مُراجعة كتاب : الأدب الصغير والأدب الكبير

الكاتب : عبدالله بن المقفع

عدد صفحات الكتاب : ١٢٦

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : لا

 

مقدمة ..

‏” زعم بعض الأوّلين أن صحبة بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجُهَّال “

هل تخيلت يومًا وجود كتاب الحكمة يُلخص فيه مؤلفه الحكيم جميع حِكمه من الحياة ؟

هذا الحكيم الذي نسمع عنه في قصص الأولين وأمثالهم ونتساءل لماذا لا يريحنا هذا الحكيم ويكتب كل ما في خاطره بكتاب يُقيد أفكاره ويجعلها معروضة لنا جميعًا ، إن تساءلتم يومًا بتلك التساؤلات فدعوني أخبركم أنّ هذا الحكيم يُدعى ابن المقفع ، وأنّ كتاب الحكمة هو الأدب الصغير والأدب الكبير.

 

يعرض لنا ابن المقفع في كتابه مجموعة من النصائح المُحكمة التي قد تصبح بوصلة مهمة في حياتنا وتعاملاتنا ، خاصة أنّ المجالات التي تتناولها والقيم التي تنبه لها هي أمور حياتيه نتعرض لها جميعًا .

 

 

مُراجعة..

” حكمة ، وحكمة ، والمزيد من الحكم “

كيف نتعامل مع الحياة ومُختلف ظروفها رغم أننا لا نملك خبرة مسبقة فيها ؟

أظن أنّ هذا السؤال كان المحرك الأول لمؤلفات العصر القديم ، حيث أنّ غالبها يهتم في تقديم المشورة اللازمة التي قد تفيد الأجيال المتعاقبة في نواحي حياتهم خاصة في التعامل فيما بينهم ، وهذا المحرك الذي قد يكون هو نواة الدبلوماسية الأولى والسياسة .

كتاب الأدب الصغير والأدب الكبير هو أحد أهم الكتب التي قرأتها تختص في هذا المجال ، غير القوة الأدبية والتمكن العربي المتين في الكتاب رغم أنّ الكاتب ليس عربي الأصل ، إلا أنّ كتابه من أهم آثار الأدب الإسلامي والعربي.

وبعكس بعض معاصريه – كالجاحظ مثلاً- فإنّ ابن المقفع لا يغرق في التفاصيل ويُكثر فيها مما يسبب إرهاقًا للقارىء أحيانًا ، فهو يعطيك فكرته بأقصر الطرق الممكنة ، فإن وجد طريقًا مختصرًا لعرض خاطرته سلكها ، وعلى النقيض فهو أيضًا لا يعطيك معلومة ناقصة مشوهة ، باختصار ، هو المَثَل الأعلى لكل كاتب عربي.

هل يوجد كتاب مُعين يجمع لك كل النصائح التي عليك استنباطها بأوضح الأساليب وأشدها مباشرة ؟

إن كان لهذا السؤال وجود ، فأدب ابن المقفع هو إجابته ، إنّ ابن المقفع باختصار يأخذك للب النصيحة ، دون تلميحات ، واسقاطات ، فلا حاجة لك بالتفكير في ما يعنيه المؤلف بما بين السطور ، فهو يعطيك الحكمة نقية مجردة من كل قناع ، بل ويزينها بأسلوبه الأديب الممتع ، فهي متعة خالصة لمن أحبّ الأدب ، وكنز ثمين لمن بحث عن الفائدة ، إنّ الأدب الصغير والكبير يربيك على فن التعامل مع الناس ، كبيرهم وصغيرهم ، أميرهم وعامتهم وعلمائهم ، بل وحتى مع نفسك ، هو جوهرة الكُتب ، وكفى

عندما أنهيت كتاب عبدالله بدأت بالبحث عن سيرته ففجعت بخبر مقتله وهو لم يبلغ الأربعين ، هذا العظيم قُتل وهو بعز شبابه ، لقد حُرمت الحضارة الإسلامية من عطاء رجل حكيم بمنزلة ابن المقفع ، نعم لقد حُرمت ذاكرتنا العربية من مؤلفاته ، فالمكتبات العظيمة لا تملأ إلا بكتب ابن المقفع ، حُرمنا منه بسبب عداوة جاهل لا ذكرى لاسمه إلا لارتباطه بمنزلة حكيم ، فالتاريخ لا يذكر القاتل لعظمته ومناقبه ، بل يُذكِّرنا أننا خسرنا عظماء بسببهم ، فياحسرة على أمة حُرمت من عدالة الفاروق – رضي الله عنه – بسبب المجوسي أبي لؤلؤة ، وياحسرة على عثمان وعلي والحسين والزبير وابنه عبدالله – رضوان الله عليهم – ، سنذكر قتلة العظماء ولا فخر لهم ، فمناقب الذباب هي إزعاجهم لعظماء البشر .

ولا أخفيكم أنني عجبت أيضًا بعبدالله ، فكيف لرجل قُتل بالثلاثين أن يملك كل هذا ؟ ، كم الكتب التي قرأها ؟ وما هي تلك التجارب التي كونته هكذا ؟ كيف لرجل لم يعش عمرًا طويلًا أن يبلغ هذا المبلغ من الحكمة والحنكة ؟ ، وعجبًا لأعجمي لم تكن العربية لغته الأولى أن يتمكن منها تمكنًا يجعل أبناء وبنات تلك اللغة يتخذوا منه مرجعًا للأدب ، ومَثلًا لها .

ووالله أني استثقلت مراجعة كتابه وخجلت أيضًا ، فكتب ابن المقفع لا تُراجع بل هي مرجع لكل قارى وقارئة ، وكتبه تُهدى والمحظوظ من نالها ، فإن كانت الصدفة خير من ألف ميعاد ، فقراءة أدب ابن المقفع خير من ألف ألف كتاب .

اقتباسات أعجبتني..

مُلاحظة : نظرًا لأن الكتاب ثري بالحكم والاقتباسات العظيمة ، سأكتفي بذكر سبع اقتباسات كي لا أُفقد القراء والقارئات لذة قراءة الكتاب .

” لا تعتذرنّ إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرًا ، ولا تستعيننّ إلا بمن يحب أن يظفر بحاجتك ، ولا تحدثنّ إلاّ من يرى حديثك مغنمًا ، مالم يغلبك الاضطرار”

” إن سمعت من صاحبك كلامًا أو رأيًا يعجبك فلا تنتحله تزينًا به عند الناس ، واكتفِ من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته ، وتنسبه إلى صاحبه “

“إعلم أنّ رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم ، وأنّ مالك لا يغني كل الناس فاختص به ذوي الحقوق “

“إذا أقبل إليك مُقبل بوده فسَّرك ألا يدبر عنك ، فلا تُنعم الإقبال عليه والتفتح له ، فإنّ الإنسان طُبع على ضرائب لُؤم ، فمِن شأنه أن يرحل عمّن لصق به ، ويتلصق بمن رحل عنه ، إلا من حفَظ بالأدب نفسه ، وكابر عليه “

“من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه . فإنه من خفي عليه عيبه ، خفيت عليه محاسن غيره ، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره ، فلن يُقلع عن عيبه الذي لا يعرفه ، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبدًا “

“ومُعلِّم نفسه ومُؤَدِّبها أحق بالإجلال والتفضيل من مُعلِّم الناس ومؤدبهم “

‏” كلام العجلة مُوَكَّل به الزلل وسوء التقدير ، وإن ظن صاحبه أنْ قد أتقن وأحكم “

خاتمة وتقييم..

أتعرفون من الخاسر ؟

هو الذي لا يقرأ هذا الكتاب ، فحرم نفسه من نصائح كانت ستجعله عظيمًا ، ومُهابًا ، وألقى نفسه في مواقف قد ينجو منها لو أنّه صادف حكم كتاب ابن المقفع فأنجته من كربات كان سيقع فيها .

يكفي حديثًا عن الكتاب ، استغلوا وقتكم بقراءته ، لا بقراءة خاتمتي : ) .

التقييم : ١٠ /١٠

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: