قصة قصيرة : مقهى قريتنا || الجزء الثاني

_______

في حال عدم قرائتك للجزء الأول .. الرجاء النقر على الرابط التالي :

مقهى قريتنا || الجزء الأول

_______

ربما لا تعرفون الشاعر عكرمة وإني أعذركم على هذا ، فهو ليس مشهورًا في القنوات الفضائية ، وليس له حضور في المنصات الرقمية ، لكنه عزيز في قريتنا ، وهو هويتنا ، بيد أن تجدوا شباب المرحلة الإعدادية ينتفون شعرات شنبهم لأنهم سمعوا من جداتهم أنّ العظيم عكرمة كان يفعلها ليكثف شاربه هكذا ، ولا تستغربوا حينما أخبركم أنّ المسابقة الوحيدة التي يرعاها محافظ قريتنا هي مسابقة الشعر التي يفوز فيها عكرمة سنويًا ، فهي ليست سوى عذر كي نسمع لهذا العظيم حين يلقي ملاحمه القصصية في أبياته العظيمة .

الشاعر عكرمة يهوى تسلق الجبال وما قريتنا إلا من الجبال ، لذا كانت ملاحمه الشعرية تنبع من صخورها ، وقسوة أبياته تناكف ذئابها ، ومغازلاته تصب على قممها ، ولو أني جعلت كتابي هذا مخصوصًا بمغازلاته لكفته ، فنساؤنا يفتخرن عند بنات القرى أنّ عكرمة لا يمدح سواهن ، فلا ترى جدة إلا وتغني تلك الأبيات الرقيقة ، أما الفتيات الصغيرات فيتراقصن عليها ، وأما الأطفال فيحفظون أبياتها ليلقوا القبول من قريباتهم ، أما الرجال فيقولونها عندما يتأسفون لزوجاتهم ، ويطلبون رضاهن ، فعكرمة يسكننا جميعًا ، والمحظوظ منا من سمع إلقاءه والمثقف فينا من تذوق أوصافه فحللها في مجلسه ، والمؤرخ فينا من حفظ قصصه في تلك الجبال أو صراعاته بالأودية.

عندما دخل علينا ارتبكنا ، وضاقت عظامنا من قشعريرتنا ولم تحتمل ألسنتنا الأفكار المتضاربة التي تضخه عقولنا الضائعة . فصرنا بكمًا لا نعرف ما نقول ، ومجانينًا لا نصدق ما رأيناه .

 وبينما نحن في هذا الموقف المهيب تحدث أحدنا :

‘ إن كنت تبحث عن متجر أسلحة الصيد فهو بالشارع يا سيد عكرمة ‘

-‘ أعرف جميع محلات قريتنا يا بني ، وأظنكم المقهى الوحيد هنا ‘

رد عليه صديقي الآخر :

‘ بالطبع نحن المقهى الوحيد ، حياك الله يا أستاذ عكرمة ‘

  قال صاحبي الأول :

‘ يقصد الشاعر عكرمة ، اعذره يا أستاذ عكرمة ‘

-‘ حتى أنت سميتني أستاذًا ‘

تدخلت حينها وقلت :

‘ تفضل يا عكرمة ، لا عليك منها ‘

بغرابة شديدة ، تراجع صاحبي الأحمقان عن الخروج وانضما إلي بكل ما أوتوا من بجاحة ، قال أحدهما ( أتعلمون شيئًا ؟ ، سأقول أسماءهم سحقًا لهم ) قال صالح :

-‘ أي نوع من القهوة تريد يا شاعر عكرمة ، لدي نوعية مميزة من الهيل  من مزرعة جدتي حتى أنّ جميع عجائز القرية يمدحنه ، وأنت تعلم مثلنا أنّ أذواقهن صعبة صحيح ؟’

رد عكرمة : ‘ الحقيقة إني أرغب بكوب كابتشينو ‘

احتاجت كلمة عكرمة الأخيرة دقيقة  واحدة فقط من خروجها من فيه ليشهق صديقي حمد شهقة كأنه رأى فيها مَلَك الموت ، أما صالح فأمسك بقلبه وهو يتنفس بصعوبة ثم قال : ‘ أواثق أنك…. أنك لا تريد القهوة العربية ؟’

عكرمة : ‘  لو أردتها لأعدتها لنفسي ‘

حمد : ‘ المعذرة لكننا نريد التأكد من الكلمة التي خرجت من شاربك … متأكد أنك قلت كابتشينو ‘

عكرمة : ‘ كما أراك ‘

شعرت وقتها بارتباك الجو بيننا فتدخلت ثانية وقلت : ‘ سنجهز طلبك خلال دقائق ، هيا تعالا معي ‘

أخذتهما وذهبنا بنهاية المقهى وبدأت بالتهامس معهما :

‘  هل أنتما بكامل قواكما العقلية أم ماذا ؟ ‘

صالح:  ‘ ماذا تقول ؟! ألم تسمع الشائعات التي تقول أنّ رجل الشارب هذا يشرب عُشر محصول القهوة العربية بالعالم ؟ ألا ترى شاربه ؟ من أين أتى بربك ؟’

حمد : ‘ ألم تسمعا أنه يملك مزرعة عظيمة بدولة أمريكية ولا يزرع فيها سوى البن والهيل تخيل ؟ وأنه يستعمل ثُلث حصاد الهيل كسماد لشاربه ، ألا تصدقني يا سعد ؟ ابحث عنها بالانترنت ، على ما أذكر اسم الدولة الصين نعم ‘

قلت : ‘ الصين !! ‘

صالح : ‘ اعذر حمد يا صاحبي ، الصين استقلت أصلاً منذ سنتين عن  القارة الأمريكية’

-‘ حتى السياسة ؟!’

حمد : ‘ فهمنا أنك المحنك هنا يا مثقف القهوة ، لكن هل ستقدم له الكابتشينو فعلًا ؟!’

-‘ أجل ؟!’

صالح : ‘ على ما أظن فالكابتشينو يُرسم عليه شكل من أجل البركة ربما ، هل تعرف رسم فارس يركب حصانًا ؟’

-‘ فارس ؟ لم أرسم في حياتي سوى رسمة باب المسجد المكسور وسبعة غيوم تشبه فرو الخرفان ، تريدني أن أرسم فارس ؟’

صالح : ‘ أنا لا أريد شيئًا لكنه بالتأكيد يريدها ‘

–  ‘في الحقيقة لا أعرف سوى رسمة القلب لأن طريقتها هي الوحيدة الموجودة بالانترنت ‘

حمد : ‘ قلب !! أمجنون أنت ؟! تظن أنّ هذا الرجل يملك قلبًا ؟ لو ترسم شاربًا أشرف لنا والله ‘

-‘ إذا تعرف ترسم شاربًا مثل شاربه فارسم ، خذ الكوب ‘

أمسك صالح كتفي وكتف حمد ثم قال مقهقهًا : ‘ إني أملك الحل يا رجال ، انظرو ‘

ثم أدخل يده في جيبه وهو يقلب نظراته بيننا حتى أخرج تلك القطعة المعدنية ، لا لم تكن قطعة معدنية ، بل كانت رصاصة !

-‘ رصاصة !!!! ‘

صالح : ‘ أجل ؟ ‘

-‘ أعلم أنك استغربت من طلب عكاشة لكن ليس لدرجة قتله يا رجل ، ما وظفت قاتلًا مأجورًا !’

صالح : ‘ غباءك هذا طبيعي يا سعد ؟  هذه الرصاصة سأضعها بكوبه بدلًا من قلبك المشين ، عكرمة صياد وهكذا يشرب ‘

حمد : ‘ الحقيقة أتفق مع صالح ، ألم تسمع ما قالوه عن هذا الشاعر ؟ لقد قالت لي أمي أنه يضع البارود في قهوته بعد صلاة العشاء ثم يبحث عن كل طفل لم ينم فيأكله ، لهذا شاربه ضخم هكذا ، إنه يتغذى على كل طفل سهران بالقرية !’

صمتنا قليلًا ونحن نرى حمد مستغربين وهو يبادلنا النظرات لكن بجدية مخيفة ..

صالح : ‘ عندما أخبرتك أمك بهذا الخبر كنت تبلغ من العمر عشر سنين صحيح ؟’

حمد : ‘ في الحقيقة ثمان لكن ما المشكلة في ذلك ، دون نصيحة أمي لما تعرفت عليكما ‘

صالح : ‘ خدعتك أمك يا أحمق ‘

-‘ كنت أظنك الأغبى بيننا يا صالح  ، اعذرني’

صالح : ‘ حتى أنا ‘

-‘ متى سيجهز كوبي؟ ‘

-‘ أوه صحيح ، عشر دقائق وسيجهز كوبك يا عكرمة ‘

كانت هذه هي تفاصيل الليلة الأغرب بحياة المقهى .. وربما حياتي !

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: