مراجعة رواية: إمبراطورية الشمس

الكاتب : ج.ج. بالارد

المُترجم : محمود مسعود

عدد صفحات الرواية : 383

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : لا

 

مقدمة..

‏” إنه ليحسد هذه السلاحف على أصدافها الضخمة ، فهي حصن حصين لها من العالم “

 

قد يتبادر إلى ذهنك عندما نذكر كلمة “حرب ” الحرب العالمية الثانية ، ولا غرابة في ذلك فنحن لا نزال نعيش على نتائج تلك الحرب حتى يومنا هذا ، فالعالم ما قبل الحرب ليس العالم الذي بعده تمامًا ، ولأنها من أشهر حروب التاريخ فلا عجب عندما نرى الكميات الضخمة من المؤلفات عنها وعن فترتها ، فالحرب العالمية الثانية هي مصدر غني يجذب جميع المؤلفين والقراء ، بما فيهم الروائيين.

 

في إمبراطورية الشمس ، يحكي لنا ج.ج بالارد قصة طفل بريطاني يعيش مع أهله في الصين قبيل الحرب العالمية الثانية ، وعندما تقع الحرب وتستولي اليابان على الصين ، تتعاقب الأحداث على هذا الطفل الصغير .

 

مُراجعة..

ملاحظة : لا حرق .. لا خوف : )

هو سوبر ماريو ، سر للأمام دون تراجع

أظن التشبيه اللائق بالرواية هو أنها تشبه اللعبة الكلاسيكية ” سوبر ماريو ” ، ففي لعبة سوبر ماريو ثنائية الأبعاد ، لا يمكنك السير سوى للأمام أو للخلف ، وإن أردت الانتصار فعليك السير للأمام فقط دون أي منعطفات معقدة ، وهذا الأمر يشبه تمامًا هيكلة رواية امبراطورية الشمس .

رواية إمبراطورية الشمس تحكي باختصار قصة طفل يمشي ، نعم هذه هي القصة التي تقبع في الثلاث مئة صفحة ، ومن باب إحقاق الحق ، فالراوي يعلق أحيانًا عن بعض الشعوب بين الفينة والأخرى .

رواية مملة دون أي هدف عميق ، حتى أنني أرجح سبب كتابتها أنّ المؤلف أراد الحديث عن استياءه من تقصير وطنه بريطانيا واعجابه بنفس الوقت بحضارة اليابانيين ، غير احتقاره للأمريكان والصينيين ، كان من الأجدى أن يكتب مقالة دون تضخيمها ووضعها برواية .

حتى على صعيد الشخصيات ، فإني لم أشعر برابط واحد مع أي من الشخصيات لدرجة أنني لم أفقد أي شخصية ماتت في إحدى صفحات الرواية ، فالشخصيات ورقية لا يمكنك الإحساس بروحها ، ومشاعرها ، وهذا فشل ذريع في عالم الروايات.

حتى على صعيد بطل الرواية ، فالطفل لم يكن له أي حضور مميز بغض النظر عن لياقته العالية في مسيرته الأولمبية ، حتى أنني لا أذكر اسمه ولا أريد تذكره أيضًا .

أضف إلى ذلك فشل بالارد بصنع شخصية طفل أصلًا ، فهذا الكائن لم يكن طفلًا بل هو أقرب لتمثال خشبي مُتحرك يعلق عليه الراوي .

ومن باب احقاق الحق ، فالرواية تملك بعض الاقتباسات الجميلة ذات المعاني الحكيمة ، اقتباسات ظُلمت بجعلها في رواية فاشلة كهذه. لو أنه بالارد جمعها ووضعها في كتيب لكان أنفع لنا ولوقتنا والله .

 

الرواية والعمل السينمائي


لا أخفيكم أنني قبل قراءتي للرواية وضعت الفلم القائم عليها والحامل لنفس الاسم ( Empire of The Sun) في القائمة التي سأشاهدها خاصة أنني قرات كثير من التعليقات الإيجابية عنها ، لكني بعدما أنهيت الرواية شطبتها من قائمتي ، والسبب أني عرفت الحدث المهم فيه ، ولا أعني بذلك تحذيركم من العمل السينمائي ، بل إني أميل لنصحكم بمشاهدته فربما أتقن المخرج بتعميق الشخصيات وتجنب الأخطاء التي وقع فيها الكاتب.

اقتباسات أعجبتني..

 

‏” عرف الآن أنّ عاطفة الرحمة التي طالما أوصاه والده بالتزام نواميسها ، غدت بلا قيمة الآن “

 

” هو إنسان متمسك بالحياة ، والمتمسكون بالحياة من طرازه يمكن أن يكونوا خطرين ، إن الحروب وجدت من أجل أمثالهم ! “

مُراجعة وتقييم..

 

رغم الحضور العاطفي الكبير للحروب في نفوس البشر ، إلا أنّ بالارد لم يستغل ذلك أبدًا في صناعة رواية يُشار لها بالبنان ، بل فضّل عرض جميع أراءه عن الحرب وأعضاءه دون أي بناء حقيقي للشخصيات ولا للأحداث ، رواية قبيحة خفف من قبحها تمكن بالارد الكتابي فهو ليس بالكاتب المبتدىء ، عدا ذلك فهي رواية سخيفة.

 

التقييم : ٤/١٠

مُراجعة كتاب : ما الإنسان ؟

المؤلف : مارك توين

المُترجم : كنان القرحالي

عدد صفحات الكتاب:١٥٠

مُلاحظة : الكتاب فلسفي يناقش العديد من المواضيع قد يكون بعضها مُستفزًا للقراء والقارئات ، لا أنصح به للصغار .

مُقدمة…

” أدرك أنّ سعادته لم تكن من المال ، بل من الرضا الروحي الذي نَعِمت به عائلته لتوفر الملذات المُبهجة .. العبرة أنّ المال ليست له قيمة مادية ، فإن استبعدت قيمته الروحية صار كالقمامة “

تُعتبر الحوارات من أقدم الطرق التي يلجأ لها المفكرين لشرح أفكاهم ، فجذورها تعود لما قبل الميلاد مع مؤلفات الفيلسوف أفلاطون ، وهذا الأمر يعوز إلى أنّ الحوار هو الطريقة المُثلى لإيصال الأفكار ، فالبهيمة هي من تُلقن ، لا الانسان .

وعلى ذلك فالحوارات شكلت جزءًا كبيرًا في ثقافة الإنسان والذي وصل أثره للكتب التي تُعتبر الرافد الأساسي لثقافات الأمم والمدلول الأدق لحجم حضارته ، فتنوعت الكتب التي تتناول مُختلف القضايا ، وتناقش عديد المواضيع باستخدام أسلوب الحوارات فصارت أحد أشهر الأساليب ” الآمنة ” و ” المضمونة ” التي يلجأ إليها مُجتمع الكُتاب.

ولأن الحوار لا يكتمل إلا مع الرأي ونقيضه ، فقد كان ذلك عاملًا إضافيًا حببّ هذا الأسلوب للكُتاب ، لأنه يمكنهم بكل سهولة بمناقشة مُخالفيهم عن طريق خلق الشخصية المعارضة وجعلها أحد ركني الحوار ثم التنقل بعدها بنقاشها والرد عليها . وهذا لا يعني يُسر الخوض في هذا النوع لأنه يتطلب بطبيعة الحال إلمامًا عظيمًا بالخصم وحجته  للرد عليه بأكمل وجه ، دون تسطيحه – والذي سينعكس أثره على الكاتب والفكرة التي يعتنقها – وعدم الاسهاب في حجته ، الأمر الذي يحتاج عُمرًا يفنيها صاحبه على ذلك الحوار ، كالعلماء .

أما كتاب مارك توين فهو يناقش العديد من الحالات الاجتماعية التي كثير منها قد صادفناها في حياتنا ، ملقيًا الكثير من وجهات النظر التي ستغير بالتأكيد من نظرتنا لهذا العالم.

….

مُراجعة…

 

” الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه ، بل المؤثرات الخارجية هي التي تشكل أفكاره ودوافعه “

قد تكون الصفة الأبرز في كتاب مارك توين أنه لا يعترف بالتمهيد أبدًا في سبيل مصادمتك بأفكاره ، فذلك الاقتباس لم يكن مثلًا في منتصف الكتاب بل في أولى صفحاته ، هذا الأمر الذي يجعلنا نتخذ انطباعًا عن طريقة مارك توين في كتابه الممتع .

رغم قلة صفحات الكتاب إلا أنك ستشعر غالبًا حين انتهائك منه أنك قرأت العديد من الكتب ، وذلك يرجع إلا نوعية الأفكار ومصادمتها مع أمور جوهرية فينا .

لنرجع إلى اقتباس توين ، يدعم مارك فكرته الذي ذكرها عن الإنسان بتحليل أحد أهم المؤلفين في التاريخ الحديث ” وليم شكسبير ” ، بحسب توين ، فإنّ قصص شكسبير لم يبتكرها من تلقاء نفسه – الأمر الذي يجد رفضًا من بعض المؤلفين إذا وصفوا أنفسهم – بل على العكس من ذلك ، فشكسبير كما حال المؤلفين الآخرين الموهوبين بدقة الملاحظة وحسن التصوير ، التصوير الذي جعلهم يصنعون شخصيات ابتدعوها من ملاحظتهم لمخلوقات الله – عز وجل – ، فالخالق هو الله ، أما شكسبير فلم يخلق شيئًا.

ويزيد توين هذه النقطة بقوله :

” لنفترض أنه حاول أن يخلق ، شكسبير لم يتمكن من خلق شيء البتة ، إنما لم يكن سوى آلة ، والأخيرة لا تخلق “.

عندما يصف توين الإنسان في كتابه فهو يشبههم بالألآت مع التأكيد إلى اختلاف معادنهم ، فبعضهم من الفولاذ ، وآخرون من النحاس ، وهكذا . والسبب في ذلك التشبيه – كما أظن – هو للفترة التي عاش فيها المؤلف ، فمارك توين عاش في القرن التاسع عشر ، القرن الذي كانت الألآت البُخارية متسيدة فيه ، الأمر الذي يجعلنا نصدق أنّ الإنسان مرآة للبيئة التي حوله ، وأنه لا يبتكر شيئًا من العدم : )

من الآراء التي قد تجد جدلًا واسعًا بيننا هي رأي توين عن أفعالنا الحسنة والنبيلة ، فمن وجهة نظره ، فإن السبب وراء أفعالنا الطيبة تجاه الآخرين هي محاولة لإرضاء أنفسنا ، فبحسب توين ، فإن الإنسان لا يعمل عملًا إلا إن كان له عائد له ، فمساعدة الضعفاء مثلًا يكون عائده نيل رضى الضمير عن النفس ، مما يجعل المرء ينام مرتاحًا في الليل ، فهو بذلك يريح نفسه .. وهذا قد يجر المرء لطلب راحة باله بالبحث عن رضى الناس لحماية نفسه وصونها عن ألسنتهم وأرآئهم ، الأمر الذي قد يجعله يفعل أشياءً وحشية ، ويستشهد توين بواقعة رجل يُدعى ألكسندر هاملتون ، الذي كان يعتبر المبارزة عملًا فاسدًا ومنافيًا للدين ، لكنه رغم ذلك تبارز نزولًا عند رأي الناس .

مع أني أختلف بالجزء الأول من كلام توين – حتى وإن دعمها بالكثير من الأمثلة –  لكني أجد نفسي متفقًا مع رأيه بخصوص  سلطة أرآء الناس علينا ، خاصة إن لم نملك بوصلة أخلاقية توجهنا ، والأمثلة على ذلك كثيرة خاصة في أيامنا ، وقصة هاميلتون معبرة ، حتى وإن كانت آراء الناس اليوم متوجهة نحو أمور أخرى .

اقتباسات أعجبتني ..

” ليس بمقدورك أن تمنع عقلك من الشرود إن أراد فهو سلطانك لا أنت “

“الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه بل المؤثرات الخارجية هي التي تُشكل أفكاره ودوافعه”

“يمكن لرأي الناس أن يدفع بعض النلس إلى فعل أي شيء “

” الله خلق الإنسان ولديه إمكانية لأن يكون شريفًا أو لا “

” للنظر إلى الزئبق والذهب ، عندما نضع الزئبق على الذهب مرك واحدة فلن يتأثر الذهب فيه ، لكن لنغمس الذهب في الزئبق لدقائق ، ولنفترض أنّ كل دقيقة بمثابة سنة ، بعد عشرين دقيقة ( عشرين سنة ) سنجد أنّ الذهب قد تشبع بالزئبق وزالت مزاياه وأُفسدت صفاته … وكذلك مع الشخصيات ، إنّ العوامل تؤثر فينا مهما كنا “

“عندما تتوارد الأفكار في عقلك بسرعة واحدة فتبرق من بينها فكرة مُلهمة ، كل ما عليك فعله هو فتح فمك والتحدث عنها أو أن تستهل قلمك لتدوّنها ، إنّ هذا الأسلوب سيصير اهتمام عقلك بالفكرة وسوف يركز عليها فيستمر راضيًا ، وبعد ذلك سيتولى مسؤولية تزويدك بالكلمات المناسبة لتعبّر عن الفكرة “

” لا توجد أطماع مادية وروحية ، جميعها روحية ، فليس المال سوى رمز يعبّر عن رغبة روحية ، وهو رمز لأنك ترغب به ليس لذاته بل لأنه سيرضي روحك مؤقتًا “

 

….

 

خاتمة وتقييم…

 

لم أصل لنهاية الكتاب حتى طلبت جميع روايات توين المتوفرة بالمتاجر والسبب لهذا لأنني شعرت بقيمة قلمه ، إنّ السر وراء تميز توين أنه يقدم لك الأشياء التي لا تُشترى ، هو يزرع فيك البذرة التي تجعلك تعيد النظر مع الأمور وتعمق ملَكة التحليل فيك ، ولا أكذب إن قلت أنه  من الكتب القلائل التي تعمق  شخصيتك …

التقييم : ٩.٣/١٠

تدوينة : سكرات

 

” إنّ السبب الحقيقي خلف انتشار تعاطي الحشيش والأفيون والخمور والتبغ في العالم لا يتعلق بالمذاق أو بالمتعة ، لكنه يتعلق بالحاجة إلى إخفاء صوت الضمير عن الانسان …

عندما لا يكون المرء ثملًا ، فإنه يشعر بالخزي من السرقة ومن القتل بالطبع ، ومن ملاحقة النساء ، أما السكير فلا شيء يشعره بالخزي “

ليف تولستوي

ربما تكون صعوبة تعريف الضمير لا تقل أبدًا عن تعريف الروح حتى وإن استطاع البشر الإشارة إليهن بتلك المُفردات ، وإن كانت الروح تعني الحياة للبشر ، فالضمير هو روح الأخلاق .

ولأن الضمير هو الركن الأهم في أخلاق البشر فهو بذلك حياة الانسان حتى وإنْ كانت الروح هي الدليل الملموس عليه ، فالذي يعيش بدون ضمير هو فاسد ومِن الخطأ أن نجعل الفاسدين بمنزلة الانسان ، وعليه فالروح تعني الحياة للمخلوقات أجمع ، أمّا الضمير فهو حياة ” الإنسان ” .

 

لا أشك بتاتًا أننا نولد مع الضمير ، لكنه يتضاءل أو يكبر بحسب البيئة والتربية والظروف ، فكلما كان حضور الضمير قويًا عند المرء فإنّ معاملته تتغير كثيرًا ، فهو سيحذر أشد الحذر من إلحاق الأذى بالآخرين كي يتجنب محاكمة ضميره في الليل والنهار ، خائفًا من سلاسل الضمير التي لن تتركه حتى يموت ، أو يكفّر ما فعل ، وعلى العكس ، فإنّ من يتضاءل ضميره فإنّ قلبه يغدو أقسى على البشر ، فلا يأبه بعين بكت بسببه ، وبنفس ضاقت من بطشه ، ولا بقلب حطمته يداه ، فميت القلب لا يشعر بقلوب من حوله ، ولا يستوي الحي والميت ، وما كان الذي يملك روحًا بمنزلة الأحياء .

 

” أحيانًا لا تسير الحياة كما كان لا بد لها أن تسير وفقًا لمتطلبات الضمير . ولا يكون لدى الإنسان قوة كي يجعل حياته تتوافق مع هذه المتطلبات ، فلكي يتمكن الإنسان من مواصلة الحياة ، بغض النظر عن صوت ضميره الذي يشير إليه بتناقض حياته مع متطلبات ضميره ، يلجأ الإنسان إلى كل ما بشأنه أن يخدره ، وبهذا يوقف نشاط هذا العضو الذي يتبدّى عن طريقه صوت الضمير ، وهو كالذي يحجب عينيه كي لا يرى ما لا يود أن يراه ”

ليف تولستوي

 

في قصة التوبة المشهورة الذي ذكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم – عن الرجل الذي قتل تسع وتسعين نفسًا فبحث عن التوبة فسأل عنها ، فلمّا أجابه أحد الرهبان بألا له توبة قتله فأكمل قتل مئة نفس… إلى نهاية القصة

 

هذه القصة أشارت إشارة مهمة عن الضمير الذي لم يدع صاحبه يهنأ بحياته ، بل إنّه لازمه للدرجة التي جعلته يبحث عمن يخبره بوجود التوبة ، وهو القاتل الذي قتل مئة نفس ، رغم ذلك فضميره لم يغب بل استمر بالزجر ، وهي عبرة تخبرنا عن السبب الذي يبحث فيه الكثير عن طرق تخدير العقل ، ليفعل ما يشاء .

هذا لا يعني أنّ هناك من يبحث عن تخدير ضميره طيلة حياته قبل ارتكابه كُبرى الجرائم ، وقد لا تكون هذه السكرة مباشرة ، من خمر ونحوه ، بل هي مراحل طويلة مرّ بها هذا المرء كتم فيها صوت ضميره ، أو ربما خدعها أنّ ما يفعله صحيحًا ، وهؤلاء هم السكارى الحقيقيون.

 

فالسكرة الحقيقية هي التي تجعل المرء يُخادع نفسه ويُجمل خطيئته بالأعذار الواهية ، فهو سرق لأنّ صاحب المال أحمق وثق به وهو المخطىء ، وهو كذب لأنّ المجتمع لن يتمكن من كشف كذبته فمكّنه عليها ، وقتل هذا المسكين لأنه كان ضعيفًا لم يستطع الهرب ، وتحرّش بمسكينة لأنه رآها أمامه ، وتلك غلطتها ..

نعم هو يعيش سكرةً هي أشد من جميع أنواع المُسكرات ، فمَن يبرر جُرمه ويطبّعها في نفسه ، لهو المفسد في الأرض ، ولا رجاء يُرجى منه ، أعاذنا الله.

 

للأسف ، إنّ هناك فئة كبيرة من الناس يبيح لنفسه فعل الجرائم وأذية المساكين لمُجرد أنّ الفرصة سُنحت له ، ضاربًا بكل المبادئ عرض الحائط ، وكأن المبادئ أُوجدت والحدود شُرعت للحمقى الذين لا يجدون فرصة تجعلهم يتجاوزونها .

نحن لسنا مُجتمعًا ميكيافيليًا يرى كل شيء مباحًا ما دام أنه يقدر على فعله ، فصارت المقدرة هي من تُسير أفعالنا ، لا أخلاقنا ، هي سكرة عندما تظن أنّ سرقتك مباحة لأنّ أحدًا لم يرك ، هي سكرة عندما تُجرم بالنساء وتؤذيهن ولسان حالك يقول : ” هنّ أمامي ، ولا أحد يراني “

 

 

“انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ …

قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ

وفي رواية: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا

وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ”

حديث شريف

 

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

سورة الأنعام

 

 

قد قيل يومًا “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ” وإني أضيف عليها وأقول : ” وإنّ الله ليمنع بالضمير ما يعجز عليه السلطان “.

 

نعم إنّ القانون نعمة يُحمد عليها ، وحرص مطبقيه حسنة يُثنون عليها ، لكنّ يظل المطبق بشرًا حتى وإن حاول مشكورًا القيام عليها بأكمل وجه وبذل من أجلها كل سبيل ، لذلك فإن إحياء الضمير وتنميته في نفوسنا ، وعدم تبرير الخطايا مهما كانت ، هي خير معين لمن يطبق النظام بحصر الجرائم للدرجة التي تمكّنه عليهم . وهي كذلك بادرةٌ عظيمة ترث الطمأنينة في نفوس الناس ، الذين سيتفاعلون لتطبيقها ، فلا أحد يرضى بالأذى ، لا أحد

 

لننمي في أبنائنا وبناتنا ذلك الضمير ونُحذرهم من عواقب الأذى وأثاره المهلكة ، ولا نترك مجالًا لتبرير الأذى ، فالقتل جريمة ، وإن اختلفت دوافعها .

مُراجعة رواية : جزيرة الكنز


 

الكاتب : روبرت لويس ستيفنسن

المُترجم : هادي رزاق الخزرجي

عدد صفحات الرواية : 300

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : لا

 

 

مقدمة..

 

” خمسة عشر رجلًا على صندوق الرجل الميت

يو هو هو وزجاجة رم

اشرب وقد تولّى الشيطان بقية الأمر

يو هو هو وزجاجة رم “

ملاحظة : رم هو نوع من الخمور كان مشهورًا عند القراصنة.

 

عندما نتحدث عن رواية جزيرة الكنز فإننا هنا لا نكتب عن إحدى أشهر الأعمال الكلاسيكية فحسب بل إنّ هذا العمل يتجاوز هذا الوصف الذي أراه ” مقيدًا ” له ، فرواية مثل جزيرة الكنز تُعتبر رمزًا من رموز روايات المغامرة ومرجع لا يمكن تجاهله إن تحدثنا عن عالم القراصنة بالذات .

الرواية التي قدّمت شخصيتين خياليتين في عالم القراصنة وهما فلينت وجون لونغ سيلفر ، الشخصيتان اللتان صارتا أشهر من كثير من القراصنة الحقيقين كاللحية السوداء وماري ريد وتشارلز فاين وكيد واللحية الحمراء خير الدين بربروس -رحمه الله – وغيرهم كثير .

مراجعة

ملاحظة : لا حرق .. لا خوف : )

” المغامرة ، فقط المغامرة “

إنّ أول وصف يخطر في بال كل قارىء لرواية جزيرة الكنز هو أنها رواية مغامرات في المقام الأول ، لذلك لا غرابة إن أنهيت الرواية في جلسة واحدة بغضون يوم واحد ، فالسلاسة التي تملكها الرواية تجعل قراءتها متعة بحد ذاتها.

وما ميّز العمل أكثر هو الأسلوب السردي ، فقد جعل ستيفنسون بطل الرواية الراوي لها ، هذا الاختيار أعطى للعمل سلاسة مميزة وجميلة ، أيضًا لا ننسى حضور روح الفكاهة العظيم في كثير من فصول الرواية في مختلف شخصياتها مما يجعل المتعة هي الذكرى الأبرز بعد إنهائك لقراءته.

من التجارب الممتعة أيضًا هي تنوع الشخصيات وتميزهم عن بعضهم ، فلا نجد مثلًا أنّ جل التركيز على شخصية واحدة بينما بقية الشخصيات يغلبها السطحية ، روبرت استطاع خلق قالب عظيم من المغامرات يحمل الكثير من الشخصيات الرائعة التي تستحق الإشادة.

رغم أنّ الرواية كانت موجهة للأطفال في بادىء الأمر لكن هذا لم يمنع ستيفنسون من محاكاة مختلف الشخصيات والتفريق بينهم بالحوارات مما أعطى عمقًا ممتعًا للرواية ، فحوار القرصان ليس كحوار الاقطاعي كذلك الطفل بطل الرواية ليس كحوار الاقطاعي كما الطفل بطل الرواية جيم ، هذا القدر من الاهتمام بالتفاصيل جعلني حقيقة من المعجبين بهذا العمل وكانت سببًا مهمًا في رفع تقييمي للعمل رغم السلبيات التي لاحظتها فيه.

مع أنّها نقطة قد تكون بسيطة لكنها تؤثر كثيرًا على الأعمال الروائية ، فللأسف معظم الروائيين تغيب عنهم هذه النقطة أو يعجزون عن تطبيقها ، هذا الأمر الذي يجعلك تشعر أنّ الشخصيات جميعها مرآة لشخصية واحدة.

بخصوص السلبيات ، فإحدى السلبيات التي جعلتني أتحامل على العمل هو أن ستيفنسون لم يتعمق كثيرًا في شخصيات القراصنة رغم أنه صنع رموزًا بمعنى الكلمة ، وأعني جون لونغ سيلفر على وجه الخصوص ، تمنيت حقيقة لو أنّ ستيفنسون تعمق أكثر بدهاليز هذه الشخصية الذي هو صانعها ، فشخصية سيلفر الرجل ذو الساق الواحدة بات مرجعًا لأي كاتب يريد صنع شخصية قرصان ، ولنا في عديد من الأعمال المرئية مثال ، لا أخفيكم أنني صُدمت حقيقة حينما أنهيت صفحات الرواية ولم أجد فيها الأحداث التي تجعلني أكتفي من هذه الشخصية ، بل على العكس تمامًا .

عن نفسي ، لا أرى جون لونغ سيلفر يقل درجة واحدة عن أشهر الشخصيات الكلاسيكية في عالم الروايات ، مثله مثل شيرلوك هولمز وهيركيول بوارو وغيرهم.

تمنيت لو أنّ ستيفنسون لم يكتفي بهذه الرواية خاصة بعد نجاحها الكبير ، وألّف رواية مستقلة تعطي جون لونغ سيلفو حقه كأحد رموز الشخصيات الروائية.

الرواية والعمل التلفزيوني


عندما أذكر جزيرة الكنز فإني سأتذكر بالطبع هذا العمل المدبلج المسمى بنفس الاسم والمقتبس من الرواية ، جزيرة الكنز كان جزءًا أصيلًا في ذكرى طفولتي ، وقراءتي للرواية غلبتها العاطفة خاصة أنها محفورة مسبقًا بذكراي ، بالطبع سأنصح الجميع بمشاهدة العمل الكرتوني فور انتهائه من الرواية خاصةً أنه يملك تفاصيلًا أكثر عن جون لونغ سليفر مما يجعلك تعايش بشكل أكبر هذه الشخصية ، هذا لا يعني أنّ جميع الإضافات كانت جيدة فالقط الأصفر مثلًا لم يعجبني أبدًا بطفولتي وانصدمت حقيقة عندما لم أجده في الوواية ، صدمة أعتبرها صدفة جميلة ستجعلني راضيًا عن ضياع ألف ميعاد ؛ )

 

اقتباسات أعجبتني…

لن تجد اقتباسات جميلة في جزيرة الكنز ، استمتع ، فقط استمتع : )

خاتمة وتقييم..

إن عظمة رواية جزيرة الكنز الحقيقية هي في أنها أثرت في معظم انطباعاتنا عن عالم القراصنة ، فعندما أذكر القراصنة تكون أولى الأمور التي قد تتبادر بذهنك هي برجل ذو ساق واحدة يحمل خريطة كنز ، هذا الأثر هو أهم ما قدّمه ستيفنسون في رواية جزيرة الكنز وصار بسبب ذلك من مشاهير الروائيين.

أنصح كل من يحب عالم المغامرات وعالم القراصنة على وجه الخصوص ألا يفوت هذا الكتاب ، نعم لن تكفيه هذه الرواية عن تفاصيل عالم القراصنة لكنها بالتأكيد ستضمن له متعة بحرية أصيلة لن يلقى مثلها.

التقييم : ١٠/٩

قصة قصيرة : مقهى قريتنا || الجزء الثاني

_______

في حال عدم قرائتك للجزء الأول .. الرجاء النقر على الرابط التالي :

مقهى قريتنا || الجزء الأول

_______

ربما لا تعرفون الشاعر عكرمة وإني أعذركم على هذا ، فهو ليس مشهورًا في القنوات الفضائية ، وليس له حضور في المنصات الرقمية ، لكنه عزيز في قريتنا ، وهو هويتنا ، بيد أن تجدوا شباب المرحلة الإعدادية ينتفون شعرات شنبهم لأنهم سمعوا من جداتهم أنّ العظيم عكرمة كان يفعلها ليكثف شاربه هكذا ، ولا تستغربوا حينما أخبركم أنّ المسابقة الوحيدة التي يرعاها محافظ قريتنا هي مسابقة الشعر التي يفوز فيها عكرمة سنويًا ، فهي ليست سوى عذر كي نسمع لهذا العظيم حين يلقي ملاحمه القصصية في أبياته العظيمة .

الشاعر عكرمة يهوى تسلق الجبال وما قريتنا إلا من الجبال ، لذا كانت ملاحمه الشعرية تنبع من صخورها ، وقسوة أبياته تناكف ذئابها ، ومغازلاته تصب على قممها ، ولو أني جعلت كتابي هذا مخصوصًا بمغازلاته لكفته ، فنساؤنا يفتخرن عند بنات القرى أنّ عكرمة لا يمدح سواهن ، فلا ترى جدة إلا وتغني تلك الأبيات الرقيقة ، أما الفتيات الصغيرات فيتراقصن عليها ، وأما الأطفال فيحفظون أبياتها ليلقوا القبول من قريباتهم ، أما الرجال فيقولونها عندما يتأسفون لزوجاتهم ، ويطلبون رضاهن ، فعكرمة يسكننا جميعًا ، والمحظوظ منا من سمع إلقاءه والمثقف فينا من تذوق أوصافه فحللها في مجلسه ، والمؤرخ فينا من حفظ قصصه في تلك الجبال أو صراعاته بالأودية.

عندما دخل علينا ارتبكنا ، وضاقت عظامنا من قشعريرتنا ولم تحتمل ألسنتنا الأفكار المتضاربة التي تضخه عقولنا الضائعة . فصرنا بكمًا لا نعرف ما نقول ، ومجانينًا لا نصدق ما رأيناه .

 وبينما نحن في هذا الموقف المهيب تحدث أحدنا :

‘ إن كنت تبحث عن متجر أسلحة الصيد فهو بالشارع يا سيد عكرمة ‘

-‘ أعرف جميع محلات قريتنا يا بني ، وأظنكم المقهى الوحيد هنا ‘

رد عليه صديقي الآخر :

‘ بالطبع نحن المقهى الوحيد ، حياك الله يا أستاذ عكرمة ‘

  قال صاحبي الأول :

‘ يقصد الشاعر عكرمة ، اعذره يا أستاذ عكرمة ‘

-‘ حتى أنت سميتني أستاذًا ‘

تدخلت حينها وقلت :

‘ تفضل يا عكرمة ، لا عليك منها ‘

بغرابة شديدة ، تراجع صاحبي الأحمقان عن الخروج وانضما إلي بكل ما أوتوا من بجاحة ، قال أحدهما ( أتعلمون شيئًا ؟ ، سأقول أسماءهم سحقًا لهم ) قال صالح :

-‘ أي نوع من القهوة تريد يا شاعر عكرمة ، لدي نوعية مميزة من الهيل  من مزرعة جدتي حتى أنّ جميع عجائز القرية يمدحنه ، وأنت تعلم مثلنا أنّ أذواقهن صعبة صحيح ؟’

رد عكرمة : ‘ الحقيقة إني أرغب بكوب كابتشينو ‘

احتاجت كلمة عكرمة الأخيرة دقيقة  واحدة فقط من خروجها من فيه ليشهق صديقي حمد شهقة كأنه رأى فيها مَلَك الموت ، أما صالح فأمسك بقلبه وهو يتنفس بصعوبة ثم قال : ‘ أواثق أنك…. أنك لا تريد القهوة العربية ؟’

عكرمة : ‘  لو أردتها لأعدتها لنفسي ‘

حمد : ‘ المعذرة لكننا نريد التأكد من الكلمة التي خرجت من شاربك … متأكد أنك قلت كابتشينو ‘

عكرمة : ‘ كما أراك ‘

شعرت وقتها بارتباك الجو بيننا فتدخلت ثانية وقلت : ‘ سنجهز طلبك خلال دقائق ، هيا تعالا معي ‘

أخذتهما وذهبنا بنهاية المقهى وبدأت بالتهامس معهما :

‘  هل أنتما بكامل قواكما العقلية أم ماذا ؟ ‘

صالح:  ‘ ماذا تقول ؟! ألم تسمع الشائعات التي تقول أنّ رجل الشارب هذا يشرب عُشر محصول القهوة العربية بالعالم ؟ ألا ترى شاربه ؟ من أين أتى بربك ؟’

حمد : ‘ ألم تسمعا أنه يملك مزرعة عظيمة بدولة أمريكية ولا يزرع فيها سوى البن والهيل تخيل ؟ وأنه يستعمل ثُلث حصاد الهيل كسماد لشاربه ، ألا تصدقني يا سعد ؟ ابحث عنها بالانترنت ، على ما أذكر اسم الدولة الصين نعم ‘

قلت : ‘ الصين !! ‘

صالح : ‘ اعذر حمد يا صاحبي ، الصين استقلت أصلاً منذ سنتين عن  القارة الأمريكية’

-‘ حتى السياسة ؟!’

حمد : ‘ فهمنا أنك المحنك هنا يا مثقف القهوة ، لكن هل ستقدم له الكابتشينو فعلًا ؟!’

-‘ أجل ؟!’

صالح : ‘ على ما أظن فالكابتشينو يُرسم عليه شكل من أجل البركة ربما ، هل تعرف رسم فارس يركب حصانًا ؟’

-‘ فارس ؟ لم أرسم في حياتي سوى رسمة باب المسجد المكسور وسبعة غيوم تشبه فرو الخرفان ، تريدني أن أرسم فارس ؟’

صالح : ‘ أنا لا أريد شيئًا لكنه بالتأكيد يريدها ‘

–  ‘في الحقيقة لا أعرف سوى رسمة القلب لأن طريقتها هي الوحيدة الموجودة بالانترنت ‘

حمد : ‘ قلب !! أمجنون أنت ؟! تظن أنّ هذا الرجل يملك قلبًا ؟ لو ترسم شاربًا أشرف لنا والله ‘

-‘ إذا تعرف ترسم شاربًا مثل شاربه فارسم ، خذ الكوب ‘

أمسك صالح كتفي وكتف حمد ثم قال مقهقهًا : ‘ إني أملك الحل يا رجال ، انظرو ‘

ثم أدخل يده في جيبه وهو يقلب نظراته بيننا حتى أخرج تلك القطعة المعدنية ، لا لم تكن قطعة معدنية ، بل كانت رصاصة !

-‘ رصاصة !!!! ‘

صالح : ‘ أجل ؟ ‘

-‘ أعلم أنك استغربت من طلب عكاشة لكن ليس لدرجة قتله يا رجل ، ما وظفت قاتلًا مأجورًا !’

صالح : ‘ غباءك هذا طبيعي يا سعد ؟  هذه الرصاصة سأضعها بكوبه بدلًا من قلبك المشين ، عكرمة صياد وهكذا يشرب ‘

حمد : ‘ الحقيقة أتفق مع صالح ، ألم تسمع ما قالوه عن هذا الشاعر ؟ لقد قالت لي أمي أنه يضع البارود في قهوته بعد صلاة العشاء ثم يبحث عن كل طفل لم ينم فيأكله ، لهذا شاربه ضخم هكذا ، إنه يتغذى على كل طفل سهران بالقرية !’

صمتنا قليلًا ونحن نرى حمد مستغربين وهو يبادلنا النظرات لكن بجدية مخيفة ..

صالح : ‘ عندما أخبرتك أمك بهذا الخبر كنت تبلغ من العمر عشر سنين صحيح ؟’

حمد : ‘ في الحقيقة ثمان لكن ما المشكلة في ذلك ، دون نصيحة أمي لما تعرفت عليكما ‘

صالح : ‘ خدعتك أمك يا أحمق ‘

-‘ كنت أظنك الأغبى بيننا يا صالح  ، اعذرني’

صالح : ‘ حتى أنا ‘

-‘ متى سيجهز كوبي؟ ‘

-‘ أوه صحيح ، عشر دقائق وسيجهز كوبك يا عكرمة ‘

كانت هذه هي تفاصيل الليلة الأغرب بحياة المقهى .. وربما حياتي !

مُراجعة كتاب : الأدب الصغير والأدب الكبير

الكاتب : عبدالله بن المقفع

عدد صفحات الكتاب : ١٢٦

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : لا

 

مقدمة ..

‏” زعم بعض الأوّلين أن صحبة بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجُهَّال “

هل تخيلت يومًا وجود كتاب الحكمة يُلخص فيه مؤلفه الحكيم جميع حِكمه من الحياة ؟

هذا الحكيم الذي نسمع عنه في قصص الأولين وأمثالهم ونتساءل لماذا لا يريحنا هذا الحكيم ويكتب كل ما في خاطره بكتاب يُقيد أفكاره ويجعلها معروضة لنا جميعًا ، إن تساءلتم يومًا بتلك التساؤلات فدعوني أخبركم أنّ هذا الحكيم يُدعى ابن المقفع ، وأنّ كتاب الحكمة هو الأدب الصغير والأدب الكبير.

 

يعرض لنا ابن المقفع في كتابه مجموعة من النصائح المُحكمة التي قد تصبح بوصلة مهمة في حياتنا وتعاملاتنا ، خاصة أنّ المجالات التي تتناولها والقيم التي تنبه لها هي أمور حياتيه نتعرض لها جميعًا .

 

 

مُراجعة..

” حكمة ، وحكمة ، والمزيد من الحكم “

كيف نتعامل مع الحياة ومُختلف ظروفها رغم أننا لا نملك خبرة مسبقة فيها ؟

أظن أنّ هذا السؤال كان المحرك الأول لمؤلفات العصر القديم ، حيث أنّ غالبها يهتم في تقديم المشورة اللازمة التي قد تفيد الأجيال المتعاقبة في نواحي حياتهم خاصة في التعامل فيما بينهم ، وهذا المحرك الذي قد يكون هو نواة الدبلوماسية الأولى والسياسة .

كتاب الأدب الصغير والأدب الكبير هو أحد أهم الكتب التي قرأتها تختص في هذا المجال ، غير القوة الأدبية والتمكن العربي المتين في الكتاب رغم أنّ الكاتب ليس عربي الأصل ، إلا أنّ كتابه من أهم آثار الأدب الإسلامي والعربي.

وبعكس بعض معاصريه – كالجاحظ مثلاً- فإنّ ابن المقفع لا يغرق في التفاصيل ويُكثر فيها مما يسبب إرهاقًا للقارىء أحيانًا ، فهو يعطيك فكرته بأقصر الطرق الممكنة ، فإن وجد طريقًا مختصرًا لعرض خاطرته سلكها ، وعلى النقيض فهو أيضًا لا يعطيك معلومة ناقصة مشوهة ، باختصار ، هو المَثَل الأعلى لكل كاتب عربي.

هل يوجد كتاب مُعين يجمع لك كل النصائح التي عليك استنباطها بأوضح الأساليب وأشدها مباشرة ؟

إن كان لهذا السؤال وجود ، فأدب ابن المقفع هو إجابته ، إنّ ابن المقفع باختصار يأخذك للب النصيحة ، دون تلميحات ، واسقاطات ، فلا حاجة لك بالتفكير في ما يعنيه المؤلف بما بين السطور ، فهو يعطيك الحكمة نقية مجردة من كل قناع ، بل ويزينها بأسلوبه الأديب الممتع ، فهي متعة خالصة لمن أحبّ الأدب ، وكنز ثمين لمن بحث عن الفائدة ، إنّ الأدب الصغير والكبير يربيك على فن التعامل مع الناس ، كبيرهم وصغيرهم ، أميرهم وعامتهم وعلمائهم ، بل وحتى مع نفسك ، هو جوهرة الكُتب ، وكفى

عندما أنهيت كتاب عبدالله بدأت بالبحث عن سيرته ففجعت بخبر مقتله وهو لم يبلغ الأربعين ، هذا العظيم قُتل وهو بعز شبابه ، لقد حُرمت الحضارة الإسلامية من عطاء رجل حكيم بمنزلة ابن المقفع ، نعم لقد حُرمت ذاكرتنا العربية من مؤلفاته ، فالمكتبات العظيمة لا تملأ إلا بكتب ابن المقفع ، حُرمنا منه بسبب عداوة جاهل لا ذكرى لاسمه إلا لارتباطه بمنزلة حكيم ، فالتاريخ لا يذكر القاتل لعظمته ومناقبه ، بل يُذكِّرنا أننا خسرنا عظماء بسببهم ، فياحسرة على أمة حُرمت من عدالة الفاروق – رضي الله عنه – بسبب المجوسي أبي لؤلؤة ، وياحسرة على عثمان وعلي والحسين والزبير وابنه عبدالله – رضوان الله عليهم – ، سنذكر قتلة العظماء ولا فخر لهم ، فمناقب الذباب هي إزعاجهم لعظماء البشر .

ولا أخفيكم أنني عجبت أيضًا بعبدالله ، فكيف لرجل قُتل بالثلاثين أن يملك كل هذا ؟ ، كم الكتب التي قرأها ؟ وما هي تلك التجارب التي كونته هكذا ؟ كيف لرجل لم يعش عمرًا طويلًا أن يبلغ هذا المبلغ من الحكمة والحنكة ؟ ، وعجبًا لأعجمي لم تكن العربية لغته الأولى أن يتمكن منها تمكنًا يجعل أبناء وبنات تلك اللغة يتخذوا منه مرجعًا للأدب ، ومَثلًا لها .

ووالله أني استثقلت مراجعة كتابه وخجلت أيضًا ، فكتب ابن المقفع لا تُراجع بل هي مرجع لكل قارى وقارئة ، وكتبه تُهدى والمحظوظ من نالها ، فإن كانت الصدفة خير من ألف ميعاد ، فقراءة أدب ابن المقفع خير من ألف ألف كتاب .

اقتباسات أعجبتني..

مُلاحظة : نظرًا لأن الكتاب ثري بالحكم والاقتباسات العظيمة ، سأكتفي بذكر سبع اقتباسات كي لا أُفقد القراء والقارئات لذة قراءة الكتاب .

” لا تعتذرنّ إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرًا ، ولا تستعيننّ إلا بمن يحب أن يظفر بحاجتك ، ولا تحدثنّ إلاّ من يرى حديثك مغنمًا ، مالم يغلبك الاضطرار”

” إن سمعت من صاحبك كلامًا أو رأيًا يعجبك فلا تنتحله تزينًا به عند الناس ، واكتفِ من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته ، وتنسبه إلى صاحبه “

“إعلم أنّ رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم ، وأنّ مالك لا يغني كل الناس فاختص به ذوي الحقوق “

“إذا أقبل إليك مُقبل بوده فسَّرك ألا يدبر عنك ، فلا تُنعم الإقبال عليه والتفتح له ، فإنّ الإنسان طُبع على ضرائب لُؤم ، فمِن شأنه أن يرحل عمّن لصق به ، ويتلصق بمن رحل عنه ، إلا من حفَظ بالأدب نفسه ، وكابر عليه “

“من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه . فإنه من خفي عليه عيبه ، خفيت عليه محاسن غيره ، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره ، فلن يُقلع عن عيبه الذي لا يعرفه ، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبدًا “

“ومُعلِّم نفسه ومُؤَدِّبها أحق بالإجلال والتفضيل من مُعلِّم الناس ومؤدبهم “

‏” كلام العجلة مُوَكَّل به الزلل وسوء التقدير ، وإن ظن صاحبه أنْ قد أتقن وأحكم “

خاتمة وتقييم..

أتعرفون من الخاسر ؟

هو الذي لا يقرأ هذا الكتاب ، فحرم نفسه من نصائح كانت ستجعله عظيمًا ، ومُهابًا ، وألقى نفسه في مواقف قد ينجو منها لو أنّه صادف حكم كتاب ابن المقفع فأنجته من كربات كان سيقع فيها .

يكفي حديثًا عن الكتاب ، استغلوا وقتكم بقراءته ، لا بقراءة خاتمتي : ) .

التقييم : ١٠ /١٠

تدوينة : عرّوه فسلخوه .. ثم سموه إبداعًا

ظهرت في الآونة الأخيرة كثير من الأحداث التي يتلبس بها أبطالها لباسًا يصادمون به مجتمعاتهم ، فينسلخون منهم ، ثم يأتون مهاجمين عقيدتهم ، وعاداتهم وتقاليدهم ، وعذرهم الوحيد أنّ هذه هي ضريبة الابداع ، وثمن مفتاح قفل الصندوق الذي خرجوا منه ، ثم يقولون أنّ جدالنا معهم هو السبب وراء تأخرنا وتخلفنا، فهم يروننا قتلة الابداع ، وناقمون على التميز ، فيطالبوننا بالتصفيق ، كأننا طبول لا تعقل ، بل هم يأمروننا على التصفيق ، لأنهم يرون طريقهم هو الأصوب وحضارة الغرب وصناعاتهم تدل على ذلك .

 

لكن هل الغرب فعلًا هكذا ؟ هل السبب وراء نجاحهم هو الانسلاخ من القوانين والتمرد عليها ؟

 

ماهي حضارة الغرب ؟

إن نظرنا في حضارة الغرب لأخر ثلاث قرون سنجد حضارتهم تستحق الاعجاب ولا ينكر هذا إلا متحامل كاره ، كمن يتحامل على حضارة المسلمين قبل قرون مضت ، أو حضارة الرومان والإغريق من قبلهم والبابليين والفراعنة أيضًا ، فكل حضارة متميزة بذاتها يجب التعلم والاستفادة منها ، فالحضارة الغربية اعتمدت على أركان الحضارة الإسلامية والعلوم التي وصلوا إليها ، كذلك المسلمون استفادوا من حضارة الفرس والرومان والإغريق ، بل أنهم حفظوا حضارات كثيرة من النسيان ، فالاستفادة من الناجحين هي الطريقة المنظقية للتقدم ، لكن هل سبب ازدهار حضارة الغرب سببه الأوحد هو الانسلاخ والتمرد كما يدعيه مثيروا الجدل عندنا ؟

 

بالطبع لا ، وهيهات أن يكون تقدمهم بسبب سخريتهم وتمردهم على مجتمعاتهم ، فلو أنّ هذا هو حالهم لكانت اللغة العربية هي اللغة المتسيدة بالعالم اليوم ، فهم سينشغلون بالاستهزاء والنقد كما يفعله أشخاص آخرون بمجتمعات أخرى – نعرفها طبعًا – ولن يرفعوا حضارتهم قدر أنملة ، فهذه ليست سوى معارك حمقاء مهما تغيرت مسمياتها وأحوالها ، فالحضارة والصناعة والاختراع لم يرتبط يومًا بالانسلاخ ، والتمرد على الدين والمجتمع.

إن النظر مثلًا إلى العالم أحمد زويل – رحمه الله – يفند كل هذه الادعاءات ، فلم يكفر زويل بربه ويسب رسوله – صلى الله عليه وسلم – كي يصل إلى ما وصل إليه ، فالإيمان لم يكن يومًا حائلًا بينك وبين صنع الحضارة ، ولو أنه كذلك لما تسيدت الحضارة الإسلامية العالم كل تلك القرون ، قد تكون إجابة بعضهم أنّ زويل كان بالولايات المتحدة لكن هذا لا يعني شيئًا حقيقة ، فالمجتمع الأمريكي يختلف تمامًا عن إعلامه ، وأعظم فترات نجاحها كانت تتسم فيها بالمحافظة ، ولكم أن تقرأوا في مؤلفاتهم وتواريخها ، بل إنّ تميزهم هي بنجاحهم في خلق بيئة جاذبة للناجحين والعباقرة ، فتيسلا كان صربيًا ، وأينشتاين كان ألمانيًا ، وزويل مصري ، فلماذا جميعهم اختاروا هذا البلد رغم أنّ أولهم كان نصرانيًا وثانيهم يهوديًا وآخرهم مسلمًا ؟

هذه البيئة لم تقم على هدم الكنائس ونحر المسلمين أيام الجُمع ولا اليهود في ليالي السبت ، وعلى العكس من ذلك ، فهذه البيئة صُنعت من القوانين ، والقوانين قيود ، فهل تمردوا عليها ؟

 

” كرهك للرياضيات لا يغير من حقيقة أنّ [١+١=٢ ]”

 

إذا قرأنا في تاريخ الحضارة الغربية سنجد أنّ المفصل الذي رفع كعبهم على الحضارة الإسلامية المتسيدة هو انكبابهم على العلم ومحاولتهم فهم طريقة سير هذا العالم آخذين بالاعتبار الاستفادة من آخر ما توصل إليه المسلمون في مختلف العلوم ، فكثرت النظريات الفيزيائية التي تشرح ” نظام ” الكون و ” سننه ” و ” قوانينه ” ، نعم ، الاختراعات التي نستفيد منها اليوم أتت من تطبيق ” القوانين” فكيف نقول أنّ الابداع يأتي من التمرد على كافة القوانين ؟ وأنّ العبقرية هي التفكير خارج الصندوق وثمن هذا التفكير هو ألا تعترف بأي شيء ولا تسير على أي نظام موجود في هذه الحياة .

 

لو كان هذا صحيحًا ، لمات تيسلا بسبب صعقه لنفسه لأنه لا يعترف ” بقوانين الكهرباء ” وكذلك أديسون ، ولم يكن للأخوة رايت أن يطيرا يومًا وهما لا يعترفان بقانون الجاذبية ، لذلك التفسير المنطقي الوحيد للذي يقول أنّ الابداع متطلبه الوحيد هو التمرد على كافة القوانين هو مجرد أحمق لا يمكنه استعياب تلك القوانين فيحاول التملص منها بدعوى الابداع.

 

” الأذكياء يعيشون في مربعات الشطرنج “

 

لعبة الشطرنج تُعتبر أشهر لعبة عقلية صنعها البشرفي تاريخه ، فهذه اللعبة تعتمد بشكل كبير على تخطيطنا الاستراتيجي للانتصار على الخصم وقتل ملكه ، ورغم أنها تحمل ألاف الاحتمالات لكل حركة إلا أنّ أهم أركانها الحركات المقيدة لكل قطعة داخل الأربع وستين مُربعًا ، فلا الحصان يمكنه التحرك بشكل طولي ولا يمكن للقلعة أن تقفز فوق القطع الأخرى مثلًا ، وهذا الأمر هو الذي جعلها لعبة عفلية في المقام الأول ، فهي خلقت الحواجز ولديها ” القوانين ” وبذكائك وحدك تستطيع الانتصار عندما تستفيد من جميع تلك الحدود وتبزغ منها ، وهذا الأمر يشابه لحد كبير جميع المُبدعين الحقيقين في التاريخ ألا وهم المخترعين ، فجميع المخترعين لم يبتكروا شيئًا ينافي قوانين الحياة ، حتى وإنّ ظنّ العامة أنهم كذلك ، الفرق هو أنهم فهموا قوانين الحياة ، ونظمه ، فتفكروا بها ، ووضعوها في حسبانهم عندما اخترعوا.

 

 

” الإنسان لا ينتج شيئًا من تلقاء نفسه بل المؤثرات الخارجية هي التي تُشكل أفكاره ودوافعه ..

بخصوص مستعارات شكسبير الإبداعية ، فهو لم يبتكر شيئًا من تلقاء نفسه ، بل كانت ملاحظاته دقيقة ، ورسمه مُتقن عندما صوّر أشخاصًا خلقهم الله – عز وجل – ، أما هو فلم يخلق شيئًا “

مارك توين

 

النقطة الأخرى الواجب أخذها بالاعتبار هي حقيقة الابداع ذاته ، فما هو الابداع وكيف يحصل ، وهل هو فعلًا خارج عن ” الصندوق ” ؟

 

رغم أنّ فكرة خروجه عن الصندوق هي فكرة لطيفة تداعب قلوبنا وتجعلنا نشعر بتميزنا إلا أنّ الحقيقة أنه لا يأتي خارج الصندوق إطلاقًا ، كيف ؟

 

عندما نقرأ في الشعر العربي نجد أنّ ” الابداعات ” الشعرية لشعراء الأندلس هي أرق بمئات المرات من مثيلتها في الجزيرة العربية ، رغم أنّ الاثنتين عربية اللغة ، وأنّ أنساب كثير من شعراء الأندلس تعود لجزيرة العرب ، رغم ذلك فشعرهم أرق ، فلماذا ؟

السبب ببساطة هي البيئة المسؤولة عن تشكيل أفكارنا، فبيئة الأندلس أرق بمئات الكرات من بيئة حزيرة العرب القاسية الحارقة .

فالبيئة هي الركن الأقوى التي تُشكلنا ،حتى وإن حاولنا الادعاء أننا خارجون منها ، فتأثير البيئة على تفكيرنا يشابه بدرجة كبيرة تأثير الجاذبية على أجسادنا ، ولكم أن تنظروا في جميع إبداعات العباقرة في التاريخ ، أدبية كانت أو علمية ، وحجم الترابط المتين بينها وبين بيئتها ، فمن المستحيل أن تخرج عن قيود البيئة مهما حاولت مصادمة مجتمعها ، وتقاليدها ، وإن حاولت ذلك فلست سوى أحمق ، بل إنّ وصفك بالحُمق هي ألطف الأوصاف التي فد تنالها على هذا الغباء.

 

العبقري ليس هو الذي ينسلخ من بيئته الذي يعيش فيها ، ويقضي عمره محاولًا سحقها ، وعِداء أهلها ، ومجابهة دينها وعاداتها وتقاليدها ، والذي يحاول هذا هو أشبه بمن يميل إلى إحدى الجبال ويثابر كل يوم على القضاء على الجبل مستعينًا بإبرة على هذا العمل ، ضيّع عمره .. على لا شيء

 

“في الحقيقة يأتي كل جيل جديد بأفكار ورغبات قديمة قدّم الحياة نفسها ، الوقت الذي يظن فيه كل جيل أنه أتى بما لم يأتِ به جيل من قبل ، وذلك لأنه يسقط في تأثير تلك الأفكار أو الرغبات ، ويعتقد أيضًا أنه صانع كل ما هو موجود …

إنّ مصيبة كثير من الشباب هي رغبتهم بالتصادم مع النظريات السابقة وتدميرها حتى لو أثبتت الحياة صحتها ، وما هدف هؤلاء إلا وضع بصمتهم حتى لو كان الباطل ظاهرًا عليها ، ولو أنّ أطفالهم أتوا بها لحاربوه”

ألكسندر دوماس

 

ربما يكون سبب رغبتنا بمصادمة بيئتنا هي محاولة بائسة لإثبات اسمنا وتخليده بتغيير كل شيء وهذا الأمر ليس فقط إعجازيًا بقدر أنه قد يسبب بتخلفنا وتأخرنا عن باقي الشعوب والأمم ، فعندما نبحث في طرق تدمير ما وصل إليه الناس من قبلنا حتى وإن كان ما وصلوا إليه صحيحًا فنحن بذلك وضعنا أنفسنا بنقطة الصفر من جديد ، بينما غيرنا يستفيد ممن قبله ، فنحن نقضي عمرنا في تدميرها .

 

ختامًا ، لا أدعو حقيقة لتعطيل التفكير بحجة التقيد بالقوانين ، بل إنّ كل دعواي هو أن نستفيد من هذه القوانين ، ونعمل بمنطلقها خاصةً إن لم تكن باطلًا وكانت حقيقة ، فلماذا نضيع عمرنا في قتل كل ما هو مُثبت ، ورفع كل ما هو باطل ؟

وعسى أن يمدنا الله عمرًا نرى فيه ألاف المبدعين الحقيقين من بيئتنا.

مُراجعة رواية : دكتور جيكل ومستر هايد

الكاتب : روبرت لويس ستيفنسن

المُترجم : جولان حاجي

عدد صفحات الرواية : ١١٥

هل يحتاج لقراءة كتاب قبله ؟ : لا

ملاحظة : مُقدمة المترجم – هداه الله – فيها حرق للقصة ،إياك وقراءة المقدمة تحت أي ظرف من الظروف ، رغم متعة هذه المقدمة لكنها تصلح كتعقيب بعد نهاية القصة ، أنصح بقراءتها بعد الانتهاء من القصة

مقدمة

” وأدع شقيقي في دربه يسير إلى الشيطان “

الشر والخير بأبشع الطرق الممكنة ، هذه هي ملاحظتي الأولى بعد انتهائي من هذا العمل بجلسة واحدة ، هذا العمل الكلاسيكي الأيقوني الذي اشتريته بسبب توصية كاتبتي البوليسية المفضلة ” أجاثا كريستي ” التي ذكرته في إحدى فصول رواياتها ، وكانت توصية الملكة البوليسية رائعة بحق !

الرواية التي كتبها أشهر رواة اسكتلندا وصاحب العمل الشهير جزيرة الكنز ، رواية لا يبخل فيها شاعر ادنبرة عن جعلنا نعيش درجات من الحماس والرعب ( وإن كانت الثانية أقل من الأولى ) ، مع أنّ كتابتها لم تستغرق سوى ثلاثة أيام .. إلا أنّ حبكتها وتقلباتها تجعلك تصفق مرتين .. مرةً لشاعر ادنبرة روبرت ، والثانية لعذا الكابوس الذي تحول لقصة أيقونية

مراجعة

ملاحظة :هناك حرق في المُراجعة …

” التناقض ” هي السمة الأبرز في كلاسيكية روبرت الذي أتقنها بطريقة عرضه التي اعتمدت على عنصر المفاجأة والرعب ، رغم قصر الرواية إلا أنها استطاعت ترك علامة استثنائية في قلوب قرائها حتى جعلها البعض مرجعًا للتناقضات بل إحدى مرادفاتها ، هذه السِمة تجعل من المهم على الجميع قراءة هذا العمل كي يستطيع فهم إشارات الكُتاب والروائيين وحتى المثقفين عندما يذكرونها ، فهذا العمل يُعتبر من الأساسيات الواجب قراءتها لأثرها الكبير على حديث الناس وتشبيهاتهم.

تعتمد الرواية في طريقة عرضها للحوارات على أسلوب كلاسيكي قديم أكرهه شخصيًا ( حتى وإن كان الكاتب معذورًا لأن هذا الأسلوب اشتهر في عصره ) ، هذا الأسلوب الذي يأتي بالحوار قبل ذكر القائل مثل

” مادا تقول ” قال عبدالله ، ” اصمت “

هذه الطريقة تُشعرك كأنك تقرأ عملًا للأطفال ، مع هذا لا زلت أكررعلى أهمية قراءة العمل

أما السلبية الأخرى للعمل فهي بكونها قصيرة حقًا ! رغم ثقل الفكرة وتميزها إلا أنّ روبرت لم يستغلها أبدًا ، فروبرت لم يتعمق في شخصية هايد وجيكل وزاد في أحداث الرواية مما يجعلنا نستشعر المدى النفسي الواسع التي امتلكته الرواية لكنه أُسيء استخدامه حرفيًا ، أظن أنّ روبرت كان مشغولًا بنقل كابوسه ثم نشره من المرة الأولى ، فالعمل أقرب إلى مسودة قصيرة لا تجعلك تشعر سوى بالانبهار بالمفاجأة التي خُتمت بها القصة وفكرة التناقض ، للأسف هذه الفكرة أشبه ببئر من النفط يُقدر بمئات الملايين ، لكن ستيفنسن ألقى عود ثقاب فيه ليحرقه بدلًا من الاستفادة منه

أيضًا لم أجد في الرواية جملًا تثبت في العقل ،، واقتباسات تبقى في القلب ، فرغم قوة رسالة القصة إلا أنها لم تُستغل أيضًا ، من المؤسف حقيقة أن تكون التعليقات والاستدلالات من الروائيين عن هذه الرواية أفضل من الرواية نفسها !

باختصار ، خامة الرواية عظيمة لكنّ صاحبها لم يتقن استخدامها على النحو الأفضل ، فلو أنه استغلها ، لكانت من أفضل خمس روايات تاريخيًا ولصارت بمصاف الأعمال القصصية المُخلدة مثل هاملت شكسبير

….

اقتباسات أعجبتني..

لا توجد سوى اقتباسات قد تتسبب بحرق الرواية ، لذلك أنصحك بالتركيز عليها حالما تصل إليها … موجودة في صفحة ٩٤ وصفحة ١٠٠

..

خاتمة وتقييم…

إنْ كنت أنصح بأعمال لقراءتها فإني أُشدد على قراءة هذا العمل بأقصى سرعة ممكنة ، فهذا العمل قوته تتركز في فكرة واحدة ، وللأسف هذه الفكرة تُعرض بشكل واسع بين الناس ، فغالبًا أنت حرفيًا تحت تهديد الحرق ، لذا عليك الإسراع في قراءتها كي لا تُكسر متعة الرواية بدءًا من تجاهل مقدمة المترجم ، أيضًا قصر العمل – رغم سلبيته – يعتبر حافزًا للمبتدئين ، أيضًا امتلاكه لخامة عظيمة يجعله مصدرًا مُلهمًا للكُتاب كي يصنعوا رائعة روائية ، جوهر هذا العمل خامة نقية لم تُصقل ، وواجب على الروائيين والروائيات قراءتها ، ماذا تنتظرن !؟ وماذا تنتظرون !؟

التقيبم : ٨.٢/١٠

قصة قصيرة : مقهى قريتنا || الجزء الأول

قبل عقد من الزمن اقترضت مبلغًا متواضعًا لأفتح به مقهاي الصغير في قريتي ، كان المبلغ قليلًا جدًا نظرًا لكوني لا أملك ملاءة مالية جيدة تجعل المصرف يضمن إقراضي مبلغًا كبيرًا خاصة وأني لا أملك سوى شهادة الثانوية ومبلغًا بسيطًا في حسابي المصرفي قد جمعته من بضع أعمال عملتها في تلك الفترة .

كنتيجة منطقية لهذا فقد عملت على هذا المقهى بنفسي ، فأنا المحاسب والطباخ والمنظف فيه ،ولم أجد مشكلة مع تلك الأدوار لأنني شغوف حقيقة بالتجارة ، وشغوف أكثر بالتعرف على الناس ، والمقهى يضمن لي الاثنتين وعليه فلا بأس عندي بما سأدفعه من التضحيات لأجله .

بدأت العمل بإعلان افتتاح مقهاي في جميع مساجد قريتي وجامعه الوحيد ، وطبعت مئات الأوراق ووضعتها على زجاج جميع السيارات ، كنت متحمسًا كفاية لأستعين بخدمات أصحابي ليوم واحد مقابل نسبة معينة من مبيعاتي ، افتتحت المقهى وقتها عصر الجمعة منتظرًا هذا الوفد العظيم الذي سيوقف الحركة المرورية للشارع الذي فيه مقهاي ، لكن لم يأتي أحد .

مرت ساعة وتلتها أخريات دون حضور أحد ، بدأ الضجر يستولي على أصحابي الذين أخذوا بالصراخ علي ، فتخاصمنا ، وتنازعنا ، فكان الصخب الوحيد الذي يملأ المقهى هو شتائمنا تجاه بعضنا .. قالوا :

‘ أعطنا أجرتنا يا سعد ودعنا نرحل من هذا المقهى الفاشل ‘

– ‘أي أجرة تتحدثون عنها ؟ ، اتفاقنا نسبة من مبيعاتي والمبيعات صفر لذا أجرتكم هي قهوة على حسابي ‘

– ‘ لهذا كان يقدسك معلم الرياضيات أيها البخيل المتحذلق ، أعطنا مالًا يعوضنا عن الوقت الذي خسرناه هنا ‘

– ‘ وقت !! متى بتما تهتمان بالوقت ؟ أمتأكدان أنكما تعنيان الوقت الذي أعرفه ؟ لا تعنون رجلًا صحيح ؟!’

– ‘ نعم نعني الوقت ماذا دهاك ؟ ، الوقت الذي تعلمنا حكمته العظيمة ، ماذا كانت ؟ … صحيح ، الوقت كالذهب إن لم يفجرك قطعك هذا هو ‘

– ‘ ما هذه الحكمة العبيطة وما معناها أصلا ؟ لكن اسكتوا لا تشرحا لي شيئًا ، على كل متى صار الوقت مهمًا ؟ أنتما مَن ضيعا ليلة كاملة بالاستراحة في مناقشة كون البيضة أتت قبل الدجاجة والآن تناقشاني عن الوقت ؟’

– ‘ عرفنا قيمته عندما رأينا مقهاك البئيس يا فتى ، لقد تبنا بسبب فشلك يا سعد فاعتبر من هذا ، نحن قرية صغيرة ثقافة المقاهي ليست دارجة عندنا ، لو أنك عرضت ما في مقهاك بنصف السعر بمناسبة الافتتاح لكان أجدى يا فاشل، لكن لا تقلق سنتركك وحيدًا تراجع هذه العبرة العظيمة مع نفسك ، أعطنا ما في جيبك ودعنا نرحل ‘

-‘مافي جيبي ؟ هل وظفت عصابة ؟ ارحلا عني لا أسف عليكما ، سأعطيكما كوبين قهوة على حسابي ‘

– ‘ والعشاء القادم في الاستراحة ‘

– ‘ اغربا عن وجهي ‘

خرجا صديقاي وهما يضحكان علي وعلى فشلي ، بينما كنت أفكر بفداحة خطأي بعدم عرض ما في قائمتي بنصف السعر ، لكني لم أطل الوقت بالتفكير فقد رأيت معجزة أمامي ..

عندما همّ صديقاي بالخروج ظهر أمامهم رجل كبير بالسن بالعقد السادس ، عريض المنكبين قوي الجسد رغم كبره ، كثيف الشارب يلبس ساعة بنية مخدوشة من شركة كاسيو ، لونا عينيه مختلفتان ، إحداهن سوداء كما ظلمة الليل ، والأخرى عسلية كأنها كأس امتلأ عسلًا من خلية النحل مباشرة، عسل جبلي لا شرقي ولا غربي أو نجدي … إنه الشاعر عكرمة ، عظيم قريتنا

مُراجعة كتاب : الوزير المُرافق

 

المؤلف : غازي عبدالرحمن القصيبي

عدد صفحات الكتاب :209

مُلاحظة : —-

 

 

مُقدمة..

 

“كانت هناك ، بين الحين والحين ، مهام تأخذ الوزير من دوامة العمل الروتيني اليومي ، أبرز هذه المهام مرافقة الملك وولي العهد ، في الزيارات الرسمية ، ومرافقة رؤساء الدول الذين يزورون المملكة والمساهمة في المؤتمرات المختلفة “

غازي القصيبي

ربما تكون حياة زعماء الدول من أمتع المواضيع التي يبحث عنها كثير من جمهور القراء لعديد من الأسباب لعلّ أهمها  أنّ هؤلاء يُعتبرون المؤثر الأشهر في حياة مجتمعاتهم ، لذلك الغوص في شخصياتهم وتفاصيلها هو هاجس يشغل بال كثير من الناس ، وقد تكون حقيقة محاولة هؤلاء القادة إخفاء صورتهم الحقيقية بأقوى الحواجز الرسمية البروتوكولية تجعل الناس يتلهفون أكثر لمعرفة التفاصيل المختبئة خلف الكواليس ، فالرغبة في الممنوع أصل في عمق كل منا ، ولسنا نجهل قصة أبينا آدم عليه السلام .

 

 

في كتابه الوزير المرافق ، يحكي لنا غازي القصيبي -رحمه الله – قصصه مع سيدات وأسياد الدول بأسلوبه الأديب الممتع .

 

 

مُراجعة وتقييم…

 

هذا الكتاب من الكتب التي أحاول فيها تجنب ذكر اللحظات الممتعة التي عشتها معه ، والسبب يعود لخوفي من سلب متعة قرائتكم للكتاب ، فهو كتاب بسيط  يحكي لك مواقفًا طريفة في غالبها مع أشخاص لم نعتد رؤيتهم إلا بصفة مُعينة تتسم بالرسمية بغالبها – معمر القذافي استثناء في جميع أحواله ؛) –

 

لا أخفيكم أنّ أهم أسباب استمتاعي بالكتاب – غير موضوعه المميز – هو أسلوب غازي القصيبي نفسه ، رغم أنه غني عن التعريف ( خاصةً عند الشعب السعودي ) إلا أنّ المكانة التي نالها يستحقها فعلًا ، فغازي يهوى الكتابة ويستمتع في جمع حروفها وجعلها تُراقص أعيننا وتصاحب قلوبنا ، وليس من الغريب إنهائك لكتابه في جلسة واحدة بسبب سلاسته وخفته ، لكني لن أضمن لك عدم شعورك بالندم عند إنهائك له بنفس الجلسة.

 

كتاب ممتع بلا أدنى شك ، خاصة للذين يحبون قراءة اليوميات ، كتاب ممتع بالدرجة الأولى ، وفيه الكثير من الأمور التي تجعلنا نقف عليها ونتأملها .   

 

 

اقتباسات أعجبتني

 

” كلمة الصداقة في اللغة الألمانية تُشير إلى العقل والقلب معًا ،إنّ العالم الذي يحكمه العقل وحده هو عالم بارد كالصقيع ، والعالم المحكوم من القلب وحده عالم عاطفي متهور “

 

” إنّ الانسان لا يستطيع أن يغير أصدقاءه كما يُغير ملابسه القديمة “

 

خاتمة وتقييم …

 

كتاب ممتع وخفيف ومناسب لجميع الفئات تقريبًا ، سواء لمن أنهى لتوه كتابًا مُنهكًا وثقيلًا وأراد التخفيف قليلًا بكتاب سهل فخيار الوزير المرافق سيكون من أولى الخيارات ، وكذلك لمن انقطع عن القراءة فكتاب غازي سيضمن غالبًا عودة لياقته القرائية ، وغيرهم.

 

التقييم: ٨.٦/١٠