تدوينة : سكرات

 

” إنّ السبب الحقيقي خلف انتشار تعاطي الحشيش والأفيون والخمور والتبغ في العالم لا يتعلق بالمذاق أو بالمتعة ، لكنه يتعلق بالحاجة إلى إخفاء صوت الضمير عن الانسان …

عندما لا يكون المرء ثملًا ، فإنه يشعر بالخزي من السرقة ومن القتل بالطبع ، ومن ملاحقة النساء ، أما السكير فلا شيء يشعره بالخزي “

ليف تولستوي

ربما تكون صعوبة تعريف الضمير لا تقل أبدًا عن تعريف الروح حتى وإن استطاع البشر الإشارة إليهن بتلك المُفردات ، وإن كانت الروح تعني الحياة للبشر ، فالضمير هو روح الأخلاق .

ولأن الضمير هو الركن الأهم في أخلاق البشر فهو بذلك حياة الانسان حتى وإنْ كانت الروح هي الدليل الملموس عليه ، فالذي يعيش بدون ضمير هو فاسد ومِن الخطأ أن نجعل الفاسدين بمنزلة الانسان ، وعليه فالروح تعني الحياة للمخلوقات أجمع ، أمّا الضمير فهو حياة ” الإنسان ” .

 

لا أشك بتاتًا أننا نولد مع الضمير ، لكنه يتضاءل أو يكبر بحسب البيئة والتربية والظروف ، فكلما كان حضور الضمير قويًا عند المرء فإنّ معاملته تتغير كثيرًا ، فهو سيحذر أشد الحذر من إلحاق الأذى بالآخرين كي يتجنب محاكمة ضميره في الليل والنهار ، خائفًا من سلاسل الضمير التي لن تتركه حتى يموت ، أو يكفّر ما فعل ، وعلى العكس ، فإنّ من يتضاءل ضميره فإنّ قلبه يغدو أقسى على البشر ، فلا يأبه بعين بكت بسببه ، وبنفس ضاقت من بطشه ، ولا بقلب حطمته يداه ، فميت القلب لا يشعر بقلوب من حوله ، ولا يستوي الحي والميت ، وما كان الذي يملك روحًا بمنزلة الأحياء .

 

” أحيانًا لا تسير الحياة كما كان لا بد لها أن تسير وفقًا لمتطلبات الضمير . ولا يكون لدى الإنسان قوة كي يجعل حياته تتوافق مع هذه المتطلبات ، فلكي يتمكن الإنسان من مواصلة الحياة ، بغض النظر عن صوت ضميره الذي يشير إليه بتناقض حياته مع متطلبات ضميره ، يلجأ الإنسان إلى كل ما بشأنه أن يخدره ، وبهذا يوقف نشاط هذا العضو الذي يتبدّى عن طريقه صوت الضمير ، وهو كالذي يحجب عينيه كي لا يرى ما لا يود أن يراه ”

ليف تولستوي

 

في قصة التوبة المشهورة الذي ذكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم – عن الرجل الذي قتل تسع وتسعين نفسًا فبحث عن التوبة فسأل عنها ، فلمّا أجابه أحد الرهبان بألا له توبة قتله فأكمل قتل مئة نفس… إلى نهاية القصة

 

هذه القصة أشارت إشارة مهمة عن الضمير الذي لم يدع صاحبه يهنأ بحياته ، بل إنّه لازمه للدرجة التي جعلته يبحث عمن يخبره بوجود التوبة ، وهو القاتل الذي قتل مئة نفس ، رغم ذلك فضميره لم يغب بل استمر بالزجر ، وهي عبرة تخبرنا عن السبب الذي يبحث فيه الكثير عن طرق تخدير العقل ، ليفعل ما يشاء .

هذا لا يعني أنّ هناك من يبحث عن تخدير ضميره طيلة حياته قبل ارتكابه كُبرى الجرائم ، وقد لا تكون هذه السكرة مباشرة ، من خمر ونحوه ، بل هي مراحل طويلة مرّ بها هذا المرء كتم فيها صوت ضميره ، أو ربما خدعها أنّ ما يفعله صحيحًا ، وهؤلاء هم السكارى الحقيقيون.

 

فالسكرة الحقيقية هي التي تجعل المرء يُخادع نفسه ويُجمل خطيئته بالأعذار الواهية ، فهو سرق لأنّ صاحب المال أحمق وثق به وهو المخطىء ، وهو كذب لأنّ المجتمع لن يتمكن من كشف كذبته فمكّنه عليها ، وقتل هذا المسكين لأنه كان ضعيفًا لم يستطع الهرب ، وتحرّش بمسكينة لأنه رآها أمامه ، وتلك غلطتها ..

نعم هو يعيش سكرةً هي أشد من جميع أنواع المُسكرات ، فمَن يبرر جُرمه ويطبّعها في نفسه ، لهو المفسد في الأرض ، ولا رجاء يُرجى منه ، أعاذنا الله.

 

للأسف ، إنّ هناك فئة كبيرة من الناس يبيح لنفسه فعل الجرائم وأذية المساكين لمُجرد أنّ الفرصة سُنحت له ، ضاربًا بكل المبادئ عرض الحائط ، وكأن المبادئ أُوجدت والحدود شُرعت للحمقى الذين لا يجدون فرصة تجعلهم يتجاوزونها .

نحن لسنا مُجتمعًا ميكيافيليًا يرى كل شيء مباحًا ما دام أنه يقدر على فعله ، فصارت المقدرة هي من تُسير أفعالنا ، لا أخلاقنا ، هي سكرة عندما تظن أنّ سرقتك مباحة لأنّ أحدًا لم يرك ، هي سكرة عندما تُجرم بالنساء وتؤذيهن ولسان حالك يقول : ” هنّ أمامي ، ولا أحد يراني “

 

 

“انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ …

قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ

وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا

وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ”

حديث شريف

 

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

سورة الأنعام

 

 

قد قيل يومًا “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ” وإني أضيف عليها وأقول : ” وإنّ الله ليمنع بالضمير ما يعجز عليه السلطان “.

 

نعم إنّ القانون نعمة يُحمد عليها ، وحرص مطبقيه حسنة يُثنون عليها ، لكنّ يظل المطبق بشرًا حتى وإن حاول مشكورًا القيام عليها بأكمل وجه وبذل من أجلها كل سبيل ، لذلك فإن إحياء الضمير وتنميته في نفوسنا ، وعدم تبرير الخطايا مهما كانت ، هي خير معين لمن يطبق النظام بحصر الجرائم للدرجة التي تمكّنه عليهم . وهي كذلك بادرةٌ عظيمة ترث الطمأنينة في نفوس الناس ، الذين سيتفاعلون لتطبيقها ، فلا أحد يرضى بالأذى ، لا أحد

 

لننمي في أبنائنا وبناتنا ذلك الضمير ونُحذرهم من عواقب الأذى وأثاره المهلكة ، ولا نترك مجالًا لتبرير الأذى ، فالقتل جريمة ، وإن اختلفت دوافعها .

لا توجد آراء بشأن "تدوينة : سكرات"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: