مُراجعة كتاب : ما الإنسان ؟

المؤلف : مارك توين

المُترجم : كنان القرحالي

عدد صفحات الكتاب:١٥٠

مُلاحظة : الكتاب فلسفي يناقش العديد من المواضيع قد يكون بعضها مُستفزًا للقراء والقارئات ، لا أنصح به للصغار .

مُقدمة…

” أدرك أنّ سعادته لم تكن من المال ، بل من الرضا الروحي الذي نَعِمت به عائلته لتوفر الملذات المُبهجة .. العبرة أنّ المال ليست له قيمة مادية ، فإن استبعدت قيمته الروحية صار كالقمامة “

تُعتبر الحوارات من أقدم الطرق التي يلجأ لها المفكرين لشرح أفكاهم ، فجذورها تعود لما قبل الميلاد مع مؤلفات الفيلسوف أفلاطون ، وهذا الأمر يعوز إلى أنّ الحوار هو الطريقة المُثلى لإيصال الأفكار ، فالبهيمة هي من تُلقن ، لا الانسان .

وعلى ذلك فالحوارات شكلت جزءًا كبيرًا في ثقافة الإنسان والذي وصل أثره للكتب التي تُعتبر الرافد الأساسي لثقافات الأمم والمدلول الأدق لحجم حضارته ، فتنوعت الكتب التي تتناول مُختلف القضايا ، وتناقش عديد المواضيع باستخدام أسلوب الحوارات فصارت أحد أشهر الأساليب ” الآمنة ” و ” المضمونة ” التي يلجأ إليها مُجتمع الكُتاب.

ولأن الحوار لا يكتمل إلا مع الرأي ونقيضه ، فقد كان ذلك عاملًا إضافيًا حببّ هذا الأسلوب للكُتاب ، لأنه يمكنهم بكل سهولة بمناقشة مُخالفيهم عن طريق خلق الشخصية المعارضة وجعلها أحد ركني الحوار ثم التنقل بعدها بنقاشها والرد عليها . وهذا لا يعني يُسر الخوض في هذا النوع لأنه يتطلب بطبيعة الحال إلمامًا عظيمًا بالخصم وحجته  للرد عليه بأكمل وجه ، دون تسطيحه – والذي سينعكس أثره على الكاتب والفكرة التي يعتنقها – وعدم الاسهاب في حجته ، الأمر الذي يحتاج عُمرًا يفنيها صاحبه على ذلك الحوار ، كالعلماء .

أما كتاب مارك توين فهو يناقش العديد من الحالات الاجتماعية التي كثير منها قد صادفناها في حياتنا ، ملقيًا الكثير من وجهات النظر التي ستغير بالتأكيد من نظرتنا لهذا العالم.

….

مُراجعة…

 

” الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه ، بل المؤثرات الخارجية هي التي تشكل أفكاره ودوافعه “

قد تكون الصفة الأبرز في كتاب مارك توين أنه لا يعترف بالتمهيد أبدًا في سبيل مصادمتك بأفكاره ، فذلك الاقتباس لم يكن مثلًا في منتصف الكتاب بل في أولى صفحاته ، هذا الأمر الذي يجعلنا نتخذ انطباعًا عن طريقة مارك توين في كتابه الممتع .

رغم قلة صفحات الكتاب إلا أنك ستشعر غالبًا حين انتهائك منه أنك قرأت العديد من الكتب ، وذلك يرجع إلا نوعية الأفكار ومصادمتها مع أمور جوهرية فينا .

لنرجع إلى اقتباس توين ، يدعم مارك فكرته الذي ذكرها عن الإنسان بتحليل أحد أهم المؤلفين في التاريخ الحديث ” وليم شكسبير ” ، بحسب توين ، فإنّ قصص شكسبير لم يبتكرها من تلقاء نفسه – الأمر الذي يجد رفضًا من بعض المؤلفين إذا وصفوا أنفسهم – بل على العكس من ذلك ، فشكسبير كما حال المؤلفين الآخرين الموهوبين بدقة الملاحظة وحسن التصوير ، التصوير الذي جعلهم يصنعون شخصيات ابتدعوها من ملاحظتهم لمخلوقات الله – عز وجل – ، فالخالق هو الله ، أما شكسبير فلم يخلق شيئًا.

ويزيد توين هذه النقطة بقوله :

” لنفترض أنه حاول أن يخلق ، شكسبير لم يتمكن من خلق شيء البتة ، إنما لم يكن سوى آلة ، والأخيرة لا تخلق “.

عندما يصف توين الإنسان في كتابه فهو يشبههم بالألآت مع التأكيد إلى اختلاف معادنهم ، فبعضهم من الفولاذ ، وآخرون من النحاس ، وهكذا . والسبب في ذلك التشبيه – كما أظن – هو للفترة التي عاش فيها المؤلف ، فمارك توين عاش في القرن التاسع عشر ، القرن الذي كانت الألآت البُخارية متسيدة فيه ، الأمر الذي يجعلنا نصدق أنّ الإنسان مرآة للبيئة التي حوله ، وأنه لا يبتكر شيئًا من العدم : )

من الآراء التي قد تجد جدلًا واسعًا بيننا هي رأي توين عن أفعالنا الحسنة والنبيلة ، فمن وجهة نظره ، فإن السبب وراء أفعالنا الطيبة تجاه الآخرين هي محاولة لإرضاء أنفسنا ، فبحسب توين ، فإن الإنسان لا يعمل عملًا إلا إن كان له عائد له ، فمساعدة الضعفاء مثلًا يكون عائده نيل رضى الضمير عن النفس ، مما يجعل المرء ينام مرتاحًا في الليل ، فهو بذلك يريح نفسه .. وهذا قد يجر المرء لطلب راحة باله بالبحث عن رضى الناس لحماية نفسه وصونها عن ألسنتهم وأرآئهم ، الأمر الذي قد يجعله يفعل أشياءً وحشية ، ويستشهد توين بواقعة رجل يُدعى ألكسندر هاملتون ، الذي كان يعتبر المبارزة عملًا فاسدًا ومنافيًا للدين ، لكنه رغم ذلك تبارز نزولًا عند رأي الناس .

مع أني أختلف بالجزء الأول من كلام توين – حتى وإن دعمها بالكثير من الأمثلة –  لكني أجد نفسي متفقًا مع رأيه بخصوص  سلطة أرآء الناس علينا ، خاصة إن لم نملك بوصلة أخلاقية توجهنا ، والأمثلة على ذلك كثيرة خاصة في أيامنا ، وقصة هاميلتون معبرة ، حتى وإن كانت آراء الناس اليوم متوجهة نحو أمور أخرى .

اقتباسات أعجبتني ..

” ليس بمقدورك أن تمنع عقلك من الشرود إن أراد فهو سلطانك لا أنت “

“الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه بل المؤثرات الخارجية هي التي تُشكل أفكاره ودوافعه”

“يمكن لرأي الناس أن يدفع بعض النلس إلى فعل أي شيء “

” الله خلق الإنسان ولديه إمكانية لأن يكون شريفًا أو لا “

” للنظر إلى الزئبق والذهب ، عندما نضع الزئبق على الذهب مرك واحدة فلن يتأثر الذهب فيه ، لكن لنغمس الذهب في الزئبق لدقائق ، ولنفترض أنّ كل دقيقة بمثابة سنة ، بعد عشرين دقيقة ( عشرين سنة ) سنجد أنّ الذهب قد تشبع بالزئبق وزالت مزاياه وأُفسدت صفاته … وكذلك مع الشخصيات ، إنّ العوامل تؤثر فينا مهما كنا “

“عندما تتوارد الأفكار في عقلك بسرعة واحدة فتبرق من بينها فكرة مُلهمة ، كل ما عليك فعله هو فتح فمك والتحدث عنها أو أن تستهل قلمك لتدوّنها ، إنّ هذا الأسلوب سيصير اهتمام عقلك بالفكرة وسوف يركز عليها فيستمر راضيًا ، وبعد ذلك سيتولى مسؤولية تزويدك بالكلمات المناسبة لتعبّر عن الفكرة “

” لا توجد أطماع مادية وروحية ، جميعها روحية ، فليس المال سوى رمز يعبّر عن رغبة روحية ، وهو رمز لأنك ترغب به ليس لذاته بل لأنه سيرضي روحك مؤقتًا “

 

….

 

خاتمة وتقييم…

 

لم أصل لنهاية الكتاب حتى طلبت جميع روايات توين المتوفرة بالمتاجر والسبب لهذا لأنني شعرت بقيمة قلمه ، إنّ السر وراء تميز توين أنه يقدم لك الأشياء التي لا تُشترى ، هو يزرع فيك البذرة التي تجعلك تعيد النظر مع الأمور وتعمق ملَكة التحليل فيك ، ولا أكذب إن قلت أنه  من الكتب القلائل التي تعمق  شخصيتك …

التقييم : ٩.٣/١٠

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: