارة والصناعة والاختراع لم يرتبط يومًا بالانسلاخ ، والتمرد على الدين والمجتمع.

إن النظر مثلًا إلى العالم أحمد زويل – رحمه الله – يفند كل هذه الادعاءات ، فلم يكفر زويل بربه ويسب رسوله – صلى الله عليه وسلم – كي يصل إلى ما وصل إليه ، فالإيمان لم يكن يومًا حائلًا بينك وبين صنع الحضارة ، ولو أنه كذلك لما تسيدت الحضارة الإسلامية العالم كل تلك القرون ، قد تكون إجابة بعضهم أنّ زويل كان بالولايات المتحدة لكن هذا لا يعني شيئًا حقيقة ، فالمجتمع الأمريكي يختلف تمامًا عن إعلامه ، وأعظم فترات نجاحها كانت تتسم فيها بالمحافظة ، ولكم أن تقرأوا في مؤلفاتهم وتواريخها ، بل إنّ تميزهم هي بنجاحهم في خلق بيئة جاذبة للناجحين والعباقرة ، فتيسلا كان صربيًا ، وأينشتاين كان ألمانيًا ، وزويل مصري ، فلماذا جميعهم اختاروا هذا البلد رغم أنّ أولهم كان نصرانيًا وثانيهم يهوديًا وآخرهم مسلمًا ؟

هذه البيئة لم تقم على هدم الكنائس ونحر المسلمين أيام الجُمع ولا اليهود في ليالي السبت ، وعلى العكس من ذلك ، فهذه البيئة صُنعت من القوانين ، والقوانين قيود ، فهل تمردوا عليها ؟

 

” كرهك للرياضيات لا يغير من حقيقة أنّ [١+١=٢ ]”

 

إذا قرأنا في تاريخ الحضارة الغربية سنجد أنّ المفصل الذي رفع كعبهم على الحضارة الإسلامية المتسيدة هو انكبابهم على العلم ومحاولتهم فهم طريقة سير هذا العالم آخذين بالاعتبار الاستفادة من آخر ما توصل إليه المسلمون في مختلف العلوم ، فكثرت النظريات الفيزيائية التي تشرح ” نظام ” الكون و ” سننه ” و ” قوانينه ” ، نعم ، الاختراعات التي نستفيد منها اليوم أتت من تطبيق ” القوانين” فكيف نقول أنّ الابداع يأتي من التمرد على كافة القوانين ؟ وأنّ العبقرية هي التفكير خارج الصندوق وثمن هذا التفكير هو ألا تعترف بأي شيء ولا تسير على أي نظام موجود في هذه الحياة .

 

لو كان هذا صحيحًا ، لمات تيسلا بسبب صعقه لنفسه لأنه لا يعترف ” بقوانين الكهرباء ” وكذلك أديسون ، ولم يكن للأخوة رايت أن يطيرا يومًا وهما لا يعترفان بقانون الجاذبية ، لذلك التفسير المنطقي الوحيد للذي يقول أنّ الابداع متطلبه الوحيد هو التمرد على كافة القوانين هو مجرد أحمق لا يمكنه استعياب تلك القوانين فيحاول التملص منها بدعوى الابداع.

 

” الأذكياء يعيشون في مربعات الشطرنج “

 

لعبة الشطرنج تُعتبر أشهر لعبة عقلية صنعها البشرفي تاريخه ، فهذه اللعبة تعتمد بشكل كبير على تخطيطنا الاستراتيجي للانتصار على الخصم وقتل ملكه ، ورغم أنها تحمل ألاف الاحتمالات لكل حركة إلا أنّ أهم أركانها الحركات المقيدة لكل قطعة داخل الأربع وستين مُربعًا ، فلا الحصان يمكنه التحرك بشكل طولي ولا يمكن للقلعة أن تقفز فوق القطع الأخرى مثلًا ، وهذا الأمر هو الذي جعلها لعبة عفلية في المقام الأول ، فهي خلقت الحواجز ولديها ” القوانين ” وبذكائك وحدك تستطيع الانتصار عندما تستفيد من جميع تلك الحدود وتبزغ منها ، وهذا الأمر يشابه لحد كبير جميع المُبدعين الحقيقين في التاريخ ألا وهم المخترعين ، فجميع المخترعين لم يبتكروا شيئًا ينافي قوانين الحياة ، حتى وإنّ ظنّ العامة أنهم كذلك ، الفرق هو أنهم فهموا قوانين الحياة ، ونظمه ، فتفكروا بها ، ووضعوها في حسبانهم عندما اخترعوا.

 

 

” الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه بل المؤثرات الخارجية هي التي تُشكل أفكاره ودوافعه ..

بخصوص مستعارات شكسبير الإبداعية ، فهو لم يبتكر شيئًا من تلقاء نفسه ، بل كانت ملاحظاته دقيقة ، ورسمه مُتقن عندما صوّر أشخاصًا خلقهم الله – عز وجل – ، أما هو فلم يخلق شيئًا “

مارك توين

 

النقطة الأخرى الواجب أخذها بالاعتبار هي حقيقة الابداع ذاته ، فما هو الابداع وكيف يحصل ، وهل هو فعلًا خارج عن ” الصندوق ” ؟

 

رغم أنّ فكرة خروجه عن الصندوق هي فكرة لطيفة تداعب قلوبنا وتجعلنا نشعر بتميزنا إلا أنّ الحقيقة أنه لا يأتي خارج الصندوق إطلاقًا ، كيف ؟

 

عندما نقرأ في الشعر العربي نجد أنّ ” الابداعات ” الشعرية لشعراء الأندلس هي أرق بمئات المرات من مثيلتها في الجزيرة العربية ، رغم أنّ الاثنتين عربية اللغة ، وأنّ أنساب كثير من شعراء الأندلس تعود لجزيرة العرب ، رغم ذلك فشعرهم أرق ، فلماذا ؟

السبب ببساطة هي البيئة المسؤولة عن تشكيل أفكارنا، فبيئة الأندلس أرق بمئات الكرات من بيئة حزيرة العرب القاسية الحارقة .

فالبيئة هي الركن الأقوى التي تُشكلنا ،حتى وإن حاولنا الادعاء أننا خارجون منها ، فتأثير البيئة على تفكيرنا يشابه بدرجة كبيرة تأثير الجاذبية على أجسادنا ، ولكم أن تنظروا في جميع إبداعات العباقرة في التاريخ ، أدبية كانت أو علمية ، وحجم الترابط المتين بينها وبين بيئتها ، فمن المستحيل أن تخرج عن قيود البيئة مهما حاولت مصادمة مجتمعها ، وتقاليدها ، وإن حاولت ذلك فلست سوى أحمق ، بل إنّ وصفك بالحُمق هي ألطف الأوصاف التي فد تنالها على هذا الغباء.

 

العبقري ليس هو الذي ينسلخ من بيئته الذي يعيش فيها ، ويقضي عمره محاولًا سحقها ، وعِداء أهلها ، ومجابهة دينها وعاداتها وتقاليدها ، والذي يحاول هذا هو أشبه بمن يميل إلى إحدى الجبال ويثابر كل يوم على القضاء على الجبل مستعينًا بإبرة على هذا العمل ، ضيّع عمره .. على لا شيء

 

“في الحقيقة يأتي كل جيل جديد بأفكار ورغبات قديمة قدّم الحياة نفسها ، الوقت الذي يظن فيه كل جيل أنه أتى بما لم يأتِ به جيل من قبل ، وذلك لأنه يسقط في تأثير تلك الأفكار أو الرغبات ، ويعتقد أيضًا أنه صانع كل ما هو موجود …

إنّ مصيبة كثير من الشباب هي رغبتهم بالتصادم مع النظريات السابقة وتدميرها حتى لو أثبتت الحياة صحتها ، وما هدف هؤلاء إلا وضع بصمتهم حتى لو كان الباطل ظاهرًا عليها ، ولو أنّ أطفالهم أتوا بها لحاربوه”

ألكسندر دوماس

 

ربما يكون سبب رغبتنا بمصادمة بيئتنا هي محاولة بائسة لإثبات اسمنا وتخليده بتغيير كل شيء وهذا الأمر ليس فقط إعجازيًا بقدر أنه قد يسبب بتخلفنا وتأخرنا عن باقي الشعوب والأمم ، فعندما نبحث في طرق تدمير ما وصل إليه الناس من قبلنا حتى وإن كان ما وصلوا إليه صحيحًا فنحن بذلك وضعنا أنفسنا بنقطة الصفر من جديد ، بينما غيرنا يستفيد ممن قبله ، فنحن نقضي عمرنا في تدميرها .

 

ختامًا ، لا أدعو حقيقة لتعطيل التفكير بحجة التقيد بالقوانين ، بل إنّ كل دعواي هو أن نستفيد من هذه القوانين ، ونعمل بمنطلقها خاصةً إن لم تكن باطلًا وكانت حقيقة ، فلماذا نضيع عمرنا في قتل كل ما هو مُثبت ، ورفع كل ما هو باطل ؟

وعسى أن يمدنا الله عمرًا نرى فيه ألاف المبدعين الحقيقين من بيئتنا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: